هل كتب علينا في هذا الوطن الحبيب أن نعيش المعاناة والمرارة إلى ما لا نهاية؟

هل كتب علينا أن نبتلع الأحزان والأسى ونصبر على كل هذه المصائب ونستسلم للمجهول ونقول قضاء وقدر؟

حينما نطل على واقعنا من خلال خرائطه الاجتماعية ماذا نجد؟ غالبية الشعب في حرب لاتتوقف مع الفقر، الأسعار الملتهبة، البطالة المتزايدة، تدهور الخدمات، الفساد الإداري…..الخ

طفح الكيل والحياة بدأت تضيق بأهلها من شر جور الظالمين الذين استأثروا بالسلطة والثروة، واستأثروا بخيرات البلد دون منازع أو رقيب، وتركوا الشعب يتخبط في مشاكله اليومية ويتجرع المرارة والحرمان.

لا يكاد المرء يصدق أن يسود المجتمع كل هذا القدر من التوتر والسخط، وتقع كل هذه الحوادث الخطيرة والتي تزداد تفاقما مع مرور الوقت لتفريخها أزمات أخرى أدت إلى شلل في المجتمع وبشهادة التقارير الدولية التي صنفت مغربنا الحبيب في مؤخرة البلدان-ولا فخر-.

رغم كل هذا يحاول العابثون أن يرسموا للبلد صورة وردية ويرددوا بأن”الدنيا ربيع والجو بديع”. موقف من هذا القبيل يغلق باب الأمل في الإنقاذ، ومن شأنه أن يجعل الغرق واقعا حتما لا مفر منه.

إن واقعا بهذا التردي لا يصنع مستقبلا مطمئنا، ناهيك أن يكون مبشرا، وإنما هو منذر بغرق السفينة إن عاجلا أوآجلا.

إنه من المستحيل بمكان أن يتم تحقيق أي إنجاز على أي جبهة من جبهات العمل الوطني مالم نشرع في التصدي بصورة جادة للفساد الحقيقي الذي أوصل البلد إلى هذا المأزق الخانق. فالمشكلة جد معقدة ومتشابكة، والحل يكمن فقط في إعادة الاعتبار للمجتمع، وأن يسترد الرأي العام مكانته، وهذا لن يأتي بسهولة، وما ضاع حق من ورائه طالب.إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلـــي *** ولابد للقيد أن ينكســرفي العالم المتحضر حيث الديمقراطية الحقة والشفافية، كل مسؤول في الدولة يقدم بيانا عن ممتلكاته ووضعه المالي حينما يتسلم منصبه، ويحاسب على كل درهم دخل في حسابه من خارج راتبه طيلة توليه منصبه. نأخذ على سبيل المثال الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، فكل فرنسي يعرف بالضبط ماذا يملك الرئيس وكيف ومتى امتلك العقار، فهو يمتلك منزلا في باريس مساحته 114 مترا مربعا تملكه في عام 1982، وقدرت قيمته ب 400 ألف دولار، وله بيت آخر في ساران اشتراه عام 1969 وقدر ثمنه ب 240 ألف دولار، أما رصيده في البنك فهو 69 ألف دولار.

أما الرئيس كلينتون فإنه بعد مغادرته البيت الأبيض ذهب يبحث له عن عمل يرتب له دخلا مناسبا. وقد اضطر للاقتراض من أحد البنوك لكي يغطي تكلفة شراء بيت يقيم فيه بعد تركه لمنصبه.

رئيس أكبر وأغنى دولة في العالم لا يجد مكانا يأويه بعد تركه لوظيفته ولم يستطع أن يبني لنفسه قصرا لائقا وهو في السلطة ومفاتيح البلد كلها بيده. هل هذه قصص من عالم الخيال نسجت على طراز أفلام هوليود أم هو واقع تعيشه تلك الدول؟

رئيس دولة يخرج من البيت الأبيض ولديه أزمة مالية؟؟؟؟

أيستطيع أحدنا أن يحصي الثروات القرونية التي يمتلكها المسؤولون في وطننا، ويعد تلك العقارات التي في حوزتهم، والممتلكات المنتشرة في البر والبحر؟

أتجوز المقارنة عندنا إذا نوينا؟ حاشا لله … لأن الملوك والرؤساء أولا لا يغادرون مناصبهم إلا إذا أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. ندع هذه الفئة وننتقل إلى من يليها الأقرب ثم الأقرب من وزراء وولاة وعمال… إلخ.

خذ على سبيل المثال أي وزير واسأل كيف كان حاله قبل الاستوزار وكيف غدا صاحب المعالي بعد الحقبة الذهبية.

إن وزيرة سويسرية استعملت هاتف الدولة في مكالمة واحدة لأغراض شخصية دون قصد، اضطرت أمام هذا الخطإ، ولاستعمالها لمال الشعب في الوجه غير الصحيح، أن تقدم استقالتها.

وبسبب الحساسية المفرطة إزاء المال العام رفضت الحكومة البريطانية دفع تكاليف احتفال الملكة الأم والدة الملكة الحالية إليزابيت الثانية بعيد ميلادها المائة، الحكومة رأت أن تلك مناسبة عائلية خاصة لا ينبغي أن تتحمل خزانة الدولة عبأها.

إنها مجرد أمثلة ولا حرج علينا إن كنا نعيش نقيض ذلك وفي الحضيض، فولاة أمرنا أدرى بما ينفعنا وما يضرنا، وأستغفر الله من ارتكابي “إثم” التحليق نحو الحرية.