منذ قرون خلت والمسلمون يرددون في كل عيد بيت الشاعر أبي الطيب المتنبي المشهور:عيد بأي حال عدت يا عيد *** بما مضى أم لأمر فيك تجديدلم يأت عيد أضحى 1428هـ بجديد للمسلمين، فدمهم ما زال الأرخص ثمنا، والأسهل سفكا، وحرماتهم المادية منها والمعنوية تزداد استباحة، أرض بمقدساتها مدنسة بأخس استعمار في فلسطين، وبلاد الرافدين تسير سير حثيثا لتطبيع العلاقة مع الغازي الأمريكي هيمنة على ثروة بترولية تعد أكبر احتياطي عالمي، وتضييقا للخناق على العدو الاستراتيجي الإيراني، وضمانا لأمن إسرائيل من كل تهديد محتمل؛ وفي أقصى العالم الإسلامي تستمر مذبحة شعب أفغانستان وتجويعـه انتقاما ممن “تجـرؤوا” فاستهدفوا كبرياء الولايات المتحدة في 11 شتنبر، وفي القرن الإفريقي صومال الجوع والحرب ضد الإسلام باسم الإرهاب، وقريبا منها تجري الأجرأة لتقسيم السودان، والمغرب العربي لا يشكل استثناء، حيث توتر العلاقات هو السمة الرئيسية للعلاقات.

أما وضع حقوق الشعوب المسلمة وحرياتهم العامة فقد سارت بها الركبان، قمع وتسلط ممنهج، محاكمات يندى لها الجبين لزج الأصوات الحرة في غياهب السجون، تمريرا لمشاريع توريث الحكم، أو إبعادا لمنافسين شرفاء التف حولهم الشعب. في كلمة واحدة استفراد بمقدرات الشعوب وثرواتها وتضييع لفرص تنمية كثيرة، أكدتها رتب كيانات المسلمين التنموية، التي تتنافى ومؤهلاتنا الاقتصادية، واحتكار للسلطة رسخ السلبية والانتظارية بيننا وأفرغ الحياة السياسية من كل معنى.

يحدث هذا عندنا في ديار المسلمين، في وقت تتكتل فيه الدول ضمانا لمصالح شعوبها الآنية والمستقبلية، وفي الجارة أوروبا يخطو اتحادها خطوات نحو الاندماج رغم المعيقات الثقافية واللغوية والتاريخية، تسهيلا لتنقل شعوبها وسلعها، في حين لم تقو اتحاداتنا العربية على الوقوف فأحرى الخطو، فالسفر إلى المريخ سيرا على الأقدام أسهل وبكثير من أن تنعقد قمة المغرب العربي أو قمة عربية لحكام العرب ملوكا وأمراء ورؤساء، ولو دعتهم العمة كونزليزا رايس لحفل عشاء لهرولوا مدعين أنها فرصة تاريخية ليس من الحكمة تفويتها خدمة للمصالح العربية الكبرى، وتعزيزا لموقع العرب في السياسة الدولية، وما مهزلة أنابوليس عنا ببعيد.

أي معنى إذن للعيد، إذا كان العيد فرصة لتجسيد مفهوم الأمة حقيقة ومعنى، أي معنى للعيد إذا غدا يظهر ويجلي واقع المسلمين المؤلم والمخزي، أي معنى للعيد بما هو رمز لتوحيد المسلمين إذا عمق الفرقة بين دويلاتنا القطرية، فغدا لكل قطر أو إقليم في العالم الإسلامي عيده، وأحيانا لا يتعدى الفارق الزمني النصف ساعة في المقياس الجغرافي، لكنه يعد بالسنوات الضوئية في مسيرة التوحيد.

استرعى عيد أضحى1428هـ انتباه الرأي العام العربي عامة والمغربي بصفة أخص، ورغم أن القضية لا تعدو أن تكون جزئية إذا قورنت بواقع الفرقة “السايسبيكية” -نسبة لاتفاقية سايس بيكو التي أطرت تقسيم المستعمرات الأوربية السابقة بما يضمن مصالحها واستمرار نفوذها- التي نعيشها، إلا أنها تمثل مناسبة لفتح حوارات ونقاشات تمهد لبناء قناعات لدى الشعوب المسلمة أن أنظمتها الحالية تعيق وحدتها التي هي عنوان عزتها وتحررها ورقيها؛ كيف لا والمسلمون تتوافر لهم كل عوامل التوحد التي لا تتوفر لشعوب توحدت لاعتبارات مصلحية اقتصاديا أو أمنيا.

ديننا الإسلام ولغتنا وتراثنا وتاريخنا ومستقبلنا ورسالتنا إلى العالم عوامل تؤهلنا لنتوحد تجسيدا لمفهوم الأمة سواء القرآني: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”، أو النبوي الذي شبه المسلمين بالجسد الواحد توادا وتراحما وتعاطفا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

عزتنا في وحدتنا، وديننا الإسلام إطار توحدنا، “فالوحدة… لو لم تكن ضرورة عقائدية لكانت ضرورة حيوية. مسألة حياة أو موت للأمة. وإلا فثمن التنميات القطرية المنعزلة الانصهار والتلاشي.”(1) يقول أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: “كنا أذلاء فأعـزنا الله بالإسلام، ولو ابتغينا العزة في غير الإسلام لأذلنا الله”. صدق الصديق، ولو عاش في زماننا هذا، زمن النكسات والهزائم في كل الواجهات، لكان له رأي آخر، لذلك “فنمونا وفشلنا ـ اليوم وغدا ـ رهن بما نفعله أو لا نفعله من تمتين الروابط بين المسلمين تهيئة لوحدة المسلمين. والتعاون في الاقتصاد والتنمية من أهم أواصـر الـربط والتوحيد. وذاك واجب إسلامي.”(2)

تتطلع الشعوب المسلمة لوحدة تمثل قنطرة عزتها وبوابة رقيها، ووعيها بمؤهلاتها الذاتية يتنامى، والهوة بينها وبين حكامها تزداد، يذكيها قمع ومصادرة للحق في التعبير والاقتراح في أوطاننا، وإفساد يهودي وعبثه بمشاعر المسلمين تقتيلا لشعبنا المجاهد وتدنيسا للمقدسات بفلسطين، وغي استكبار أمريكي استباح حرمات أبناء ونساء المسلمين بسجون العراق الجريح أو بغوانتنامو في تواطـؤ مفضوح مع أنظمتنا التي يبدو أنها لا تملك الجرأة الأخلاقية والسياسية لتعترف بما اقترفت في حق شعوبها من فادح الزلات، لتعلن في شجاعة توبتها وتصالحها مع قيم الأمة وهويتها.

في انتظار أن يصحو حكامنا من سباتهم القروني قبل أن يحدث الله تعالى في كونه ما يعـز به دينه وعباده، نردد قول الشاعر أبي القاسم الشابي:إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بـد لليل أن ينجـلـي *** ولا بـد للقيد أن ينكسر

————————-

1. حوار مع الفضلاء الديمقراطيين / عبد السلام ياسين / الطبعة الأولى، ص: 192.

2. نفس المـرجـع، ص: 204.