فلما رأيت أصناف الخلق قد ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بـهذه الأسباب، ورأيت نفسي ملية بكشف هذه الشبهة، حتى كان إفضاح هؤلاء أيسر عندي من شربة ماء، لكثرة خوضي في علومهم وطرقهم -أعني طرق الصوفية والفلاسفة والتعليمية والمتوسمين من العلماء-، انقدح في نفسي أن ذلك متعين في هذا الوقت، محتوم. فماذا تغنيك الخلوة والعزلة، وقد عم الداء، ومرض الأطباء، وأشرف الخلق على الهلاك؟ ثم قلت في نفسي: متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة، والزمان زمان الفترة، والدور دور الباطل، ولو اشتغلت بدعوة الخلق، عن طرقهم إلى الحق، لعاداك أهل الزمان بأجمعهم، وأنـَّى تقاومهم فكيف تعايشهم، ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد، وسلطان متدين قاهر؟

فترخصت بيني وبين الله تعالى بالاستمرار على العزلة تعللاً بالعجز عن إظهار الحق بالحجة. فقدر الله تعالى أن حرك داعية سلطان الوقت من نفسه، لا بتحريك من خارج. فأمر أمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور، لتدارك هذه الفترة. وبلغ الإلزام حداً كان ينتهي، لو أصررت على الخلاف، إلى حد الوحشة. فخطر لي أن سبب الرخصة قد ضعف، فلا ينبغي أن يكون باعثك على ملازمة العزلة الكسل والاستراحة، وطلب عز النفس وصونها عن أذى الخلق، ولم ترخص لنفسك عُسْرَ معاناة الخلق، والله سبحانه وتعالى يقول:

بسم الله الرحمن الرحيم: (الم. أحَسِبَ الناسُ أن يُتركوا أن يقولوا آمناً وهم لا يُفَتَنونَ ولقد فتنّا الذينَ من قبلهم) الآية (العنكبوت: 1-3).

ويقول عز وجل لرسوله وهو أعز خلقه:

(ولقدَ كُذّبَتْ رُسلٌ من قبلكَ فصَبروا على ما كُذّبوا وأُوذوا، حتى أتاهم نصرُنا؛ ولا مبَدّلَ لكلماتِ الله، ولقد جاءك من نبأ المرسلين) (الأنعام: 34)

ويقول عز وجل: (بسم الله الرحمن الرحيم : يس والقرآن الحكيم…) إلى قوله (إنما تنذرُ من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيبِ). (يس:1-11)

فشاورت في ذلك جماعة من أرباب القلوب والمشاهدات، فاتفقوا على الإشارة بترك العزلة، والخروج من الزاوية؛ وانضاف إلى ذلك منامات من الصالحين كثيرة متواترة، تشهد بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد قدّرها الله سبحانه على رأس هذه المائة؛ فاستحكم الرجاء، وغلب حسن الظنّ بسبب هذه الشهادات وقد وعد الله سبحانه بإحياء دينه على رأس كل مائة. ويسّر الله تعالى الحركة إلى نيسابور، للقيام بـهذا المهم في ذي القعدة، سن تسع وتسعين وأربع مائة. وكان الخروج من بغداد في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وأربع مائة. وبلغت مدة العزلة إحدى عشر سنة. وهذه حركة قدّرها الله تعالى، وهي من عجائب تقديراته التي لم يكن لها انقداح في القلب في هذه العزلة، كما لم يكن الخروج من بغداد، والنـزوع عن تلك الأحوال مما خطر إمكانه أصلاً بالبال؛ والله تعالى مقلب القلوب والأحوال و(قلب المؤمن بين إصبعين من أصابعِ الرحمن) وأنا أعلم أني، وإن رجعت إلى نشر العلم، فما رجعت! فإن الرجوع عَودٌ إلى ما كان، وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي به يكتسب الجاه، وأدعو إليه بقولي وعملي، وكان ذلك قصدي ونيتي. وأما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يُترك الجاه، ويعرف بـه سقوط رتبة الجاه.

هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي؛ يعلم الله ذلك مني؛ وأنا أبغي أن أصلح نفسي وغيري، ولست أدري أأصِل مرادي أم أُخترم دون غرضي؟ ولكني أؤمن إيمان يقين ومشاهدة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله (العلي العظيم)؛ وأني لم أتحرك، لكنه حركني؛ وإني لم أعمل، لكنه استعملني؛ فأسأله أن يصلحني أولاً، ثم يُصلح بي، ويهديني، ثم يهدي بي؛ وأن يريني الحق حقاً، ويرزقني اتباعه، ويريني الباطل باطلاً، ويرزقني اجتنابه.