دلالة الباعث

وقفنا في حلقة سابقة مع عنوان الوثيقة باعتباره يلخص مضمونها ويوضح أهدافها، وكذلك باعتباره أقصر طريق إلى القارئ.

ونتناول في هذه الحلقة، مستعينين بالله ومتوكلين عليه سبحانه، الباعث لإصدارها والدافع لنشرها لأن البحث عن الدوافع والبواعث والخلفيات أول ما يتبادر إلى ذهن أي قارئ. فنقول وبالله التوفيق:

بعد طول ترقب وانتظار من قبل الباحثين والمهتمين، وبعد أن مضى على انتخابات 7 شتنبر أزيد من ثلاثة أشهر، وهي مدة فاصلة وكافية لاستخلاص العبر والاستيقاظ من السبات الذي أصاب الكثيرين، خرجت العدل والإحسان بموقفها متضمنا التشخيص والاقتراح وتحديد المسؤوليات؛ ولذلك بدأت الوثيقة بهذه الانتخابات واصفة إياها بالملهاة “اكتمل في الأشهر الأخيرة من السنة التي نودع (2007) مسلسل المأساة الملهاة التي أجبر الشعب المغربي على أن يتفرج عليها، بل أن يساهم جزء منه في لعب بعض أدوارها على خشبة الإفلاس السياسي” ولم تقتصر فقط على هذه الانتخابات بل ربطتها بما سبقها ” إن يوم 07/09/2007 وما سبقه وما لحقه علامة من العلامات البارزة في تاريخ الخراب السياسي الذي تعيشه البلاد منذ عقود طويلة، حيث أثبتت انتخابات شتنبر المعلومة وما تلاها من فصول غير مُشَوِّقَةٍ وغير مُشَرِّفَة لتشكيل الحكومة أن الوضع في البلاد لا يزداد على مر الشهور والسنين إلا ترديا وانحطاطا، وأن الهوة بين الشعب وبين الحاكمين لا تزداد إلا اتساعا وانسحاقا. حوالي 80% من المواطنين عبَّروا عن رفضهم للَّعِبِ”.

بعدما خمد “لهيب” الانتخابات كان الكل ينتظر من العدل والإحسان التعبير عن موقفها مما جرى ويجري، والتذكير بمقترحاتها، وهي التي ظلت لأكثر من سنة عرضة لحملة قمع ممنهجة استهدفت أعضاءها والمتعاطفين معها. ولم يكن الأمر رد فعل لأنها انتظرت مدة كافية حتى تهدأ الأجواء وهذا ما يؤكده الأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم الجماعة “نحن أمام ما وقع خلال 7 شتنبر وما واكبها من إشكاليات ناتجة عن تشكيل الحكومة وما عرفه هذا المسلسل من أشياء غير مسبوقة أصابت الجميع بالإحباط، لم نكن نريد أن نزج بأنفسنا في التعليق على الأحداث، فأخذنا مسافة حتى تهدأ النفوس وحتى تتبين للجميع صدقية ما كنا نقول بأن مسألة شعارات العهد الجديد والتغيير، لا أساس لها من الصحة على أرض الواقع من انتقال ديمقراطي ومن حريات، ولهذا تركنا الفرصة للجميع حتى يتأكد من أن كل هذه الشعارات ليس لها في الواقع أي صدقية، وقلنا كلمتنا الآن بكل مسؤولية وبكل هدوء وبكل رباطة جأش، لا لكي نزايد على أحد، ولا لكي نتشفى في أحد ولكن لكي نتكلم بصدق ونوجه رسالة إلى الغيورين في هذا البلد على أنه آن الأوان لكي نجتمع جميعا حول مشروع يخرجنا من الورطة التي نعيش فيها”. (أسبوعية المشعل 13 دجنبر 2007)

لماذا أصدرت العدل والإحسان هذه الوثيقة إذن؟

سؤال مشروع، وفهم الوثيقة بالشكل المطلوب لن يتم ما لم يتضح الباعث من أجل إصدارها، وهذا ما وضحته الوثيقة مسبقا درءا لكل تأويل مغرض أو فهم خاطئ.

النقد من أجل النقد؟يسعى البعض للنيل من العدل والإحسان فيعتبرها حركة عدمية لم تفلح إلا في النقد وتشويه سمعة البلاد، ولا ترى في الكأس إلا نصفه الفارغ، وهؤلاء لن يرضيهم محتوى الوثيقة كيفما كان مضمونها وشكلها وتوقيتها؛ بل سيسعون دائما إلى الاصطياد في الماء العكر دفاعا عن مصالحهم.

رفعا لهذا التأويل نفت الوثيقة هذا الدافع “ليس تخصصنا والحمد لله المناداة بالويل والثبور وتهويل الأمور، ولسنا هواة رسم اللوحات السوداء القاتمة والتعامي عن مساحات بيضاء في شأننا العام من مشاريع وورشات مهمة، ولكن المعطيات صادمة والمؤشرات والنتائج ومآلات الأمور مثبطة. لا نزايد بل نتكلم من الواقع الخطير ومَرتَعِ البُؤس الـمَرير”.

