مسجد النور هذا هو الاسم الذي ارتضاه سكان حي شعالة لمسجدهم بعد توسيعه وتجديد مرافقه بموجب رخصة سجلت تحت عدد 5295 بتاريخ 9 غشت 1999 مذيلة بتوقيع عامل الإقليم السابق..

حي شعالة هو أحد أقدم الأحياء بمدينة الناظور، وهو من الأحياء المهمشة رغم موقعه المتميز، لكن الفوضى والبناء العشوائي الذي تغاضت عنه السلطة لسنين خلت أتلف معالمه وبات يعرقل أي مبادرة لإعادة تأهيله.

الحي يقع خلف المحطة الطرقية للمدينة ويمتد على طول ساحل بحيرة مارتشيكا ليصل إلى حدود حي الفطواكي حيث الفيلات والبنايات الفخمة.

شعالة تجمع سكني شبه مقطوع لانعدام الطرق المعبدة، وعدم توفره على شبكة الصرف الصحي والإنارة، فضلا عن انتشار الأزبال وبرك الماء والكلاب الضالة التي وجدت فيه خير مأوى..

في السنة الماضية، استبشر الناس خيرا لما رأوا لوحة معلقة على مدخل حيهم تبشر بأن السلطات قد أدرجت حيهم ضمن الأحياء التي ستستفيد من برنامج إعادة تأهيل وتنمية مجموعة من الأحياء بالمدينة. وكثر الحديث واختلفت الروايات عن نوع وطبيعة المشاريع التي ستستهدف الحي وكيف سيستفيد سكانه من هذه العملية..

اللوحة تعكس برنامج التهيئة للحي الذي ستنجز فيه بعض المشاريع الهامة، من أهمها إتمام شريط الكورنيش الذي يمتد من ناصية شارع الزرقطوني ليصل إلى منطقة الناظور الجديد.

هذه التهيئة ستشمل ترحيل ونزع ملكيات مجموعة من الأسر.. وقد رصد لها المشروع غلافا ماليا يغطي تكاليف التعويض عن الملكيات المزمع نزعها..

لكن هذا التعويض لم يشمل كل الأسر، ثم أن القيمة المالية الحالية لممتلكاتهم تفوق بأضعاف مضاعفة قيمة التعويض الذي رصد لها.

وفي جرأة قل نظيرها قام قائد المقاطعة الثالثة التي يدخل الحي ضمن إدارتها الترابية بزيارة إلى الحي، وأعلم السكان بأن يستعدوا للرحيل عن بيوتهم لأن السلطة ستهدمها..!

هكذا بدون أي مسطرة قانونية، ودون أن يتحمل السيد القائد ومن سخره عناء توعية الناس وطمأنتهم وتوضيح ما قد يشكل عليهم، بل الأسلوب ذاته المتعجرف، والاستعلاء نفسه على خلق الله، والتخويف والتسلط عينه الذي عهده المغاربة في خدام المخزن.

لم يخبر القائد السكان بأن المحكمة مثلا أمرت وأذنت للسلطة بأن تنزع ملكية مجموعة من السكان لصالح المنفعة العامة، ولم يحصل هناك اتفاق مبدئي بشأن ما تريد الدولة إنجازه بتلك المنطقة، هل يعتبر فعلا منفعة عامة؟ كما لا يتوفر الناس على تعريف دقيق وواضح لكلمة “المصلحة العامة”، هل المصلحة العامة تعني مثلا أن ينتفع المواطن من تلك المشاريع التي ستقام هناك؟ هل هدم المنازل وانتزاع الملكية من أجل إنشاء منتزه يعتبره ويتفق الجميع على أنه منفعة عامة؟ هل تلك البنايات الضخمة (12 طابقا) التي من المتوقع أن تنشأ على جوانب الكورنيش من قبيل المنفعة العامة؟ ونحن نعلم من يقتني تلك الأراضي التي ستقام عليها، ونعلم ثمن المتر المربع الواحد والذي بلغ لحد اليوم أكثر من 30000 درهم؟ فأين هو إذا وجه المنفعة العامة في هذا؟

وفي لفتة أبوية رحيمة وكريمة، قال القائد للسكان: “سأمهلكم إلى نهاية وانصرام شهر رمضان وسنشرع في الهدم”.

ثم جاء عامل الإقليم في غضون شهر نونبر الماضي، لينبئ السكان بخبر وقع عليهم كالصاعقة. هذه المرة لم يتعلق الأمر بنزع ملكية أراضي أو هدم منازل خاصة، بل الأمر اعتبره السكان أعظم من ذلك، أخبرهم بأنه سيهدم مسجدهم!

مسجد النور، هذا المسجد قبل أن يقرر السيد العامل هدمه ومحو أثره من فوق الأرض، يخزن ذاكرة وتاريخ أجيال بهذه المنطقة المجاهدة.

المسجد أسس منذ عام 1870 في شكل بسيط، كان المجاهدون ضد الاستعمار الإسباني يلجؤون إليه ليستظلوا فيه ويرتاحوا ويتزودوا، يستقبلهم بعض السكان المحيطين به، يكرمون من ينزل به ضيفا.

