أخي عمر…

السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته:

سبحان الله. إنها لموافقة عجيبة. فقبل أيام قلائل من نشر مقالة “شهادة محب في محب” لأخينا الفاضل ذ. عبد الحميد قابوش، في موقع الجماعة، كنت أفكر في نشر هذه المقالة التي لا يختلف عنوانها إلا يسيرا عن سابقتها، وإن كان البون شاسعا بين صاحبيها، نسبا وسبقا، عطاء ووفاء. وبعد أن قرأت المقالة بشوق وذوق، عدلت عن مقالتي، إذ القرائن كلها مجتمعة  من شرع وعرف وأدب  تقتضي أنه إذا حضر الماء بطل التيمم. ثم راجعت الفكرة مرة أخرى فعزمت على أن أصل ودا، قديما، حديثا، دائما بإذن الله تعالي، جمعني برجلين عظيمين، هما سيدي عبد الحميد قابوش وسيدي عمر محب، عبر هذه الرسالة التي أسأل الله تعالى أن يجعلها شهادة صدق وعربون محبة ومؤازرة لرجل أبى الظالمون إلا أن يضيفوا مظلوميته إلى سجلهم الحافل بالعسف والجور.

ثم إن هذه الموافقة العجيبة حقا وصدقا دعتني إلى التفكير مليا في سر عجيب من أسرار هذه الجماعة المباركة. ألا وهو سريان تيار المحبة بين أبنائها، وصدق ودهم إلى حد يشعر معه المرء بأنه جزء من ذات واحدة مهما بعدت الشقة بينه وبين إخوانه، ومهما حالت سجون الجبر دون لقائه بأحبائه: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد”. فلإن حالت الأسوار بين الأجساد، فإن الأرواح لا تحدها حدود ولا تأسرها قيود. يا ليت زبانية الجبر يدركون ذلك. ولكن لا حياة لمن تنادي.

ثم أما بعد، فإن رسالتي إليك رسالة مواساة وترجمان أخوة صادقة جمعتني وإياك طوال سنين خلت. يخلو الدهر ويبقى رب الدهر الذي شرفني بأخوتك في زمن مبارك بوجود صحبة ربانية آسية هادية مجددة. كل ذلك يلزمني أن أدلي بشهادة أبرىء بها ذمتي وأتخذها لآخرتي. شهادة في حق رجل عرفته عن قرب، وتقاسمت وإياه الحلو والمر لسنين عديدة. فما وجدت فيه إلا النبل والمروءة ودماثة الأخلاق. وكيف لا يكون كذلك وقد تفرع عن شجرة مباركة. لا غرابة أن يكون ذلك الشبل من ذاك الأسد. إن من تربى في أحضان صحبة موصولة بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم لا يمكن إلا أن يكون رفيقا بخلق الله جميعهم طبعا وسجية، مهما حاول الخصوم إلصاق العنف به. وكذلك عرفتك أخي عمر حتى مع خصومك وفرقائك. لا تزيدك جهالة الجاهلين إلا حلما ولا تستخفك أهواء الذين لا يوقنون.

تأتي رسالتي هاته وقد خفف الحكم عنك أخي عمر من عشر سنين حبسا إلى سنتين نافدتين. وهو حكم وإن بدى مخففا نوعا ما، إلا أنه يترجم في الواقع التخبط الذي يعرفه القضاء المغربي، وكيف لا وهو رهين التعليمات المخزنية المخزية التي لا ترقب في ذمم عباد الله إلا ولا ذمة. إن قضاء عاجزا عن الإتيان بأية بينة، جدير به أن يسرح ملفا فارغا من كل تهمة، ويبرئ رجلا منزها عما ألصق به من فرية. إني وإن كنت مسرورا بخبر التخفيف في الحكم عليك، إلا أني  كما هو الشأن بالنسبة لكل ذي مروءة- لا أرضى بغير البراءة في حقك وفي حق كل قابع في سجون الجبر ظلما وبهتانا. وإنه لحري بأناس قدر الله أن يكونوا في ذلك الموطن أن يتحلوا بالنزاهة وأن يربأوا بأنفسهم أن يكونوا غدا يوم القيامة خصوم رجال هم يعلمون قبل غيرهم أنهم برآء مما نسب إليهم، براءة الذئب من قميص سيدنا يوسف عليه السلام. وإن غدا لناظره قريب. وإن يوما عند ربك كألف سنة مما يعدون.

وإني لأرجو أن يكون لمقالتي سامع واعي. وإن هاته الشهادة هي لسان حال كثير ممن عرفوك وخبروا مظلوميتك. ولأن صم الظالمون آذانهم عن هاته الشهادة اليوم، فلا شك أنها ستكون لك نورا ورفعة يوم تلقى الله تعالى. وهي لك كذلك في الدنيا قبل الآخرة. فابق حفظك الله صابرا محتسبا كما عهدتك. وليكن سجنك مدرسة وخلوة لا تخرج منها إلا وقد فزت بأعز مطلوب. هنيئا لك أن استخذمك الكريم في مهمة شريفة هي مهمة دفع ضريبة دعوة صادقة على محجة لاحبة. واعلم أنك لست وحدك، بل أنت واحد من ملايين المغاربة الذين يعيشون في مغرب هو اليوم أشبه ما يكون بسجن كبير. فلإن كانت زنزانتك مطوقة بالحرس وحسب، فإن أبناء هذا الشعب المسكين مطوقون بالفقر والبطالة والفساد وما لا يخفى عليك من صنوف الظلم والجور.

صبرا يا أخي يا عمر…

فإن الله حسبي وحسبك..

جعلت عنوان كتابي إليك..

من محب إلى محب لعلي..

أنال بذاك رضا ربي وربك

أخوك ومحبك،

خالد شحو

بتاريخ: 26 دجنبر 2007