2- التفسير البنائي للقرآن الكريم

أ- أقسام التفسير

إن المعيار الذي سنعتمد، بحول الله تعالى، للتمييز بين التفاسير التي تزخر بها الخزانة الإسلامية للقرآن الكريم، هو التفريق بين التفسير الذي يجعل موضوعا له آلة من الآلات العلمية لتفسير القرآن الكريم، كالتفسير الذي يركز على الجانب البلاغي أو جانب القراءات أو الجانب اللغوي، أو غير ذلك من آلات التفسير، وهي تسمى تفاسير تجاوزا، وبين التفسير الذي يوظف كل هذه الآلات أو بعضها ولكنه يجعل موضوعا له بيان مضمون الآية أو السورة الذي ينبني عليه عمل.

وبناء على هذا، فهناك تفسيران:

الأول: التفسير بالمأثور، وهو أساس كل التفاسير، وهو تفسير القرآن بالقرآن أو القرآن بالسنة أو بأقوال الصحابة أو بأقوال التابعين، على خلاف بين العلماء في اعتبار أقوال التابعين من التفسير بالمأثور.

والثاني: التفسير بالرأي، وهو تعبير عن الاجتهاد في بيان معنى الآية، وقد قسمه العلماء إلى التفسير بالرأي المحمود وهو ما لم يخالف مقتضى الشريعة، أو التفسير بالرأي المذموم، وذكروا الشروط التي تجعل الرأي محمودا والصفات التي تجعله غير ذلك.

وهناك من اعتبر ما عرف بالتفسير الإشاري قسما ثالثا، إلا أن درجة الاختلاف حوله حادة، لكن يمكن الاستفادة منه إذا تم ضبط المنهجية العلمية التي يقيم بها تراثه الذي أنجزه أهله، ثم يمكن أن ينتبه إلى إشارات القرآن الكريم إذا صدرت عن علماء ربانيين من أهل القرآن إذ هم أهل الله وخاصته.

وسيكون هذا موضوعا من المواضيع التي ستحاول نظرية التفسير البنائي ضبطها والاستفادة منها.

كما نجد أن الباحثين والمهتمين ببيان معاني القرآن الكريم اجتهدوا في تطوير منهج معين في التعامل مع موضوعات القرآن الكريم إلى ما أصبح يصطلح عليه اليوم بالتفسير الموضوعي حيث صار علما على فن.

وهو وإن كان من أهم ما وصل إليه البحث العلمي في الباب، فإن جذوره قديمة ضمن علوم القرآن الكريم عموما.

ومعناه “إفراد الآيات القرآنية التي تعالج موضوعا واحدا وهدفا واحدا، بالدراسة والتفصيل، بعد ضم بعضها إلى بعض، مهما تنوعت ألفاظها وتعددت مواطنها، دراسة متكاملة مع مراعاة المتقدم والمتأخر منها، والاستعانة بأسباب النزول، والسنة النبوية، وأقوال السلف الصالح المتعلقة بالموضوع” ، وقد تكون تلك الآيات هي مجموع سورة بكاملها بحيث يتم إظهار الموضوع الذي تعالجه السورة وبيان تفاصيله ومضامينه.

وصور البحث الموضوعي متعددة أهمها صورتان:

الأولى هي النظر في السورة والواحدة والعمل على بيان موضوعها الرئيس وما تفرع عنه من قضايا ومواقف وأحكام جزئية متضمنة في السورة. فالباحث هنا ينظر إلى السورة على أنها وحدة متكاملة من حيث المنهج والموضوع والهدف.

أما الثانية فهي تحديد الموضوع أولا ثم البحث في جميع القرآن الكريم عن الآيات التي لها علاقة به وجمعها ودراستها وفق مناهج الدراسة العلمية المعروفة. وفي هذه الصورة حالتان؛ الأولى أن ينظر الباحث في آيات القرآن الكريم ثم يجمع ذات الموضوع الواحد ويقوم بدراستها للكشف عن حقيقة الموضوع وتفاصيله. والثانية أن ينظر إلى واقع الناس فيجد موضوعا ثم يلتجئ إلى القرآن الكريم ويبحث عن الآيات التي تعالجه أو تشير إليه فيقوم بجمعها وينجز دراسته حولها وفق القواعد العلمية ليكشف عن جواب القرآن الكريم عن أسئلة الموضوع مضمونا ومنهجا وهدفا.

وقد أصبح هذا العلم وسيلة هامة في بيان عظمة القرآن الكريم إعجازا وبيانا لمقاصده وأحكامه، إذ عجائبه لا تنقضي.

