سؤال: كيف تقيمون وضع جماعة العدل والإحسان ما بين عهد الحسن الثاني ومحمد السادس؟

جواب: استمر الحصار، ارتفعت وتيرة القمع وتضاعفت المحاكمات بمئات المرات. لكن بالمقابل استمرت الجماعة، والحمد لله، في تنام وتوسع وانتشار، ولم يزدها ذلك إلا يقينا في نجاعة اختياراتها وتأكيد مقاربتها للوضع السياسي بكون معضلة المغرب ليست في تغيير الأشخاص والوجوه إنما تكمن في طبيعة النظام وبنائه المرتكز على الاستبداد المطلق.

سؤال: عرفت الجماعة متابعات قضائية في حق أعضائها؟ كيف تعلقون على ذلك؟

جواب: مسلسل محاكمات أعضاء العدل والإحسان وقيادتها ابتدأ منذ تأسيس الجماعة ولم يتوقف ولو لفترة، إنما يزداد حدة وتلونا وتنوعا وعددا، ويكفي أن تعرفي أنه خلال السنة الماضية والحالية وصل عدد المتابعين إلى 845 عضو في 174 ملف، والغرامات وصلت إلى نصف مليار سنتيم، ناهيك عن استمرار اعتقال 12 عضوا بعشرين سنة سجنا ظلما وزورا في ملف طلبة العدل والإحسان بوجدة، وكذا الحكم على أخينا عمر محب بعشر سنوات بهتانا وتلفيقا. هذا دليل ساطع على زيف شعارات العهد الجديد وطي صفحة الماضي.

سؤال: لم تدفع هذه المتابعات الجماعة إلى التفكير في تأسيس إطار قانوني من أجل مطالبة السلطات بترخيص للجماعة من أجل ممارسة أنشطتها بكل علانية ودون تضييق؟

جواب: إن الجماعة قانونية ونذكر بهذا الأمر لا أدري هل للمرة الألف أو الألفين. والمتابعات الحالية والسابقة ظالمة وتتم غصبا عن القانون الذي سطره القائمون على هذه المتابعة. ولا يمكن لهذه المتابعات إلا أن تعزز مواقف الجماعة لأمر بسيط وهو أن مطالبنا مشروعة ويتعاطف معها جل الشعب المغربي وتجد هذه المطالب من الجماعة وقيادتها كل الإخلاص والوفاء، قال الله تعالى: (ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً).

فتضييق السلطة على الجماعة ليس لعدم قانونيتها ولكن لأصالة المطالب المشروعة التي تدعو إليها.

سؤال: هل هناك حوار ما بين وزارة الداخلية والجماعة؟

جواب: نعم السلطة تحاورنا منذ نشأتنا بحوارها المعهود مع كل المخالفين لمنهجها وسياساتها، ألم تتابعي الفصول المثيرة للحوار بيننا وبين المخزن حوار الاعتقالات بالجملة في صفوفنا، وتشميع البيوت، وترويع الأسر الآمنة، والطرد من الوظائف، وغير ذلك كثير من بركات الحوار على الطريقة المخزنية؟!

المخزن يا أختي الفاضلة لا يعرف لغة الحوار لا مع الجماعة ولا مع غيرها، هو يعرف فقط أسلوبين لا ثالث لهما؛ القمع أو الإملاء. وعليه فالسائد الآن هو قمع الجماعة ما دامت عصية على الترويض المفضي إلى قابلية تلقي الإملاءات.

سؤال: هل خروج الهمة من دوائر القرار جعل التضييق على الجماعة يخف؟

جواب: أنا قلت لك في سؤال سابق أن المسألة أكبر من تبادل مواقع ومجيء وجوه وغياب أخرى، القضية قضية نظام مركب من أشخاص ولوبيات وعائلات ومصالح مشتركة. وما دام نفس النظام مستمرا فإن خياراته هي نفسها، وما دام قمع المعارضين الحقيقيين من أهم خياراته فإن قمع الجماعة مستمر.

وهنا يحضرني جواب للأستاذة ندية ياسين حينما طلب إليها أن تعلق على حدث موت الملك الراحل الحسن الثاني فقالت لو بقي الملك ومات النظام الاستبدادي لكان أحسن.

سؤال: بعد انتهاء سنة 2006 ودخول سنة 2007، وجهت انتقادات إلى الجماعة بسبب ما روجته من وقوع حدث عظيم سنة 2006 بناء على رؤى، ما رأيكم في الضجة التي أثيرت؟ وما رأيكم في الانتقادات الموجهة للجماعة في الموضوع والرسالة التي وجهتها حركة التوحيد والإصلاح في الموضوع؟

جواب: ما راج حول هذا الموضوع روجته بعض وسائل الإعلام بتفسيراتها الخاصة البعيدة كل البعد عن منطلقاتنا وتوجهاتنا. وما كان من تعليقات كان حول ذلك الرائج بما يتضمنه من تأويلات محرفة. أما موضوع الرؤيا في بعده الشرعي العقدي الصافي كما نعتقده انطلاقا مما هو صريح واضح في القرآن الكريم وفيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو مذهب الفريق الأكبر من علماء الأمة على مر تاريخ المسلمين، ولا يملك أحد أن ينازع في ذلك إلا إن اختار أن ينحاز إلى رأي خاص فله ذلك، لكن ليس له أن يغير من الحقيقة شيئا.

