نشرت جريدة “المشعل” الأسبوعية في عددها الأخير (20 دجنبر 2007 إلى 2 يناير 2008) استجوابا أجرته مع الأستاذ عبد العلي مسؤول، يتعلق بالآثار والمشاهد المتعلقة بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وآل بيته الطيبين الطاهرين..

سؤال: يقال إنه في فترة ما من التاريخ الإسلامي تم هدم بعض الأماكن، ومنها البيت الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ومسكنه بالمدينة تلافيا للفتنة، لاسيما بعد تأجج الصراع بين السنة والشيعة؟.

جواب: إن انتقال الحكم من الخلافة إلى الملك، ومن الشورى والاختيار إلى العض والجبر والإكراه، كان له الأثر الكبير في المكان والزمان.

فقد كان له أثر في المكان حين نقل مقر الحكم من مكة والمدينة -الحرمين اللذين لهما مكانة خاصة في قلوب المسلمين- إلى الكوفة في عهد الإمام علي رضي الله عنه مُكْرها لما وجده من عراقيل كان وراءها مُسْلِمة الفتح طلقاء العفو النبوي يقدمهم بنو أمية، ليستقر الحكم بعد استشهاد علي رضي الله عنه، وتسليم مقاليد الحكم إلى معاوية في دمشق.

وفي السنة الثانية من حكم يزيد بن معاوية قام علماء المدينة وقراؤها على حكمه، فتصدى لهم جيشه، فقتل سبعة آلاف من أشراف المسلمين، واستباحوا المدينة ثلاثة أيام حتى حملت ألف امرأة من صنيع جيش يزيد، ثم هجم هذا الجيش على القائم بمكة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه؛ فضربوا الكعبة بالمنجنيق، وأسالوا الدم الحرام في بيت الله الحرام.

وانتهكت قدسية الزمان كذلك لما قتل حفيد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي رضي الله عنه في الشهر الحرام. الملك الوراثي لا يحترم مكانا ولا زمانا ولا قرابة.

وأما في العصور المتأخرة فقد تحكمت عوامل عدة في الموقف من آثاره صلى الله عليه وسلم وآثار أصحابه رضي الله عنهم في مكة والمدينة، من بينها:

1- الصلة غير الوكيدة بين أهل السنة والشيعة، فلقد كانت الحكومة السعودية لا تكترث كثيرا بآثار أهل البيت نكاية في شيعة الحجاز في الداخل، وفي شيعة الخارج.

2- التفرغ الكامل لواجهة حماية العقيدة والدفاع عنها من لدن دولة آل سعود والعلماء الذين استكانوا إلى تساكن مع الحكم الوراثي.

3- مغالاة ناس في التمسح بالآثار الطاهرة، وإلصاق الظهر والبطن بمشاهد آل البيت والصحابة والطواف حولها.

إن الآثار بصرف النظر عن صاحبها وتاريخها ينبغي المحافظة عليها للاعتبار والذكرى، والله تعالى يأمرنا بالسير في الأرض والنظر في آثار المكذبين والمشركين: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (سورة الأنعام الآية 11)، فما بالك إذا كانت هذه الآثار تشهد على تاريخنا وسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هدم آطام المدينة)؛ لأنها من زينة المدينة، والآطام جمع أُطُم وهي الحصون التي تبنى بالحجارة، وقيل: هي كل بيت مربع مسطح (ينظر فتح الباري 4/103 و117). ويقول سعيد بن المسيب رحمه الله عندما هدمت حجرات النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: (والله لوددتُ أنهم تركوها على حالها ينشأ ناشئ من المدينة، ويقدم قادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، ويكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر) (الطبقات الكبرى لابن سعد 1/500).

ثم إن الآثار المكية والمدنية وما حولهما هي حق للمسلمين، وليس لطائفة دون أخرى ولمذهب دون مذهب، واتخاذ قرار هدمها أو محوها ينبغي أن يشترك فيه خبراء المسلمين وعلماؤهم من أصقاع شتى، وليس من بلد واحد معين.

نعم إن هناك ذرائع ينبغي أن تُسد لكيلا تعبد القبور والحيطان من دون الله، وفي المقابل يجب تعظيم جنابه الشريف صلى الله عليه وسلم، والتأدب معه ميتا كما يتأدب معه حيا، إذ الأنبياء أحياء في قبورهم، وألا يُتحدَّث عنه صلى الله عليه وسلم كما يُتحدَّثُ عن سائر الأموات، وكذا يجوز زيارة القبور بآدابها الشرعية والمشاهد للاتعاظ والاعتبار.