ب- التفسير البنائي للقرآن الكريم

أما المقصود بالتفسير البنائي للقرآن الكريم فعملية علمية كبرى لا تفرط في الميزات العلمية الإيجابية لكل قسم من أقسام التفسير المشار إليها أعلاه، لكنها إضافة هامة في مسار احتلال نور القرآن الكريم ومعانيه الموقع المناسب في بناء حركة الأمة والإنسانية.

إن التفسير البنائي للقرآن الكريم يجعل الإنسان موضوعا له من خلال المعنى الذي يعطيه القرآن الكريم نفسه للإنسان، بحيث تتحرك تلك المعاني عمليا لصناعة الواقع المناسب ليزاول الإنسان معاني العبودية الشاملة تحقيقا لحقائق التسخير وقيم الاستخلاف.

ومن ثمة فالتفسير البنائي للقرآن الكريم رعاية قرآنية شاملة منورة لبناء الإنسان وواقعه الخاص والعام في اتجاه تحقيق المقاصد العامة للقرآن الكريم في الواقع الإنساني.

ولذلك، فالتفسير البنائي ينظر إلى الإنسان في علاقته بالمقاصد العامة والجامعة للقرآن الكريم عوض التركيز على بحث الموضوع بحثا مجردا عبر التفسير الموضوعي؛ ففي الوقت الذي يحرص المفسر الموضوعي على سبر كنه الموضوع من خلال مجموع السورة أو مجموع آيات من القرآن الكريم تدور حول موضوع معين، فإن المفسر البنائي ينظر إلى كل أعمال الإنسان وفق نسق مضبوط وسياق متكامل عبر المقاصد العامة للقرآن الكريم لصناعة حركية واقعية بنائية شاملة ومتكاملة ومستمرة ومتصاعدة.

إن التفسير البنائي يأخذ التفسير الموضوعي موجها له ليصنع له الرابط المباشر مع الواقع العملي ليوفر الأجوبة المناسبة عن أسئلة الواقع المعيش في كل أبعاده، فضلا عن أنه خطوة هامة في اتجاه تجاوز واقع التجزئة العلمي عبر الاستفادة المنقحة من كل تراث التفسير ببناء هرم مقاصدي للقرآن الكريم ينظر إلى جميع أنواع العلاقات بين مقاصد الآيات منفردة والمقاصد الموضوعية والمقاصد العامة والجامعة للقرآن الكريم التي تشكل معيار النظر الاجتهادي في التفسير البنائي.

وعليه، فالتفسير البنائي يأخذ هذه الصفة لإنجازه عمليتين مترابطتين حيث الأولى أساس وإمام الثانية وموجهها، والثانية ترجمان الأولى:

أما الأولى، فهي بناء هرم مقاصدي قرآني يشكل معيار النظر وضابط الاجتهاد في سبر كنه أسرار القرآن الكريم وحقائقه التي لا تنتهي؛ بحيث تتشكل دوائر مقاصدية يوجه بعضها بعضا ويخدم بعضها البعض الآخر انطلاقا من الآية الواحدة إلى السورة أو السور أو الآيات المجتمعة، إلى المقاصد العامة الجامعة للقرآن الكريم.

وأما الثانية، فهي بناء واقع إنساني من خلال التأسيس العلمي القرآني لبناء الفرد والجماعة والأمة ونظام عالمي لأجل خدمة الإنسانية.

فالمفسر حين ينظر إلى الآية مفردة إنما يلحظ الفائدة العملية الواردة فيها لتحقيق المقصود منها والكشف عن علاقتها بالموضوع العام الذي يحتضنها وتشكل جزئية من جزئياته ومكونا من مكوناته باعتبار معيار خدمة المقاصد العامة للموضوع، ثم حينما ينظر إلى سورة أو سور أو آيات مجتمعة حيث تكون موضوعا معينا فإنما يرقب مقاصده ويلحظها لتحقيق خدمتها للمقاصد العامة للقرآن الكريم جملة.

وهكذا نكتشف أن المطلوب بالدرجة الأولى هو تحقيق التمكن من المقاصد العامة للقرآن الكريم الذي كان خلق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم بعد ذلك نتعامل مع آياته وسوره تدبرا وتفكرا وبيانا وتفسيرا لأجل صناعة حركية دعوية بنائية مُنْجِزَة لتلك المقاصد العامة. أي أننا في حاجة دوما وشرطا إلى عقول منورة بنور القرآن الذي حفظه الله في صدور من شاء من عباده؛ فنور العقل من نور القلب الراعي لحركة الجهاد والبناء في الواقع النفسي والإنساني اليومي.

ويمكن رصد ذلك من خلال الرسم التقريبي التالي: