أستسمحك سيدي وأستأذنك في اقتحام خلوتك بدون إذنك، لأستفسر عن أسئلة لن أجد لها جواباً إلاّ عندك؛ فأنا لا أعلم لماذا أنت عن الحركات الإسلامية معرض؟ ولمنهجها رافض؟

هل هو الخوف من السلطان؟

أرجو أن لا يكون ذلك، فإنّي لا أرضاه لك، فهو مذلّة لك، ونقض لشهامتك، وبرهان افتقارك إلى صفات المغيرين والمصلحين عبر الزمان.

هل يمنعك ظنك في الإسلام أنّه منهج قديم يخصّ من قبلنا ولا يساير تطورات عصرنا؟

إن كان هذا فاسمح لي سيدي أن أقول لك: أنّك لم تفقه دينك، ولم تعرف أنّ الإسلام أعمّ ممّا تظن، وأشمل ممّا تعتقد، وأدفع إلى التوسيع على المسلمين وتطوير حياتهم ممّا تنهج، وأفضل حافظ لمخاطر الاختراعات ممّا تعلم.

هل يمنعك الافتتان بالغرب وحضارته؟

فاعلم أنّ الإسلام أجمل من ذلك وأطهر. إن وضعت يدك في أيدي الصادقين، وعملت معهم بصدق وأمانة صرت أنت المعلم والملقّن لمبادئ الحضارة ووسائلها، وعرفت كيف تستفيد منهم دون أن تذوب فيهم، بعزّة ونخوة وثقة في النفس واعتزاز بالمنهج، وهي صفات سبقك إليها رسول سعد بن أبي الوقاص -رضي الله عنه-: ربعي بن عامر، حينما قال لرستم أحد قادة الفرس: “الله بعثنا لنخرج عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”(1)، فلم يستكن ولم يخضع رغم وجوده وحيداً بين جنود الفرس وقائدهم.

هل تشغلك الشهوات والملذّات المحرّمة، ولا قدرة لك على مقاومتها؟ أم هو حرصك على المراكز المجلبة للمنافع والعطايا؟ أم يصعب عليك ردّ ما أخذته ظلماً أو زوراً أونصباً؟

كم سوف تعيش أيّها الإنسان؟ ولو فرضنا جدلاً أنّك تمتّعت في حياتك بكلّ ما أنت فيه دون أمراض مزمنة أو مصائب مثقلة أو نكسات مفاجئة، ألم تفكّر فيما كم ستعذّب من أجل ذلك يوم القيامة؟ ما الأفضل؟ هل يوم من الدنيا قد تعيش فيه بعض ضيق العيش إن لم تكن محظوظاً، وتنعم إن حالفك الحظّ والتقيت برجل صالح يأخذ بيدك إلى النجاة، إلى روح الإسلام، فتذوق من عسل حبّ الله ومناجاته، لو علم الحكام به لنافسوك عليه. هل هذا خير؟ أم آلاف الأيام كلها عذاب، وأقلها عذاباً جمرتان تحت قدميك يغلي منها دماغك. (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) سورة الحج 47. إنّ أعدى أعدائك هي نفسك التي بين جنبيك، فهي تسعى إلى شهواتها ولا يهمّها الحلال ولا الحرام، وإنّما همّها المتعة دون النظر إلى عواقب الأمور. اللهم أجرنا من شرها، وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.

هل يمنعك الإلحاد في دين الله تعالى؟

إذ قد تسأل: كيف تفرض عليّ عبادة الله قهراً دون إرادة منّي؟ أو تسأل: كيف تقيّد شهواتي؟ -وذلك خير لك إن كنت عاقلاً-. أو تسأل: كيف تسلب حريّتي في الاعتقاد فيترتّب على فعلي العقاب في اليوم الآخر؟ أو تسأل: كيف يسمح للرسول -صلّى الله عليه وسلّم- بالزواج من تسعة نسوة أو إحدى عشر امرأة ولا يسمح لي أنا بذلك؟ أو تسأل: لماذا أعطيت حقوق للرّجل لم تعط للمرأة؟ أسئلة كثيرة ستتوافد عليك وتتوالد كلما قعست عن طلب الحقيقة.

ويبتدئ الطلب بالبحث عن بداية نشأتك وخلقك؛ من خلقك؟ من أصبغ عليك نعمه؟ من أعطاك القدرة على الكلام والسير والسمع والبصر؟ من صوّرك؟ من سخّر لك الكون كلّه؟.. ألا تدلّ هذه الأمور على محبّته لك؟ لماذا لا تعبده؟ لماذا لا تحبّ من أحبّك؟ وهو من له الفضل عليك، ولو شاء ما خلقك. لماذا تظنّ أنّ واجب عبادة الله جرم في حقّك؟ أليس أكبر الجرائم أن تسيء إلى من أحسن إليك، فتنكر فضله وهو من خلقك، وتتمرّد على طاعته وهو الغني عنك؟ هل تظنّ أنّه محتاج إلى عبادتك؟ وأنت المحتاج إليه في كل حين. بدون خلقه لك لا وجود لك، خلقك نطفة ورعاك وسخّر لك كلّ أسباب النمو والرعاية حتى أصبحت بشراً تنتفع وتنفع غيرك. خلقك عبداً، رضيت أو أبيت، فهو يفعل بك ما يريد وأنت ملكه، والمالك حرّ في ملكه، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) سورة الأنبياء 23، وحقه عليك أن يسيرك كما يشاء، كما تسيّر أنت ما تخترعه بيدك وتريد أن يطيعك فيما تريد، أتحبّ أن يتمرّد عليك شيء صنعته بيدك فلا يخضع لك؟ ولله المثل الأعلى. فكيف إذن ترضى شيئاً لنفسك ولا ترضاه لخالقك؟ إنّك تتحرّك بإذنه، إذ خلق فيك الآليات ما إن عطّل إحداها وقفت حياتك. فهلاّ نزلت من كبريائك، ونفضت عن قلبك غبار الغفلة وأزلت عن بصرك غشاوة الوهم، واعترفت بضعفك وخضوعك؟ إنّك خاضع كونياً، إحساناً منه سبحانه. فكيف لا تطيع من أحسن إليك، فأنت تطيع من شغّلك في المركز الدنيوي دون إحسان من رئيسه أو محبّة منه، وإنّما بشهادتك العلمية. فأين هو المنطق الذي تنادي به؟ وأين هو العقل الذي تقدّسه؟ إنّ سبب إلحادك عدم حبّك لله تعالى، ولو عرفته بصفاته العلى وبأسمائه الحسنى لتفطّر قلبك من شدّة حبّك له، ولأطعته وندمت عن كل دقيقة غفلت عنه فيها، و لأحسنت الظنّ به في كلّ ما دلّ ظاهره على خلاف ما تنزّه عنه، ولاستسلمت لمن هو أعلم منك بك.

