بقلم: محمد خيزران رحمه الله

الحمد لله الذي ألزم عباده المؤمنين كلمة التقوى فكانوا أحق بها وأهلها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي جعل التقوى صلاح قلوب المسلمين ففازوا بخيراتها وسعدوا ببرَكاتها ورضي الله عن الصحابة الكرام الذين تحققوا بالتقوى فأشرقت قلوبهم بأنوارها وأسلست لله قيادها، وعن التابعين ومن تبعهم بتقوى الله وإحسان إلى يوم تسعد بالتقوى وفودها وتحظى برضوان ربها.

أما بعد فإن الحديث عن التقوى حديث ذو شجون، وحديث عزيز وغريب، عزيز أوشك أن لا يوجد وغريب يكاد ألا يُعرف. فالمسلم عندما يقرأ عن التقوى من حيث معانيها ومدلولاتها وحقائقها وصفات المتقين الأوائل وأحوالهم وأخبارهم، يظن نفسه يسرح في عالم من الخيال أو يحلق في أفق المثالية البعيدة المنال إذا ما التفت بالمقابل إلى واقع المسلمين اليوم. وكأن هذه المعاني والحقائق أوشكت أن تكون مفقودة في هذه الأيام بذلك المفهوم.

نعم هذه المعاني بدأت تخبو عند المسلمين عامة والإسلاميين خاصة. فهل كان منا الذل والانكسار إلى الله عز وجل؟ أما آن الأوان لهذه القلوب أن تخشع لذكر الله؟

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله..”.

من أحب الكرامة دنيا وأخرى فليتق الله عز وجل، فالكرامة في تقواه والمهانة في معصيته. وقد جعل الحق سبحانه التقوى دليل الفضل وعنوان الشرف وسبب القربى والزلفى من رب العالمين حيث قال سبحانه: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

والتقوى هي زاد الطريق إلى الله، وعدة الداعية إلى منهاج الله، وسلاح المجاهدين في سبيل الله، والوقاية من الهوى والشبهة، والعصمة من الشيطان، والفيصل بين اليقين والكفران، والنور الهادي في خطوب الحياة، والبلسم الشافي من أدواء الشك والحيرة والقلق والجحود.

من أراد أن لا يبقى بين يديه باب مغلق فليتق الله فإن التقوى مفتاح لكل باب. قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب).

وقد لخص البيضاوي في الجزء الأول من تفسيره عند قوله تعالى في سورة البقرة (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) مراتب التقوى ومنازلها فقال ما معناه: التقوى ثلاث مراتب:

أولها: التوقي من غضب الله المخلد في عذاب جهنم بالبراءة من الشرك وتحقيق التوحيد. ودليله قوله تعالى: (وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها) يعني لا إله إلا الله محمد رسول اله.

وثانيها: الحذر من الوقوع في الإثم والمعاصي كلها حتى الصغائر عند البعض، وهو المعروف باسم التقوى شرعا لأنها مطلق الامتثال والاجتناب، وهو المراد بقوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض).

وثالثها: أن يتنزه المرء عما يشغله عن الحق سبحانه، وينقطع إليه تعالى بكليته، وهو مقام المراقبة الدائمة والمحاسبة المستمرة. ويندرج هذا المعنى بين ثنايا قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).

ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أُبي بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال: بلى، قال: فما فعلت؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى.

التقوى إذن: حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتَوقٍّ لأشواك الطريق، طريق الحياة الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المطامع والمطامح، وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعا ولا ضرا.

وعشرات غيرها من الأشواك.

قال ابن المعتز:خــل الذنوب صغــيرها *** وكبيـــرها ذاك التـــــقى

واصــنع كمـاش فوق أر *** ض الشـــوك يحذر ما يــرى

لا تحــقرن صغـــيرة *** إن الجبــــال من الحـــصىوقال آخر:المــوت بحر طافح موجـه *** تذهب فيــه حيــلة الســـابح

يـا نفس إني قائل فــاسمعي *** مقــالة من مشــفق نــاصح

لا يصـحب الإنسـان في قبره *** غير التـقى والعمـل الصــالحوقال الشاعر:ألا إنما التقوى هي العز والكرمْ *** وحبــك للدنيا هو الـذل والسقمْ

وليـس على عبد تقي نقيصـة *** إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجمْاللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها وأنت مولاها.

اللهم اغننا بالعلم، وزيّنا بالحلم وأكرمنا بالتقوى وجملنا بالعافية.

اللهم اجعلنا نخشاك كأننا نراك وأسعدنا بتقواك.

يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.

آمين.