سؤال: قال الشيخ عبد السلام ياسين في لقاء المجلس القطري إن “الإحسان لا يعني الابتعاد عن الشأن العام”، فهل هذه رسالة منه للانكباب على المشاركة في تسيير الشأن العام؟

جواب: هذا التوجه غير طارئ على فكر الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين وعلى منهاج جماعة العدل والإحسان، إنما هو مبدئي وأصيل أصالة شعار الجماعة الذي هو “العدل والإحسان” أي الجمع في تصور الجماعة وحركتها بين الهم الإحساني بما يعني من سلوك مسالك التقرب من الله عز وجل، والهم العدلي بما يعنيه من سعي إلى كل ما من شأنه إصلاح الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية لشعبنا وأمتنا. وما تعرض له الأستاذ عبد السلام ياسين وما ما يزال يتعرض له طيلة مسيرته الدعوية من أذى، وما ارتكب في حق الجماعة من أنواع العسف راجع أساسا إلى الاهتمام القوي للمرشد ومعه الجماعة بالشأن العام، وإلا لو ركنت الجماعة إلى الجانب الإحساني فقط لما لحقها ما لحقها، بل لكان احتفي بها أيما احتفاء.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فليس للاهتمام بالشأن العام باب واحد، أي باب اللعبة السياسية المخزنية التي يحتكر فيها النظام كل شيء ولا يسمح إلا ببعض الفجوات التي لا تتسع لأكثر من إضفاء المشروعية عليه. وهنا أتساءل ما الذي استطاع أن يغيره كل من انخرط في المشهد المخزني؟ فلو لمس الشعب المغربي بصيصا من التقدم أو التخفيف لما قاطع الانتخابات بغالبيته. ورسالة الشعب موجهة لكل المنخرطين وليس لأحدهم.

وفي هذه الظروف نرى أن الانحياز إلى خيار الشعب وسلوك خيار المعارضة القوية من أجل التأسيس لمدخل حقيقي يؤدي إلى مسالك حقيقية هو أكبر خدمة للشأن العام، وليس الجمود على خيار النوافذ أو المسارب المؤدية إلى المجهول كما نرى اليوم.

سؤال: أصدرتم وثيقة سياسية تحت عنوان “جميعا من أجل الخلاص”، في إي سياق تأتي هذه الوثيقة؟

جواب: سياق إصدار الوثيقة واضح جدا باعتبارها جاءت بعد مدة كانت كافية لتحديد موقف ناضج ومسؤول بعدما جرى يوم 7/9/2007 والرسالة الشعبية القوية التي صدع بها الشعب بمقاطعته الشاملة لمهزلة الانتخابات. هذه المقاطعة شكلت في نظرنا تصويتا شعبيا واضحا بالرفض النهائي للعملية السياسية بالشكل التي تدار به حاليا في هذا البلد. ومن جهة أخرى هناك الواقع الكارثي الذي يعيشه كل المغاربة وتشهد عليه مجموعة من الدراسات التقييمية السياسية والاقتصادية التي تواترت مؤخرا التي تفيد انهيار الوضع أكثر في العشرية الأخيرة. فالمجلس القطري الذي ينعقد في ظروف كهذه لا بد أن يحدد مواقف مفصلية صادقة مما يجري.

سؤال: ما علاقة الوثيقة بالميثاق الذي سبق أن نادت به الجماعة؟ وما مصير الميثاق؟

هل يمكن أن نستنتج من الوثيقة أن الجماعة قامت بمراجعات على مستوى خطابها ولغتها السياسية، لأنها غيبت بعض المفردات من قبيل (النظام الجبري والخلافة على منهاج النبوة)؟

جواب: الميثاق الذي ندعو إليه ليس اجتماع ساعة أو ساعتين دعونا له ولم ينعقد، إنما هو في نظرنا مدخل رئيسي قصد الشروع في حل الأزمة وفي إرساء قواعد تغيير مجتمعي حقيقيي. ولا نملك في هذا البلد غير الاتفاق على مقاربة جماعية تأسيسية للحلول الممكنة. والوثيقة الجديدة “جميعا من أجل الخلاص” تأتي في هذا السياق، سياق البناء لهذه المقاربة.

