المؤمن أحاطه الله بكل أصناف النعم، إحاطة تامة وعناية كاملة، وإسباغا للنعم لا نفاد لها، وعطاء وكرما شمل كل مناحي الحياة. الطيب والطيبات والأطايب، مفردات لمعنى واحد يغمر حياة المسلم، يعطرها وينسمها وينشر فيها السعد والرضا.

طوبى للمؤمن وطــاب *** بطيب قد شمـله وحــواه

طوبى له من رب كريم *** فرش له من الأطايب وكساه

طيبات تعلوه وتغشاه. طيبات مسخرة ميسرة. طيبات جادت بها السماء مطرا وغيثا، وفاضت بها الأرض نباتا وعشبا. طيبات سالت أنهارا تنهمر، وثارت ريحا تنتشر.

طيبات هيأها الله لعبده سكنا ومأوى، ومتكأ في الحياة الدنيا، يطيب فيها العيش، ويهنأ فيها المقام، وتغمر الأطايب حياته: فلنحيينه حياة طيبة 1.

وجعل له من نسله أثرا طيبا وصدقة جارية تبلغه حسنات عمله الصالح إلى يوم القيامة “رب هب لي من لدنك ذرية طيبة 2.

وأتم عليه نعمه ظاهرة وباطنه وأغدق عليه من كل الطيبات ليأكل ويتمتع بما سخره الله للناس يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا 3.

وجعل له من نفسه زوجا يأنس بها ويضفي على حياته البهجة والسرور ويملأها حبا وودا وسكينة ومودة ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون 4.

ولكي يستقر ذلك السكن فتنشأ فيه المودة وتغشاه الرحمة هداه ربه إلى سبيل ذلك فانكحوا ما طاب لكم من النساء 5 وجعل الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات 6 بعضهم لباس لبعض، وبعضهم ستر وحصن ووجاء لبعض. فلا يهنأ الرجل حتى تسعد صاحبته. ولا تقر عين الزوجة حتى يرضى ويسعد زوجها.

وجعل له الأرض مسجدا وطهورا فتيمموا صعيدا طيبا 7 وظهرا ذلولا هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور 8 يضرب في أرجاءها طلبا للرزق الطيب الحلال يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين 9، ويشرب من ماءها العذب الزلال وأخرج منها ماءها ومرعاها 10.

ويقول تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون 11 الله جل وعلا ما أمر بشيء وأباحه إلا وكان فيه خير للعباد وصلاح لهم. وما نهى عن شيء وحرمه إلا لما فيه من شر وفساد لهم.. يقول تعالى إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله 12 حرم على عبده ما يجلب الهلكة والنقمة في الدين والبدن. وأحل له كل طيب.

قال تعالى: يسألونك ماذا أحل لهم، قل أحل لكم الطيبات 13 المؤمنون يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم ماذا أحل لهم مخافة الوقوع في المحظور فيأتي الجواب “أحل لكم الطيبات” وهو جواب يستحق التأمل إنه يلقي في نفوسهم حقيقة أن الله تعالى لم يحرم عليم الطيبات ولم يمنعوا عن طيب وإن كل الطيبات لهم حلال فلم يحرم عليهم إلا الخبائث كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله وما ذبح على النصب أو كان الاستقسام فيه بالأزلام وهو نوع من الميسر 14.

وفي آية أخرى يقول ربنا الكريم: اليوم أحل لكم الطيبات. وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم. وطعامكم حل لهم. والمحصنات من المومنات. والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان 15. هكذا يبدأ ألوان المتاع والطيبات مرة أخرى فيجعل طعام أهل الكتاب طيبا وحلالا ويجعل العفيفات من نسائهم المحصنات طيبات للمسلمين ويقرن ذلك بذكر العفيفات والحرائر من المسلمات 16.

وفي ظل الحديث عن الطيبات من الطعام والطيبات من النساء يجيء ذكر الصلاة وأحكام الطهارة للصلاة يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين. وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه 17.

إن الحديث عن الصلاة والطهارة إلى جانب الحديث عن طيبات من الطعام والنساء، هو لفتة إلى لون آخر من الطيبات.. طيبات الروح الخالصة لون يجد فيه قلب المؤمن ما لا يجده في سائر المتاع إنه متاع اللقاء مع الله في جو من الطهر والخشوع والنقاء فلما فرغ من الحديث عن طيبات ومتاع الطعام والزواج ارتقى على متاع الطهارة والصلاة استكمالا لألوان المتاع الطيبة في حياة الإنسان 18.

