الفصل الأول: في خضم التاريخ

عاديات الجبر

كيف جاءت الدعوة وسط هذا المريج؟لقد قاومت الدعوة زمن العض وزمن الجبر وحاولت الإصلاح. قاومت زمن العض، واستبان من أثر خذلان عامة الناس للإمام الحسين وغيره من أئمة آل البيت والعلماء، أن إصلاح شأن الناس أسبق من مقاومة فساد الحكام. فكانت خطة الإصلاح.

ولما جاء الاستعمار، ثم بعد وكلاؤه، جاؤوا بخاطئة حرب الدين. ونقموا من أهله أن يكونوا معلمي دين؛ حتى إنهم أغلقوا المساجد، إلا لصلاة استأجروا لها من يؤمها، ويهمس جمعتها بما لا يمسهم بسوء؛ بل بما يسارع فيهم، ويوادهم ويترضاهم. فكان أن أحسوا، أهل الدعوة، بأس الدعوة العلمانية، التي حشرت فنادت: أنا ربكم الأعلى. فلما أحسوا بأسها، دعوا إلى جهاد الاستعمار. قاده جمال الدين الأفغاني في الهند،ثم في سائر بلاد المسلمين. وكان محمد عبده وزيره في مصر. ثم بدا له بعد فشل الثورة العرابية، السعي في إصلاح التعليم. ورأى في التربية الفكرية العقدية، مدخلا لإصلاح حال المسلمين؛ فهي الكفيلة أن تجعلهم قادرين على صد عدوان الاستعمار ودعوته.

جاء الاستعمار، ثم بعد وكلاؤه، والدعوة شتيت قطعها العض؛ فأخذت الدعوة ضرورةُ لم الشعث، من أجل جهاد العدو العادي على عاصم الدين والدنيا. فمن هذا كان نشأة الحركة الإسلامية. ومن ظل من المسلمين مستنيما إلى خاصة نفسه، وخويصة مذهبه؛ فهو غافل عن خطر الدعوة اللاييكية، التي أصبحت تملك البلاد دولة، وتفعل في نفوس العباد مدرسة.

ومما زاد إحساس المسلمين بقارعة الاستعمار ووكلائه، إعلان أتاتورك سقوط نظام “الخلافة” سنة 1924م. وكان لحركة الإخوان في مصر، بعد هذا، شأن في مقاومة الاستعمار الإنجليزي في مصر، والعدوان الصهيوني في فلسطين. وكان لها شأن في تربية النشء على الإسلام وتعاليمه. وكُتِب لها التوفيق والتفوق والانتشار في العالم الإسلامي. ذلك أن شخص حسن البنا رحمه الله، الجامع بين دافق الإيمان وعزم الجهاد، كان قوة للدعوة الإسلامية ومثلا عاليا. ثم إن الزمن يقرع بالخطر؛ فاستفاق المسلمون من غفوتهم، وكانت الصحوة، واستجابوا لداعية الجهاد، والعمل للإسلام.

وهكذا نشأت الحركة الإسلامية الحديثة تقاوم الاستعمار؛ لا تستنكف تسند الدولة في مقاومته. ثم جاء الاستقلال الصوري، وجاء بخاطئة دعوى الاشتراكية العلمانية، التي استفحل أمرها في العالم، بين الحربين وبعدهما.. دخلت الدعوة الاشتراكية بلاد المسلمين، ناصرتها الدولة السوفياتية، التي أقامتها الثورة البلشفية. وأعانها بقوة، دعوتها إلى العدالة الاجتماعية، والقضاء على التفاوت الطبقي؛ فصغت إليها أفئدة الذين استضعفتهم الوحشية الرأسمالية، وأظهرت فيهم وفي أرضهم الفساد، في الحربين العالميتين، وقد كان من أشد ما نزل بهم فتك النازية الألمانية، والفاشية الإيطالية. ثم إنها، الرأسمالية، أخربت بيتها، بأيديها المضاربة، وكانت أزمة الثلاثينات الاقتصادية. ومما زاد الدعوة الاشتراكية مددا، في البلاد الإسلامية، دعوتها إلى التحرر من غُلّ الاستعمار؛ فأصبحت ناصرة المستضعفين في العالم، وحاملة بشارة الجنة في الأرض؛ جنة الشيوعية. كذلك انغرزت الاشتراكية الإصلاحية، والشيوعية الثورية، في الواقع الدولي، على حساب الثقافة اللبرالية السابقة. وكذلك أصبح الخيار الاشتراكي هو المفتاح السحري لحل المشكلة الاجتماعية.

لكنه الدين، في الدعوة الاشتراكية، أفيون وعاهة وعيب. تؤمن بجنة الأرض، وتكفر بجنة السماء؛ دنيا بلا آخرة. دعوى الاشتراكية دعوى جاهلية؛ تغذوها الفلسفة الماركسية وروحها إلحاد. وكان لها في البلاد الإسلامية منكر قول في الدين، وسوء فعلة في أهله. كان هذا في مصر والعراق وسوريا وتونس والجزائر.. وكان إلى هذا، فساد في الحكم، وانحلال في الخلق، وهزيمة أمام الامبريالية العالمية، والصهيونية العادية.