أما قضية عدم ذكر مصطلحات معينة فيجب التنبيه على أننا أمام مجالين مختلفين على المستويات السياسية الدراسية والعلمية، فالمجال الذي تتحدثين عنه هو المجال التنظيري التصوري المؤسس للتغيير على مستوى “الأمة” وهذا بطبيعة الحال ثابت راسخ لدينا بثباته ورسوخه في كتاب الله بوعده النصر للمؤمنين وأن العاقبة للمتقين وفي الموعود النبوي الشريف بظهور العدل وانتشاره قال رسول الله صلى الله عله وسلم: ((لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع فكلما جاء من الجور شيء ذهب من العدل مثله حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره. ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره)) وهو حديث حسن رواه معقل بن يسار المزني (المحدث العراقي رحمه الله).

أما المجال الذي تتحدث عنه وثيقة الخلاص فهو تدبير الشأن العام في قطر مسلم من هذه الأمة الذي هو المغرب وفي لحظة تاريخية معينة..

أما قضية “المراجعات” بالصفة المتداولة حاليا في بعض الأدبيات فلا نراها تعنينا من قريب أو بعيد بحكم أننا نرى أنفسنا في انسجام تام مع منهاجنا المؤسس لعملنا ومع تصورنا الذي نراه تجديديا لكثير من أمور الدين والحياة المختلفة. بل إن مرور الزمن يؤكد لنا يوما بعد يوم قواعد مؤسسة لعملنا وسلامة منهجية تحليلنا للواقع والوقائع. وعملنا ولله الحمد في تطور مستمر ويستفيد من كل علم وعمل نافع متاح. وقضية المراجعات هذه، الصورة الغالبة، في نظرنا غالبا ما تهم الأفراد والحركات التي انطلق عملها بدون بوصلة علمية موجهة لعملها، أو انطلقت تلتقط من هنا وهناك في غياب نسق علمي تنظيري مؤسس للتصور، أو أنها سقطت في مواقف غير متزنة في بداية عملها بسبب قصور النظر أو التسرع في الحكم على الأشياء.

فنحن نبذنا العنف من حيث المبدأ في عز الاختيار الانقلابي، ولم نحمل السلاح على أحد، ولم نكفر أحدا، ورفضنا السرية واعتبرناها صبيانية في وقت كان غيرنا يعتبر غير النهج السري انفضاحا.

أما إن كانت المراجعة تساوي حتما التراجع، ومع الأسف هذه المعادلة هي السائدة، فهي معادلة فاسدة. أما المراجعة التي بمعنى التقويم فهذا شأن يومي لكل عاقل راشد كان فردا أو جماعة، وهي لا تؤدي حتما إلى التراجع، كما هو مطلوب من المراجعات الرائجة اليوم، بل قد تؤدي إلى التأكيد والتثبيت، وهذا غالب أمرنا.

ومما يؤكد اختيارنا هذا أن عددا من المراجعات تتم اليوم في الاتجاه المعاكس أي الرجوع عن مسار الانخراط في مشاهد سياسية متحكم فيها بعدما أدرك أصحابها حجم الخطورة الناتجة عن استغلال مشاركتهم لتكسب الأنظمة المستبدة مشروعية الاستمرار ولا شيء غير ذلك.

سؤال: تطرق الجماعة في وثيقتها إلى الشأن العام من قبيل الاقتصاد والانتخابات يوضح اهتمام الجماعة بالشأن السياسي والتدبير العام، فهل هذا يعني أن الجماعة تفكر في تأسيس حزب سياسي؟ وهل لديها شروط لذلك؟

جواب: اهتمام الجماعة بالشأن العام لم يبدأ مع صدور رسالة “جميعا من أجل الخلاص” وإنما يشمل شطرا أساسيا في تصور الجماعة وفي عملها ولهذا كان التنصيص أصلا على مفهوم العدل في اسم الجماعة،و لم ينقطع أبدا اهتمام الجماعة بهذا الجانب منذ تأسيسها وأحيلك على الرسائل الثلاث للأستاذ عبد السلام ياسين “الإسلام أو الطوفان” و”رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام” و”مذكرة إلى من يهمه الأمر”.

أما أن تحصل جماعة العدل والإحسان على حزب سياسي أو لا تحصل فهذا ليس هو المهم عندنا، المهم بل الأهم هو قضية شعب بأكمله حقوقه مصادرة ومفقر ومحجر عليه. وقضية تشكيل حزب سياسي نعتبرها من المواضيع التي تدخل في إطار “الشكل”، إذ ستكون إجراء إداريا بسيطا لو انقشع الاستبداد وحل العدل. ليبقى الأهم وهو “جوهر” هذه المعضلة المرتبط بتنزيل مقاربة وطنية جامعة جدية وجماعية من أجل حل الأزمة من الأساس. ففي نظرنا إذا عرف الجوهر طريقه إلى الحل فالشكل سيتبعه تلقائيا.