لقد ظلت جماعة العدل والإحسان قائمة في مسيرة الدعوة لتصحيح مسار البلد من خلال النصح الصريح الذي لا يخاف في قول كلمة الحق لومة لائم، والتي أدت الجماعة ضريبتها حصارا وسجنا واعتقالا تعسفيا لم يرفع عنها منذ كانت.

وقد بدأت مسيرة النصح الصادق للأمة منذ برزت معالم المنهج التجديدي للجماعة ممثلا في فكر الأستاذ المرشد، وتحديدا منذ رسالة “الإسلام أوالطوفان”، وقد أشارت وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” إلى استمرارية ثبات الجماعة على موقفها عبر التاريخ” لتقول بجلاء وصدق أين الخلل وتقترح بقوة ومسؤولية الحل: الإسلام أو الطوفان، رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام، مذكرة إلى من يهمه الأمر”(1). لكن هذه الاستمرارية تطرح على الوثيقة أسئلة عدة، قد يكون سياق الوثيقة يحمل إجابات شافية عنها. ومن خلال هذا المقال سأحاول أن أتطرق لأسئلة ثلاثة، ومقاربة الأجوبة عنها عسى أن يسهم ذلك في إزالة بعض اللَّبس.

السؤال الأول: لماذا صدرت الوثيقة عن المجلس القطري للدائرة السياسية لا عن المرشد؟

لقد أفصحت الوثيقة عن حقيقة تنظيم الجماعة وقوة مؤسساتها التدبيرية والاقتراحية، والتي لم تكن الفرصة مناسبة في تقديري للإفصاح عنها في العشريات السابقة تقديرا للمصلحة وطبيعة المرحلة وسياق النصيحة، فكان المرشد حفظه الله باعتباره مؤسس هذه المدرسة التغييرية يتحمل عن الجماعة مسؤولية التعبير عن مواقف مؤسساتها. غير أن البعض كان يروج أن تلك المواقف مفروضة على الجماعة من المرشد ، فكثيرا ما تصيدت بعض المنابر المغرضة أحوال المرشد الصحية، لتخوض في تحليلات وتأويلات لن يكون لها مكان إلا في عقولهم الصغيرة، ومقتضاها أن مرحلة ما بعد المرشد  حفظه الله وأطال عمره في طاعته والجهاد في سبيله-، ستشكل نقطة انعطاف في تصور الجماعة وسلوكها السياسي الذي قد يصل في تقديرهم إلى التطبيع مع المخزن. فجاءت الوثيقة موقعة من طرف أعلى هيئة تقريرية في الدائرة السياسية لتعبر أبلغ تعبير عن رشد مؤسسات الجماعة، ووحدة تصورها وقوة بنائها التنظيمي.

السؤال الثاني: هل لتغيُر المخَاطَب أثر في مُوَقِّع الخطاب؟

– لقد كانت النصائح السابقة موجهة إلى أعلى سلطة سياسية في البلاد: الملك، قصد تقديم وتحميل المسؤولية، وقد كانت لكل منها سياقها الزماني وظرفها الذي لن يتسع المقال لبيانه، أما وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” فالخطاب فيها موجه للفاعلين السياسيين المخلصين لبلدهم والذين ” حسنوا الظن فحسبوا اللعبة  لعبة الانتخابات- جدًّا حتى حَصْحَص الحق”.

فطبيعة المخَاطَب ورسالة الحوار وضرورة الفعل المشترك التي تضمنتها الوثيقة، اقتضت بداهة أن يكون موقف المرحلة صادرا عن الدائرة السياسية مؤسسة الجماعة المكلفة بتدبير الشأن العام، كما أنها أيضا من سيتعامل مع الأطراف الأخرى ويستقبل إجاباتها واقتراحاتها للخروج من المأزق.

– كما أن الوثيقة تشير ضمنيا إلى أن المخزن ما نفعته النصائح الثلاث السابقة، فكانت النتيجة تفاقم الأزمة وافتضاح أمره حتى أضحت تجارته كاسدة بعدما رفضها الشعب بقوة في 7 شتنبر، وهذا ما يعطي للوثيقة دلالة أخرى مقتضاها أن بساط المبادرة في تصحيح المسار سحبه الشعب من تحته، وبذلك يكون قد حُرم حسنة التوبة العمرية أو المرابطية(2) التي دُعِي إليها فما أجاب، فإن أراد تدارك الموقف والالتحاق بالركب فعليه أن يُحقق شروط التوبة حقيقة لا وهما مثل ما حدث فيما سُمي زورا “بالتناوب التوافقي” الذي عمق أزمة المغرب، وأطال عمر النظام المخزني بعدما رمى بشركائه في التناوب إلى مزبلة التاريخ.

