شكلت وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” التي صادق عليها المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الثانية عشرة بتاريخ 08/09/دجنبر2007، عنوانا سياسيا بارزا ومدخلا متميزا نحو قراءة عميقة للأزمة المغربية بكل أبعادها، في اتجاه بلورة أرضية مشتركة للخلاص الجماعي المنشود. فما هي معالم السياق الذي برزت فيه هذه الوثيقة؟ وما هي الرهانات المأمولة والممكنة من ورائها؟ وإلى أي حد تشكل مبادرة تخدم انطلاقة جدية نحو (مغرب حر وديمقراطي ونام وآمن وحقوقي ومتصالح مع ذاته ومكوناته وفي مصلحة الجميع…) بلغة الوثيقة؟

1- السياق:جاءت الوثيقة في سياق يتميز بالانحدار السياسي والركود الاقتصادي والبؤس الأخلاقي رغم الأبواق المرتفعة بالشعارات الطنانة والوعود المتملقة المفضوحة، ويمكن التميز بين سياق عام وآخر خاص.

أ- سياق عام:

جاءت الوثيقة:

بعد فشل جميع أشكال الدعاية المخزنية المغردة بالرخاء والنماء(العهد الجديد-ورش “الانتقال الديمقراطي” المزعوم- خطة التنمية البشرية التي تقهقر المغرب بفضلها من الرتبة 123 إلى الرتبة 126 في سلم التنمية العالمية..).

وبعد استفحال جميع المآسي التي يعيشها الشعب( خراب الإدارة- البطالة  غلاء الأسعار- التعليم المنهار- الصحة الكسيحة..)، وبعد الاستمرارية الحزينة للانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان (حرية الرأي والصحافة، الاعتقالات الجماعية، المحاكمات الصورية، القمع الممنهج، التعذيب…).

وبعد الفرز الخطير الذي تسببت فيه سياسة الترقيع والتزوير..، بين نخبة سياسية متملقة متسابقة على الكراسي والأعطيات، وبين شعب مفقر مجهل ومقموع، يائس من تغيير الأوضاع، ومن النظام ولعبته ووعوده.

وبعد مرور مدة غير قصيرة على آخر تشخيص جريء لأزمة النظام المغربي من طرف الجماعة من خلال “مذكرة إلى من يهمه الأمر” 2001.

وبعد اشتداد الهجوم على دين الأمة وقيمها الأصيلة وحصار الدعوة وضربها بكل الوسائل.

ب- سياق خاص: التوقيت

جاءت الوثيقة:

بعد انتخابات راهن عليها النظام بشكل كبير، واستخدم كل الأساليب الملتوية للتحكم في خريطتها، من أجل البحث عن شرعية متلاشية. ليكتشف أن الشعب قد حدد اختياراته المقاطعة للعبة الزائفة.

وبعد مهزلة تشكيل الحكومة وما رافقها من استخفاف فاضح بإرادة القلة التي صوتت، واستبلاد لعامة الشعب.

وبعد الضربات المتوالية التي تلقاها النظام المغربي من خصومه (زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية- تصعيد البوليساريو- المذكرة الدولية للقبض على بعض رموز النظام ورعاياه..).

وبعد مضي أزيد من سنة على الحملة الشرسة التي انخرط فيها النظام لقمع أكبر حركة سياسية معارضة تسائل بنية النظام لا أعراضه فقط(جماعة العدل والإحسان).

2- دلالات ممكنة:فما هي الغاية من إصدار هذه الوثيقة في هذه الظرفية بالذات؟

إنه ليس جديدا أن تبادر جماعة العدل والإحسان لتحريك الماء الراكد في الساحة السياسية المغربية، وتقديم مقترحات جريئة وآراء واضحة إزاء مختلف الأحداث والمحطات المفصلية لحياتنا السياسية، فنظرة سريعة لتاريخ هذه الجماعة يبين أنها ما فتئت تقترح وتنادي تلميحا وتصريحا، وتدق ناقوس الخطر كلما اقترب مركبنا من المطبات ..بدءا ب “الإسلام أو الطوفان”، ومرورا بالدعوة إلى الميثاق الجامع، و”مذكرة إلى من يهمه الأمر”، وصولا لوثيقة “جميعا من أجل الخلاص”.

ولعل السمة العامة التي تميز هذه الوثيقة، هي عمق التشخيص وجرأة الطرح، إضافة للفكرة المحورية، وهي البحث عن الفعل الجماعي التشاركي للخلاص من نفق مظلم لا يزداد إلا التواء وقتامة.

