الفصل الثاني: في تصور التغيير

منهاج النبوة في التغيير

مقدمات في المنهاجفي انتزاع الفقه المنهاجي

ترى الماركسية في الفكر الفلسفي، بعدا عن الواقع والعقل في الواقع. وترى فيه بعدا عن حياة الإنسان الاجتماعية،إذ يتناوله فردا، بنجوة عن همومه الاجتماعية. لا ينظر في المجتمع، وحركة المجتمع، وفعل المجتمع. فالفكر الفلسفي جدلي لا عملي. وهو فردي لا اجتماعي. ثم هو في خدمة الدولة، وانعكاس لإرادة الحاكم. وهو جبري لا يرى مجالا لفعل الإنسان والمجتمع في تغيير الواقع. يكفيه التأمل في الواقع لا يتطلع إلى تغييره.

الوصف الماركسي هذا، للفكر الفلسفي في زمانه، وصف لواقع اجتماعي ساده الظلم، وأصابه الركود. وهو هو الفكر واتجاهه، أنى وجد واقع فيه الظلم سائد، ولا من مجاهد.

لما تملك الاستبداد في تاريخ في المسلمين، كان شأن الفكر أن تناول حياة الإنسان فردا، مجردا عن انتمائه إلى الجماعة، وفعله مع الجماعة. وانعكس ذلك في الخطاب فأصبحت تقرأ (اعلم بدل اعلموا). وفي القرآن الخطاب للجمع عموما: “يا أيها الذين آمنوا”.

أصبح الفقه فرديا. وهو لا يرى في الإمكان أبدع مما كان، ومما هو كائن، فلا حاجة للتفسير وطلب التغيير. انطوى الفقه تحت طائلة السيف، وخضع له، وهو لا يمضي إلا حيث لا ينهى الحاكم. وهكذا شيئا فشيئا، ساد الفقه الفردي لا الجماعي، والسلطاني لا الدعوي المتصدي للظلم يقاومه، والجبري الذي لا يطمح إلى تغيير بل لا يرى مجالا للتغيير، والنظري التأملي لا العملي الفاعل في التاريخ، المجاهد كما كان جهاد الأولين؛ ظهر جدلا أكثر شيء، لا عملا كما كان في العهد النبوي وفي القرون الثلاثة الفاضلة. فقه جدلي لا عملي، جبري لا جهادي، فردي لا جماعي، سلطاني لا دعوي.كيف الفقه الجامع، فقه المنهاج النبوي في التقوى والعلم والجهاد؟

ربانية المنهاج

يقول الحق عز وجل:

“مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ” (سورة آل عمران الآيات 80-79)

ربانية منهاج النبوة تتجلى في ربانية الداعية، ودعوة الناس ليكونوا ربانيين. لا يدعو الداعي لعبادة نفسه، أو عبادة غيره. فهو متحرر من هواه الفردي وهواه الجماعي، هو داعية التوحيد، توحيد الله بالعبادة. وهو داع للعبادة، عبادة الله وحده. هكذا ربانية الدعوة.

الربانية تقتضي أن يكون خطاب الدعوة دالا على الله، لا على هوى فردي أو مذهبي. التعصب المذهبي يناقض الربانية، كما هو الاعتزاز بالعقلانية الصادة عن سبيل الله يناقضها.

الربانية تقتضي أن يؤتى الداعية الكتاب والحكم والنبوءة إن كان نبيا، أو يرث ذلك إن كان عالما وارثا. ثمرة الربانية الكاملة أن يؤتى الداعية الدين كله. وهو كتاب في علم، وحكم في سلطان، ورحمة نبوية ومعرفة بالله. شريعة تقوم على أساس العدل، وحكم يقوم على أساس الشورى، وإحسان هو إرث النبوة.

شمولية في النظرة والعمل والتقوى، هذه ثمرة الربانية. يؤتى الداعية هذا كله شاملا. من يؤتيه؟

الله عز وجل يؤتيه، يكون بدء الكشف عن الصراط المستقيم؛ منهاج النبوة، أن يؤتي الله من يشاء من عباده، ويلهمه هذا الصراط، كتابا وحكما وإرثا نبويا إحسانيا. وهذا لا يكون إلا لمن كان ربانيا. فالشأن في طريق المنهاج النبوي، إنما هو في ربانية الداعي إلى الله. يؤتيه الله هذا فضلا منه وكرما. ثم هو متبع لما جاء وحيا وما جاء سنة نبوية، وهما فضل الله الكامل. ومتى كان الاتباع على شريطة الربانية، أصحبه الله من التوفيق ومنحه من التأييد، ما يصنع في القلوب والحياة صنيع الغيث في التربة الكريمة.

