لقد فقد المخزن رشده!

قد يتساءل البعض، وحق له ذلك، هل كان للمخزن رشد حتى يفقده؟

إن المتتبع لما يروج ويموج في المغرب يكاد يصاب بالدوار “الدوخة” لما يراه ويسمعه من تردّ على جميع المستويات: الأخلاقية، السياسية، الاجتماعية والحقوقية، رغم المحاولات الترقيعية التي أريد من ورائها ذرّ الرماد في العيون والتي تقودها هيئات مستفيدة من الغنيمة التي جعلت من المغاربة كالأيتام في مأدبة اللئام. فبعد انقضاء أيام “المشماش” التي واكبت الأيام الأولى لما سمي بالعهد الجديد للمخزن، والتي على أساسها عملت بعض الأقلام والأبواق على ترويج أن المغرب يعيش عهدا جديدا قوامه الحرية وإنصاف الفقراء -الذين ازداد فقرهم- اعتمادا على بعض الإشارات هنا وهناك في محاولة للتبرؤ من ماض أسود اكتوى بناره المغاربة. بينما اعتبرها من خبر المخزن وسياسته أن كل ذلك عبارة عن محاولات لكسب العطف وخلق إجماع واهٍ. لأنها لا تعدو أن تكون عبارة عن منح وعطايا مخزنية غير مؤسسة، يمكن التراجع عنها بنفس السرعة التي منحت بها،

وهو ما حدث. حيث سرعان ما سقطت الأقنعة وظهر الوجه الحقيقي للمخزن دون تلميع، وأضحى الوضع أكثر فتامة عمّا كان عليه وتبين أن ما وقع لا يعدو أن يكون محطة لتغيير الكومبارس وتبادل الأدوار.وهو ما أكد عليه الأستاذ عبد السلام ياسين من خلال رسالته إلى من يهمه الأمر:”إن التغيير دونه تحديات وتنازلات وقبل هذا وذاك إرادة للتغيير والإصلاح “. هاتة الرسالة التي قوبلت بتطاول من مجموعة الأقزام والمنتفعين في تهافت انتهازي دون مراعاة لما حفلت به من أفكار وحلول أظهر المستقبل رجاحتها وصدق صاحبها، بل إن المشككين فيها بالأمس أصبحوا يكررون ما فيها اليوم. وبذلك توالت الانتكاسات، التي لم ينفع معها لا انتخابات ولا تشكيل للهيئات واللجان، بل إن بعضها زاد من تفاقم الأزمة على غرار ما سمي المغادرة الطوعية، وكل ذلك على حساب المواطنين ومن أموالهم. وعوض العمل على تجاوز هذه الوضعية وتخفيف الخناق عن المواطنين، انطلق المخزن في عقد المحاكمات وتلفيق التهم بهدف تكميم الأفواه التي استعصى عليه تدجينها أو شراؤها. فانطلق في نوبة من الاعتقالات في حق من يخالفه الرأي شملت الجميع وقد كان لجماعة “العدل والإحسان” النصيب الأكبر من هذا القمع، إلا أن الغريب في الأمر هو أنه في الوقت الذي تتم فيه مداهمة مجالس الذكر والقرآن التي تعقدها الجماعة -لم تسلم منها حتى المساجد في تواطؤ سكوتي مشبوه من طرف مدعي حقوق الإنسان-، نجد المخزن ومن يواليه يغض الطرف بل يدافع عمّن يدعو لنشر الرذيلة والفساد، ويتستّر على الفاسدين والمفسدين تحت عناوين مشبوهة.

ألا يستحق المغاربة أحسن مما هو كائن؟

لقد عم البلاء واستشرى الداء وأضحت الغالبية من أبناء الشعب تتوق للهرب من هذا الجحيم وإن تطلب ذلك بذل النفس، بعدما تأكد أنه لم يعد مرغوبا فيهم وضاقت بهم جنبات هذا الوطن الذي بيع منه الجزء الأكبر للشركات المتعددة الجنسيات، والجزء الآخر في ملكية حفنة من العائلات ذات التاريخ المشبوه.

لقد أصبح لزاما على الغيورين على هذا الوطن رفع الصوت والانخراط الحقيقي، على ضوء ميثاق وطني، لاسترجاع الحقوق وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.