كان المستعمر الإسباني يهدمه في كل مرة لما له من أثر في ربط المجاهدين بالعمق الشعبي، وما يشكله من نقطة تواصل والتقاء بين عناصر المقاومة التي تأتي من مناطق مختلفة ومتباعدة، فكان المسجد على بساطته عبارة عن مركز وقاعدة خلفية للمجاهدين. كلما هدمه المستعمر الكافر بناه سكان الحي.

المسجد كان له دور روحاني كذلك، فقد شكل عبر سنين طويلة نقطة تجمع للحجاج قبل توجههم إلى الديار المقدسة، ليصير بعد مدة مركزا تربويا للطريقة التيجانية، استقبلت وفودا من كل المناطق المغربية وعرفت انتعاشا وتفاعلا كبيرا بالمنطقة.

وبعد محاولات كثيرة لتجديد بناء المسجد، تمكن سكان الحي، بدعم من بعض المحسنين، من إعادة بنائه وتوسعته ليأخذ شكلا منفردا يشرف على البحيرة بمئذنته الجديدة الرائعة.

وقد كلفت أشغال التوسعة أكثر من 2000000 درهم.

إذن بجرة قلم، أو لربما لم يصدر بعد أي قرار من “الجهة المعنية”، جاء السيد العامل لينذر السكان بهدم مسجدهم!

وفي يوم الأربعاء 4 دجنبر2007 عاد القائد وأخذ يتهدد الناس وينذرهم ويشير إلى أثاث المسجد قائلا: “ماذا تنتظرون ؟ اخلعوا الأبواب والنوافذ، قسموا ووزعوا الأثاث والزرابي بين الناس، المسجد سيهدم…”.

هل المسجد مصلحة وملكية خاصة كي يهدم وتنتزع ملكية أرضه لأجل المنفعة العامة؟

أليس المسجد منفعة ومصلحة عامة يؤمه الناس للصلاة خمس مرات في اليوم، وتقام به صلاة الجمعة وتراويح رمضان، وصلاة العيدين، يجمع سكان الحي، أطفالهم ونساءهم كأسرة واحدة، وتتلى فيها آيات الله ويذكر فيه اسمه؟

أليس كل هذا الذي يشهده المسجد من خير من قبيل المصلحة العامة؟

أي مصلحة عامة أنفع للناس وأبقى من مسجد يعمره المومنون ويذكر فيه اسم الله ويرفع فيه الآذان؟

ثم لنسأل القائمين على هذه المشاريع التي بانت منفعتها ومعالمها مبكرا في قرارات الهدم والتخريب لممتلكات المواطنين، نسألهم هل قرار الهدم هو الحل الوحيد؟

أليس من الأفيد والأصلح للناس، مادامت مصلحتهم هي المستهدفة من هذه المشاريع، أن يستوعب المشروع هذه المؤسسة الاجتماعية الدينية الوحيدة بهذا الحي ليشكل جزءا من برنامج تهيئته؟

ألا يمكن إدراج المسجد في برنامج تأهيل الحي؟

ثم ما هي المنفعة المرجوة من بقعة لا تتجاوز 400 متر مربع وهي المساحة الإجمالية لمسجد النور؟

ألا يوحي هذا القرار العجيب بأن وراءه مصالح جهات متنفذة من داخل وخارج المنطقة، عينها ليست على المسجد، بل على تلك المساحات الممتدة خلف المسجد والتي لا يمكن أن تطالها إلا إذا تم هدم المسجد أولا!؟

لماذا توجه القرار رأسا إلى الهدم؟

ثم ما هي الجهات والمؤسسات التي تمت استشارتها في الأمر؟

أليس حري بالسلطة أن تشرك كل الفاعلين، وسكان الحي في مقدمتهم، في أي عملية تستهدف إعداد تراب منطقتهم؟

أم أن شعارات الحكامة والإشراك في تدبير الشأن العام تبقى حبرا على الورق فقط؟

الأسئلة تتناسل كما الطفيليات بخصوص هذا القرار المجحف في حق ساكنة حي شعالا، والأجوبة يعلمها كل ذي لب..!

الناس في حي شعالا، جماعة مسجد النور، لن يتخلوا عن مسجدهم، ولن يتقاعسوا عن الذود عن حرمته، خاصة وأنه كما أشرت في البداية يعتبر بمثابة الذاكرة الحية لأهل هذه المنطقة، وهو أيضا بمثابة إرث تلقوه عن أجدادهم وتواصوا على حفظه..

الناس لن يتخلفوا عن نداء الدفاع عن المسجد، ولن يقولوا للسلطة إن للمسجد رب يحميه..! ويستقيلوا من واجبهم.

وهب أن جماعة مسجد النور تخلوا وركبهم الخوف من تهديد السلطة، أو يئسوا من محاولات الحفاظ على هذا المسجد.. فإن كل سكان الناظور سيهبون للدفاع عن بيت الله ضد أي قرار قد يتهدده، ولسان حالهم يقول ويردد: لا تقرب مسجدي..!