وسبب ذلك بسيط ففهم الواقع وعمق الأزمة التي تتخبط فيها البلاد أصبح واضحا للخاص والعام والاعتراف بذلك صدر من كل الفرقاء الموجودين في المجتمع رغم اختلاف مواقعهم السياسية، ولذلك فليست هناك حاجة لإعادة التذكير بذلك أو الرغبة في تحقيق ربح سياسي من ورائه.

الرغبة في التصعيد والاستفزاز؟سيحاول البعض اختزال الباعث على إصدار هذه الوثيقة في رغبة لدى العدل والإحسان في التصعيد واستفزاز السلطة للخروج من الحصار الذي تعيشه ولتجاوز المحنة التي تمر منها منذ أزيد من سنة. وهذا لا يعدو أن يكون هروبا عن الموضوع وتحريفا لمضمون الوثيقة ومحاولة لطمس حقائق مفجعة عن المغرب لا يمكن التستر عليها.

وهذا الأمر أكده أكثر من قيادي في الجماعة، ففي تصريح للأستاذ أرسلان قال ” نحن لم نصعد أبدا مع النظام، النظام هو من يرفع العصا الغليظة حول رؤوسنا منذ البداية، فالمواجهة التي عرفتها السنة الماضية وما قبلها لم نكن نحن المسؤولون عنها، بل النظام هو الذي أعلن حربه، وأعتقد أن هذا حصل منذ نشأة الجماعة، فقد كانت فترات مد وجزر، والحملة الأخيرة طالت مدتها، لكننا نحن وكما عهدنا الجميع لسنا من أصحاب ردات الفعل، فعملنا ليس ردة فعل كما قلت لك سابقا، لقد تركنا الأمور حتى هدأت ومر المسلسل وعلق كل من يريد أن يعلق وقلنا كلمتنا بعد ذلك، فالذي يشعر بالمسؤولية تجاه ما وصلت إليه البلاد لا يمكن أن يدخل في مزايدات ولا في صراعات هامشية مع هذا الطرف أو ذاك، في حين ينسى الصراع الأساسي الذي هو إخراج البلاد مما تتردى فيه من ويلات” (أسبوعية المشعل 13 دجنبر 2007) وفي تصريح آخر للأستاذ عبد الواحد متوكل الأمين العام للدائرة السياسية قال “لسنا دعاة تصعيد ومواقفنا عادية” (يومية المساء 11 دجنبر 2007) وفي نفس السياق عبر الأستاذ محمد حمداوي، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، لأسبوعية الوطن الآن قائلا: “نحن لا نحتاج إلى إصدار وثيقة لكي نلفت الانتباه إلى وجودنا الراسخ والمشتهر أصلا في الأمة” (الوطن الآن عدد 271).

واجب النصيحة ومقتضى المسؤوليةدفعا لكل التباس توضح الوثيقة الباعث من إصدارها والدافع لنشرها ” إن الوضوح في التشخيص والرأي والموقف يُمليه ديننا وخلقنا مع الله ثم مع خلقه، ويفرضه الالتزام السياسي المسؤول أمام الشعب”. وهذا الأمر ليس بجديد على العدل والإحسان “إن الصراحة والوضوح مع الجميع مما منَّ به الله عز وجل على جماعة العدل والإحسان طوال مسيرتها، فله الحمد والشكر. ففي كل عشرية من العشريات الثلاث الماضية، كانت كلمة الحق تعلو لتقول بجلاء وصدق أين الخلل وتقترح بقوة ومسؤولية الحل: الإسلام أو الطوفان، رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام، مذكرة إلى من يهمه الأمر”.

الباعث إذن نصيحة لكل من يهمه الأمر، ومنطلق ذلك شرعي وسياسي هدفه تبرئة الذمة وإقامة الحجة وتحميل المسؤولية وإعلان الاستعداد للتعاون.

وهذا ما تؤكده فقرات الوثيقة ومنها ” نحن أيها الشرفاء أمام مأساة حقيقية، فأمننا أصبح مهددا بكل جوانبه: الجسدي والروحي والخلقي، وعلى الجميع أن يتحمل مسؤوليته بكل شجاعة ووضوح، من علماء أُسكتُوا -إلا من رحم ربك- تحت صولة الحكم القُرُونِيِّ الوِرَاثِي، وأهل الدعوة والفاعلين السياسيين والاقتصاديين وعموم الأمة وكل من لهم غيرة على هذا البلد “وكذلك” يتحول المغرب الآن إلى قاعة انتظار كبرى مفتوحة على المجهول نتيجة أخطاء فادحة وخطايا كارثية يتحمل النظام المخزني المسؤولية المباشرة عنها، لأنه كان ولا يزال المستفرد الوحيد والحقيقي بالسلطة في هذا البلد، ولم تكن الحكومات المتعاقبة إلا بمثابة لجان تصريف أعمال تأتمر وتنفذ”.

والعدل والإحسان في هذا كله تنطلق من يقين تام “ويقينها في الله تعالى كما هو يقين جميع المومنين صادق لا يتزعزع في حتمية ارتفاع الجور والظلم عن هذه الأمة بنصر الله العزيز، وبالعمل الدؤوب لكل فئات الشعب وفاعليه في هذا الاتجاه”.

الباعث إذن تهمم بمصير البلاد ورغبة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

في حلقة قادمة نتطرق إن شاء الله تعالى لدلالة المنطلق والهدف