ولما كان هذا، دخلت الدعوة الإسلامية بابا آخر، في جهاد وكلاء الاستعمار. وكان الدعاة، في ذلك، على مذاهب:

منهم من دعا إلى انقلاب مسلح على الحكم المستبد. وكان هذا مذهب جماعة التكفير والهجرة، وجماعة الجهاد، ومنظمـة التحرير الإسلامي. كل أولئك نشؤوا في مصر، ومرجعهم في ذلك حكم الشهيد سيد قطب على الأنظمة الحاكمة، في البلاد الإسلامية، بالكفر والجاهلية.

ومنهم من ذهب مذهب المشاركة في اللعبة السياسية؛ كما هو شأن الجماعة الإسلامية في باكستان، بقيادة السيد أبو الأعلى المودودي رحمه الله.

ومنهم من ذهب أن تكون قومة شعب برمته، يوجه غضبه، وتستثار حميته، ويجدد إيمانه؛ فيكون القائم على أمر الدين، في وجه الحكم الجبري. وكان هذا تجربة إيران، بقيادة الإمام آية الله الخميني رحمه الله. وكانت الثورة الإيرانية، وقيام الجمهورية الإسلامية.

قوة سلاح، أو قومة شعب، أو مشاركة سياسية في إطار تعددية سياسية؛ هذه خطوط سياسية في التغيير، تكيفت مع ظروف البلد والمرحلة.

خيار الانقلاب المسلح كان ظاهر الأثر، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى. فجل الأنظمة الدكتاتورية أتت من هذا الطريق؛ ألمانيا هتلر، وإيطاليا موسولوني. وإنه بعد الاستقلال الصوري، في البلاد الإسلامية، ما من نظام، إن لم يكن وراثيا، فهو ثمرة انقلاب عسكري؛ كان هذا في مصر والعراق وسوريا واليمن، وتونس والجزائر وليبيا. كل ذلك جعل الحركة الإسلامية ترى، خاصة في مصر عبد الناصر، أن الانقلاب المسلح هو الطريق لإقامة دولة الإسلام.

أما خيار قومة شعب، فخارته الدعوة الإسلامية في إيران. وكان لعلماء الشيعة الإمامية شأن خاص في قلوب عامة الشيعة على مر التاريخ؛ فكان أن أيدهم الشعب في قومتهم على شاه إيران. شاه إيران في عقيدتهم، لا يكون إلا وكيلا وكله نائب الإمام المهدي. ولما قام النائب قامت معه عامة الشيعة؛ فكانت الثورة الإيرانية، وحقت ولاية الفقيه في الحكم حيث عجز الشاه الوكيل وخان.

أما في الباكستان المستقلة عن الهند سنة 1948م، فخاضت الدعوة فيها تجربة الانتخابات؛ حيث سمح نظامها بذلك.

وهكذا هي خطوط سياسة صانعت طبيعة المرحلة، والنظام السياسي، والإرث التاريخي.

وهكذا كرت الحركة الإسلامية زمن الاستعمار، تقاوم الاستعمار وانتحال نحلته. ثم كرت عليها العلمانية بالعلمنة والتغريب والتعذيب زمن الاستقلال الصوري. ثم فرت هذه بعد هزيمة 1967م، وكرت الدعوة الإسلامية؛ تقاوم وكلاء الاستعمار، ودين الانقياد لهم، حتى ثورة إيران.

ولما اطلعت على ثورة إيران، ولت العلمانية الحاكمة فرارا، وملئت منها رعبا، وتلبست بلبوس الإسلام تداهن وتنافق، ولوحت بانفتاح سياسي، ودعوة للمشاركة في لعبة السياسة. فزادت الحركة الإسلامية في كرها، وكانت في ذلك على مذاهب؛ فمنهم من دعم انقلابا عسكريا كما في السودان، ومنهم من اكتسح نجاحه الانتخابات البلدية كما في الجزائر وتونس، ومنهم من رشحته الانتخابات لإدارة الحكم على شرط اللاييكية؛ كما في تركيا.

ولقد مسها، في كل ذلك، سوء ذوبانها في الدولة لما انفردت بتدبيرها، وسوء حكمها على شرط اللاييكية.

وردت اللاييكية ردها في الجزائر وتونس وتركيا والسودان. لا تفتأ حربا على الدعوة وأهلها؛ عدت عليها لبرالية زمن الاستعمار، وعدت عليها رجعية واشتراكية- وكانت هذه أشد عليها- زمن الاستقلال الصوري. ثم ها هي ذي تعدو عليها لبرالية جديدة، بعد سقوط المعسكر الشرقي؛ وبخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.