هل يمنعك الكفر بالله وبرسوله وباليوم الآخر؟

أما يكفيك إعجاز القرآن لكل البشرية في أن تأتيَ بمثل سورة منه؟ أما يكفيك سرّ نظام هذا الكون وكيفية نشأته بتصميم دقيق وهادف ورابط لكلّ الجزئيات في تكامل يصعب على العقل البشري إدراكه. من فعل ويفعل كلّ هذا؟ هل هي الصدفة كما يدعي البعض؟ إنّك لو تأمّلت في جزئية واحدة صغيرة من هذا الكون، وتتبّعت كيف يبتدئ منشؤها ثمّ تنمو وتكبر لعلمت أنّ لهذا الكون خالقاً، ولا يمكن أن يكون إلاّ واحداً. خذ على سبيل المثال لا الحصر؛ سنبلة في كيفية ابتداء نموّها من حبّة ثمّ استمرار ذلك بشكل متوازن ومتدرّج في منحى مقصود، وهو إخراج السنبلة التي ينتفع بها الإنسان فيما بعد، ويزرع منها حبات أخريات ليطول عيشه وتستمرّ حياته. وقبل كلّ ذلك، نفسك (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) الذاريات 21، قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنّه إنّما خلق ولينت مفاصله للعبادة. أقول وللعادة إن غابت النية؛ من وضع لك عينين ترى بهما؟ رؤية تستمدّ سلامتها من الوضع المتوازن في وجهك، وتتناسب مع البيئة والشعاع وطبيعة الأجسام المشاهَدة، تحت درجة حرارة مضبوطة وضغط مضبوط. والأمثلة كثيرة، لو اجتمع كلّ البشر على أن يعدّوها ما استطاعوا ذلك (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) سورة إبراهيم 34.

أسباب كثيرة، لا شكّ أنّك أيها المفكّر الفذ أو أيتها الناشطة الجمعوية الفريدة أو أيّها المسؤول المحترم أو أيّها الصحافيّ المفوّه أو أيّها الكاتب البارع.. لك نصيب منها ولن يخرج تفكيرك عن تلك الدوافع التي تمنعك من مراجعة سيرك وإدراك الحقيقة. حقيقة العبودية لله تعالى، فإنّك عبده، ويحسن بك التوبة بين يدي الله تعالى لتسعد في الدنيا والآخرة، وإلاّ فالشقّاء أمامك.

ما ظنك فيما يريده الإسلاميون منك؟ هل هو ما فهمته من انفعال ذاك أو ردّ فعل ذلك أو خشونة وفظاظة أولائك؟

لا أبداً، ما أرادوا منك ذلك، وإنما تلك هي أعمال مظروفة بظروفها ومحصورة بمكانها وزمانها ولا تعبّر إلاّ عن أراء أشخاصها. فالإسلاميون لا يريدون لك إلاّ الخير وسعادة الدنيا والآخرة. فلا تلتفت إلى خطأ البعض، ولا تنظر إلى الجمع من خلال الفرد، فإنه خطأ منهجي كما تعلم.

وها هي جماعة العدل والإحسان تمدّ إليك يدها للمشاركة في ميثاق واحد، تجتمع عليه النيات الصادقة والطاقات المتوازنة لبناء مغرب أفضل، ينعم فيه المغاربة بالأمن، والعدالة، وحسن التدبير، وحرية المشاركة في البناء دون احتكار أو تسلّط من أحد، فيحفظ بذلك الترابط الاجتماعي، وتعالج الظواهر المخلة، ويعالج التفاوت الطبقي، ويبسط العدل في كل المجالات، ويهيأ للتطلع الإحساني، وتحيى العزة بالله وبرسوله…

كلّ ذلك في تدرّج، وحكمة، ورحمة، وهدوء، وتؤدة، ومضاء عزيمة، سعياً لتأسيس بيئة يهنأ فيها الإنسان ويعبد فيها ربّ العباد.

إنّ هذا الكلام لك سيدي ليس من باب الدحض لأفكارك، أو التسفيه لعقلك، أو الانتصار عليك، وإنّما هي دعوة محبّ لك، حريص على مصلحتك. والله أسأل أن يعزّ الإسلام بك، فقد دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم أعز الدين بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام أو عمر بن الخطاب» فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب. ومن يعلم؟ فقد تكون ممن يفتح الله على أيديهم. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». فحي على النجاة، حي على الفلاح، حي على نصرة دينك واحفظ نفسك من العذاب الأخروي قبل فوات الأوان. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) سورة التحريم 6.

——————————

(1) انظر أخبار القادسية في تاريخ ابن خلدون.