السؤال الثالث: طرحت الوثيقة تشخيصا عميقا لأزمة البلاد، لكن بالمقابل لم تقدم حلولا واضحة، ألا تجسِّد الوثيقة بذلك عدمية الجماعة؟

تثبت مواقف الجماعة منذ كانت، قوتها الاقتراحية، وقد شكلت رسائل النصح الثلاث اقتراحات واضحة وصريحة وعملية للخروج من الأزمة. والجماعة الآن بعدما تبينت أحقية اختياراتها، وبعد اكتمال مشروعها السياسي، تكون أقدر على الاقتراح وأهلا له، غير أن خيارها الراسخ في الفعل المشترك للخروج من الأزمة جعلها تعرض عن اقتراح خطوات عملية تبديدا لوهم الإقصاء الذي يتوجس منه البعض. لكن جدير بالذكر التنبيه إلى أن الوثيقة لم تخل من إشارات لخيارات واقتراح.

فأما الخيارات فهي: “وعهد الوفاء لدين الإسلام وللمطالب المشروعة لهذا الشعب في إقرار مجتمع العدل والحريات العامة والأخلاق الفاضلة وحقوق الإنسان والديمقراطية الفعلية، والتنمية الاقتصادية الحقيقية والكرامة الوطنية، والانتفاع الإيجابي والشراكة المنصفة والشريفة وذات المصالح المتبادلة وتأمين الحاجات الأساسية في الأمن والغذاء والاستقرار والصحة والمعرفة، وعهد التواصل الوطني والاستعداد الصادق والجدي للعمل إلى جانب كل المكونات المخلصة في هذا البلد من أجل تحقيق هذا المجتمع الذي نتطلع إليه جميعا”.

وأما الاقتراح فكان تجديد الدعوة إلى الميثاق المجسد لخيار الفعل المشترك وضرورته.

فأي خيارات لدى الآخر وماذا يقترح للخروج من الأزمة؟

فالوثيقة بخاتمتها جعلت الكرة في ملعب باقي الأطراف للتعبير بوضوح عن صدق انحيازها لخيارات الشعب، وتحمل مسؤوليتها أيضا في اقتراح الحل، فالتاريخ سيسجل حينئذ شرف موقفهم، وإلا فوثيقة “جميعا من أجل الخلاص” ستكون شاهدا فرقانا عليهم بالقسط.

——————————————–

(1) هذه الرسائل الثلاث كان قد وجهها الأستاذ عبد السلام ياسين لملك المغرب، فأما الأولى فوجهها للملك الحسن الثاني سنة 1974 حجة قبل أن يخرج لميدان المعارضة الفعلية ، أما رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام فكتبها في بداية القرن الخامس عشر أواخر سنة 1983 حلل فيها رسالة ملك المغرب الحسن الثاني آنذاك والتي تحدث فيها عن الإسلام ومستقبله وحث فيها رؤساء الدول العربية وزعماءها على فسح المجال لرجال الدعوة الإسلامية!!!، وفي سنة 1999 صدرت “مذكرة إلى من يهمه الأمر” موجهة إلى محمد السادس بعدما رفعت شعارات العهد الجديد والانحياز لمصالح الفقراء، وقد شكلت تلك الرسائل جرأة منقطعة النظير في النصح، وقوة عميقة في اقتراح مخارج من أزمة، ومن يطلع عليها يجد تصديق الوصف. يمكن الاطلاع عليها في موقع المرشد: www.yassine.net

(2) دعا الأستاذ المرشد الملك الحسن الثاني لتوبة اقتداء بسيدنا عمر بن عبد العزيز الذي عاد لحكم الشورى بعدما حرفه بنو أمية ملكا عاضا، وقد جدد الأستاذ المرشد هذه الدعوة في مذكرة إلى من يهمه الأمر لمحمد السادس، واقترح نموذج يوسف بن تاشفين المرابطي والذي قد يكون أيسر عليه اقتفاء أثره لا سيما في تلك الظرفية التي كتبت فيها الرسالة.