سؤال: هل المكان الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ومسكنه بالمدينة المنورة معروفان؟، وما هي أسباب عدم الاهتمام بهذين المكانين، ولو من الناحية الأثرية والتاريخية، اعتبارا لأهميتهما في ذهن المسلمين؟

جواب: يذهب المؤرخون إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في الدار التي تعرف بدار ابن يوسف، قيل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم وهبها لعقيل بن أبي طالب، فلم تزل في يد عقيل حتى توفي، فباعها وُلْدُه إلى محمد بن يوسف الثقفي أخِ الحجاج بن يوسف، فبنى داره التي يقال لها: دار ابن يوسف، وأدخل ذلك البيت في الدار، حتى أخرجته الخيزران أم هارون الرشيد فجعلته مسجدا يصلى فيه، وذلك سنة 171 هـ. (ينظر تاريخ الأمم والملوك للطبري ص: 455).

ولقد حظي هذا البيت برعاية خاصة من قبل الملوك والسلاطين حتى نهاية المملكة الهاشمية بالحجاز، حيث لحق به ما لحق بعض مشاهد مكة والمدينة وآثارهما من هدم سنة 1926م. ولقد قام الشيخ عباس القطان أمين مكة في عهد الدولة السعودية فأعاد بناء البيت بعد أن كان خَرِبا مهجورا، ليصبح مقر مكتبة عامة، وذلك سنة 1932م. (ينظر تاريخ التقويم لمكة وبيت الله الكريم لمحمد طاهر الكردي المكي 1/170 – ط:1 – 1385هـ، مكتبة النهضة مكة المكرمة). وهذه المكتبة موجودة منذ ذلك الوقت إلى الآن في شعب علي التي تسمى حاليا (سوق الليل).

وأما مسكنه صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فهو المكان الذي دفن فيه في حجرة عائشة رضي الله عنها، وهو المعروف الآن بالروضة الشريفة، وهو مع المسجد النبوي الشريف، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) (صحيح مسلم كتاب الحج باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة رقم الحديث 1390)، ذلك أنه لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا إليها من مكة، بركت ناقته على باب دار أبي أيوب الأنصاري، فقال عليه السلام:هاهنا المنزل إن شاء الله، فبدأ ببناء بيته صلى الله عليه وسلم (ينظر البداية والنهاية لابن كثير 3/197-201).

سؤال: يهتم المسلمون بالحجر الأسود، فكيف لا يهتمون بأماكن عاش فيها النبي صلى الله عليه وسلم وهي جزء كبير من حياته؟ ولماذا هناك الكثير من الأمكنة معروفة وتم الاهتمام بها (غار حراء، مواقع الغزوات…)، ولم يتم الاهتمام بالمنزل الذي ولد فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) ومسكنه بالمدينة؟ وهل هناك من أسس شرعية ثابتة لعدم الاهتمام بهذين المكانين بالتحديد؟

جواب: إن الأماكن الموجودة بمكة والمدينة ينبغي التمييز بينها:

– منها أماكن داخلة في مناسك الحج والعمرة، ووجب على الحاج أو المعتمر القيام بما ينبغي تجاهها، من ذلك الحجر الأسود الذي يُسنُّ تقبيله في الطواف للحاج والمعتمر إن أمكن، أو استلامه باليد اليمنى مع تقبيلها، فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قَبَّل الحجر وقال: (إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك) (صحيح مسلم كتاب الحج باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف رقم 1270). قال القاضي عياض عن هذا الحديث: “وفيه الاقتداء وترك الاعتراض على السنن بالعقول، وأن تقبيله الحجر ليس عبادة له بل لله تعالى” (إكمال المعلم بفوائد مسلم 4/345). وهكذا استلام الركن اليماني، وصلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، والنزول بمزدلفة…

– ومنها أماكن غير داخلة في مناسك الحج والعمرة، وهو ما يتعلق بآثاره صلى الله عليه وسلم وآثار أصحابه، وأوَّلُها وأوْلاها قبره صلى الله عليه وسلم الذي قال هو عنه عليه الصلاة والسلام: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) (سنن الدارقطني 2/278). قال عياض: “اجتمعوا على أن موضع قبره عليه السلام أفضل بقاع الأرض، وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، ثم اختلفوا في أيهما أفضل ما عدا قبره عليه السلام” (إكمال المعلم بفوائد مسلم 4/511).

فوجب الاهتمام بهذه الآثار النبوية وكذا آثار صحابته وآل بيته الطيبين الطاهرين، وزيارتها، مع مراعاة الآداب الشرعية الظاهرة والباطنة لهذه الزيارة.

سؤال: هل يجوز من الناحية الدينية زيارة المكان الذي ولد فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) بمكة ومسكنه بالمدينة والتبرك بهما، كما هو الحال بالنسبة لأماكن أخرى؟

جواب: نعم يجوز زيارة مكان مولده صلى الله عليه وسلم، وإن كان هو الآن قد طُمِر، وبنيت فوقه مكتبة مكة، وكذا يجوز زيارة روضته الشريفة والمسجد النبوي الشريف والصلاة فيه.قال ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري عند قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الإيمان لَيَأْرِز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) “وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي صلى الله عليه وسلم، فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم، والصلاة في مسجده، والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه” (فتح الباري 4/116).