ويمكن تحديد مجموعة من الأهداف التي ترمي إليها هذه الوثيقة على الشكل التالي:

– إعلان الرأي والموقف مما حدث ويحدث، ومن سير الأمور بشكل عام في البلاد تحملا لمسؤولية إقامة الحجة والشهادة بالقسط(لله ثم للتاريخ).

– قرع جرس الإنذار، خصوصا مع هذا الانحدار المتسارع، والدعوة ليتحمل كل طرف مسؤوليته.

– محاولة التنبيه إلى وجود شبه اتفاق عند العقلاء والفضلاء على معالم لتشخيص عميق وحقيقي للأزمة المغربية، والذي يعتبر في حد ذاته نقطة بداية مهمة، ومدخلا مناسبا للتفكير جماعة في حل حقيقي( بعيدا عن المنطق الحزبي المتخندق، وبعيدا عن الأنانيات الضيقة، وبعيدا عن الحلول الترقيعية وترويج الأوهام..).

إن البحث عن شرفاء وعن مناضلين وطنيين، وعن مخلصين يئسوا من الوضع القائم، ودعوة الأطراف التي لا تزال فيها بقية حياة وعافية إلى التفكير العاجل في أرضية مناسبة ينطلق منها فعل جماعي جاد في جو من الحوار والشفافية، للخروج جميعا من المأزق الخطير الذي أوصلنا إليه النظام المخزني، لهو الهدف الأساسي للوثيقة، والتي ذكّرت غير ما مرة أن هذا الجمع وتلك الفعالية لا سبيل إليهما إلا بعهد صادق مع الله رجوعا إليه واعتمادا على حوله وقوته، وكذا رجوعا مسؤولا إلى الشعب واختياراته وهمومه وجراحاته.

فما هي التوقعات والأشكال الممكنة للخروج من الأزمة؟

تبدي الوثيقة تفاؤلا كبيرا إزاء الصدى الذي ستجده نداءاتها، وتفتح بابا للأمل باستجابة كل الوطنين الغيورين والشرفاء الصادقين من أجل المشاركة الجادة في فعل تأسيسي صلب تبنى عليه الطموحات المشروعة لهذا الشعب، وتعلق عليه انتظاراته التي طالت كثيرا .. وهي رغم ذلك لا تخرج عن الإطارات الأربع الممكنة، والتي تحدثت عنها أدبيات الجماعة منذ تأسيسها:

أ‌- توبة الحكام: وهي منحة ربانية لمن اصطفاه الله تعالى، وهي أيضا اختيار شجاع يفوز بالسهم الأعظم عند التوّاب جلا وعــــلا، وعند الأمة في صفحات التاريخ، ولهذا الإطار ميزتان هما ربح الوقت وسلاسة التغيير.

ب‌- ميثاق جامع: وهو أرضية ترتّب عليها الأولويات وترسم المعالم وتحدد الضوابط بمشاركة الجميع، ويرضخ لها النظام لقوتها وقوة الشعب من ورائها، وهو إطار لابد منه في كل الاحتمالات، إذ هو الفعل الطبيعي عند كل محطة تأسيسية جادة، ولهذا الإطار إيجابيات ثمينة، على رأسها جهد جماعي تشاركي، وأنه خيار ديمقراطي، وأنه فعل مسؤول يرمم الذاكرة ويعطي الفعل السياسي معناه الحقيقي، ويوفر الشروط المناسبة له.

ج‌- إحجام القوى الفاعلة عن إنقاذ الموقف، والتلكؤ في التنبه للأخطار، وانتظار انفجارات اجتماعية -لا قدر الله- لا يمكن التحكم فيها وفي أبعادها إطلاقا، ولهذا الإطار ثمنه الغالي الذي يأباه كل عاقل، ومن تداعياته المحتملة: (تدخل أجنبي لضبط الفوضى حفاظا على مصالحه- حرب أهلية  جراح غائرة وفرص ضائعة ..) وتجارب الأمم حاضرة أمام الأعين.

د‌- قومة يسندها المستضعفون بعد أن تضيق السبل وتسد جميع الأبواب، تخرج للشارع كي تقول كلمتها وتسترجع حقوقها المغتصبة.

إن طموح الوثيقة كبير جدا وجرأتها بالغة، ولغتها واقعية واقتراحاتها مسؤولة، إنها اليد الممدودة دوما للعمل من أجل الخلاص الجماعي.