قل لا يستوي الخبيث والطيب، ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون 19.

لا يستويان عند الله، كما أنهما لا يستويان عند المؤمن العفيف، الذي يختار أطايب المتاع، ويتحرى أدومه وأسلمه وإن قل وعز. فلا يغتر بخبيث مهما عظم شأنه ومهما فحش كُثْرُهُ. لأنه يدرك تمام الإدراك ثواب صراط الطيب. كما يدرك تمام الإدراك سوء سبيل الخبيث.

والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا 20.

في الصحاح: الطيب خلاف الخبيث، قال ابن بري: الأمر كما ذكر، إلا انه قد تتسع معانيه فيقال: أرض طيبة للتي تصلح للنبات، وريح طيبة إذا كانت لينة.. وطعمة طيبة إذا كانت حلالا.. 21.

قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين أمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة 22 الله يمد عباده من متاع الدنيا دون من. يمد المؤمن، ويعطي الكافر. لكن طيبات ما رزق الله المؤمن غير تلك الطيبات التي يسعى إليها الكافر. قد تستوي في الظاهر. لكنها قطعا لا تحدث في قلب الكافر ما تحدثه في قلب المؤمن من الرضا والشكر والموافقة لعطاء الله. وهي بعد خالصة للعبد المؤمن يوم يَرِدُ على ربه مسلما سالما، تقرأ عليه ملائكة الرحمن السلام أن ادخل جنة ربك راضيا خالدا وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين 23 ادخلها بما كنت طيبا، وبما جئت طيبا، وبما تلقى عنده سبحانه طيبا.

ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها 24 سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.. حتى الأنفاس التي تتردد في جوف المؤمن طيبات وأطايب. الكلمة الصالحة ينطق بها المؤمن طيبة، و أصلح تلك الكلمات وأعلاها، قول لا اله إلا الله. والقول الحسن أيضا طيب يلقى به أجرا وثوابا ومكانة رفيعة عند الله: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه 25.

شرط أن تستقر هذه الكلمة في قلب المؤمن، ويوقن بها ثم يعمل بمقتضاها ما وسعه الأمر. فإذا هي تفيض عليه الطيبات في كل حين فيضا، فتؤتي ثمارها وثواب ذكرها باللسان. وينتشر عبقها واختلاط أنفاسها في الأبدان. ويسطع نورها وحلاوة قرارها في الجنان.

طيبات ما زالت تغمر حياة المؤمن الموحد، حتى ليحسب أنه ليس ثمة في هذه الحياة الدنيا إلا طيبا. فما بال المؤمن بربه حين يستضيفه عنده في جنات عرضها كعرض السماء والأرض؟ ما باله بما هيأ له هنالك في مقعد صدق عند مليك مقتدر؟ أي نوع من الطيبات ستشمله؟ أي رجال وأي نساء وأية ذرية؟ أي مساكن وأي أكل وشرب؟ أي حلال ورزق وأي بلد؟ أي ريح وأي شجر وأي صعيد؟ هنالك من الطيبات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. أيزهد المرء في طيبات الحياة الدنيا؟ فما باله بطيبات الحياة الآخرة؟ 26 27.

والله أكبر والحمد لله رب العالمين.


[1] النحل، الآية 16.
[2] آل عمران، الآية 3.
[3] البقرة، الآية 168.
[4] الروم، الآية 21.
[5] النساء، الآية 3.
[6] النور، الآية 26.
[7] المائدة، الآية 6.
[8] الملك، الآية 15.
[9] البقرة، الآية 168.
[10] النازعات، الآية 31.
[11] البقرة، الآية 172.
[12] البقرة، الآية 173.
[13] المائدة، الآية 4.
[14] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 2، 847.
[15] المائدة، الآية 5.
[16] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 2، 847 - 848.
[17] المائدة، الآية 6.
[18] سيد قطب، قي ظلال القرآن، ج 2، ص، 970.
[19] المائدة، الآية 100.
[20] الأعراف، الآية 58.
[21] ابن منظور، لسان العرب، ج 9، ص167/168.
[22] الأعراف، الآية 32.
[23] الزمر، الآية 73.
[24] إبراهيم، الآية 24.
[25] فاطر، الآية 10.
[26] ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر
[27] التوبة.