المنهاج النبوي رباني المنطلق والغاية، أصيل في العلم والتقوى والجهاد، واضح، ووضوحه من ربانيته؛ فهو نور صاف خال من شوائب تفيهق الهوى وتخليط التعصب المذهبي وتأله العقلانية. يجمع في نظرة شاملة متكاملة الإنسان، ويجمعه على الله. يستجيب لداعية فطرته، راعيا كيانه المركب من جسم وروح وعقل. يؤتي العقل حقه في المشاركة والشورى، ويعطي القلب حظه في معرفة الله، ويقضي حاجة الجسد في استجلاب المنافع.

وهكذا المنهاج النبوي رحمة وهدى ونور؛ فهو أشد وقعا في القلوب، وأبقى أثرا في الحياة. روحه وحي الله في القرآن، وبيانه في السنة النبوية. جاء الوحي بينا مبينا، وجاءت السنة بيانا؛

“نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ”. (سورة النور الآية 35)

موضوع المنهاج

موضوع المنهاج النبوي هو الإنسان. وهو يستقيم حين يمتلئ قلبه بحب الله عز وجل رحمة، وحين يخضع عقله لوحي الله حكمة، ولما يكون جسده في طاعة الله مقتحما العقبة إلى الله بالعمل الصالح.

رحمة وحكمة واقتحام هكذا يستقيم الإنسان. هكذا يستقيم فردا، وهكذا يستقيم جماعة.

مبتدأ الرحمة حب الله، يتلوه بذل، ثم الخلق الحسن. ومبتدأ الحكمة ذكرالله، يتلوه علم نافع، ثم تؤدة في التطبيق العملي وتدرج. ومبتدأ الاقتحام صدق مع الله، ثم عمل صالح، ثم اقتصاد في العمل وقصد إلى الأهداف الدنيوية والأخروية.

تتدرج التربية من الإنسان الفرد ثم الجماعة المؤمنة ثم الأمة الإسلامية.

في تصور التغيير

نتصور التغيير عموما منتظما لجوانب ثلاث:

حالة أولى يراد الخروج منها. وحالة ثانية يراد الخروج إليها. ثم كيفية ووسيلة للخروج من الحالة الأولى إلى الثانية.

نتصور الحالة مرتبطة بذات موضوع. ونتصور الكيفية متضمنة ذاتا فاعلة في الكيف ومتوسلة بوسائل فيه. وهكذا يقتضي تصور التغيير، تصور موضوع التغيير، والحالة المراد تغييرها، والحالة المراد التغيير إليها، والفاعل في عملية التغيير، والكيفية المتبعة والوسائل المعتمدة في كل ذلك.

المنهاج النبوي في التغيير، نبحث فيه عن تصور كل هذه الجوانب، نبحث في الموضوع، وفي حالتي التغيير، وفي الفاعل، وفي كيفيته ليكون هذا التغيير.

موضوع المنهاج النبوي هو الإنسان، نتصوره فردا وجماعة وأمة. والحالة المراد تغييرها هي حالة الضلالة، تكون جاهلية أو فتنة. والحالة المراد التغيير إليها هي حالة الهدى؛ الإسلام، إسلام الوجه لله عز وجل. والفاعل القائم على أمر التغيير هو الصحبة والجماعة دعوة ودولة.

منهاج النبوة في التغيير موضوعه الإنسان، فردا وجماعة وأمة، ينقله من ضلالة الفتنة أو الجاهلية، إلى هدى الإسلام. تنقله الصحبة والجماعة، وتتبع في ذلك طريقة القومة في التربية والتنظيم والزحف.

نختصر في ثلاث كلمات مفاتح، هي الضلالة والقومة والإسلام. نختصرها متضمنة الفاعل والموضوع. فيكون جماع المنهاج النبوي تحويل الإنسان من حالة الضلالة، إلى حالة الإسلام، عبر القومة.

تحدث القرآن عن الضلالة، فحصر أبعادها في الشك، والأنانية، والتشبث بإرث الآباء وملتهم. (اقرأ سورة إبراهيم، الآيتان9-10).

ثم تحدث عن الدين، وذكر أنه عدل وإحسان وشورى. (اقرأ سورة البلد وسورة النحل الآية90).

ثم تحدث عن الفاعل صحبة، فذكر له صفتين هما: الزهد في الدنيا، والاستقامة. والاستقامة قوامها في العبادة والجهاد. (اقرأ سورة ياسين الآية 20 وسورة المائدة الآيات 55-56-57)

وتحدث عن القومة، وذكر عواملها، وحوافزها وموانعها، ودواعيها وشروطها وعقبانها. (اقرأ سورة التوبة تجده في ثناياها).

ثم إننا نجد كل هذه المعاني، جميعا، في سورة البلد.

وفيما يأتي تفصيل ذلك.