صدر عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الثانية عشرة وثيقة سياسية بعنوان “جميعا من أجل الخلاص” التي تناولت بالدرس والتحليل الوضع المغربي على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقد عبرت الوثيقة بلغة الأرقام والمؤشرات عن حقيقة هذا الوضع المتسم بالأزمة الخانقة والتردي المهول. فرغم القوة السياسية والتاريخية للوثيقة، إلا انه يسجل إلى حد الآن برودة في التفاعل معها إعلاميا وسياسيا، وهذا ليس بالشيء الغريب لأن النظام المخزني يهندس في مخيلته مغربا بدون جماعة العدل والإحسان، ويسعى إلى إقناع الفرقاء السياسيين معه في هذا الاتجاه.

فما هي المنطلقات التي حكمت صدور الوثيقة في بعدها التاريخي والسياسي، وما الأبعاد التي تروم الوصول إليها في المستقيل؟

السياق التاريخي للوثيقةالوثيقة صدرت في مرحلة تاريخية حاسمة تتسم بجملة من الخصائص التي يمكن إجمالها في:

1- الأزمة السياسية الخانقة والإفلاس الكلي على جميع المستويات هو العنوان الذي يميز المرحلة التي صدرت فيها الوثيقة.

2- مفترق الطرق الذي وصل إليه المغرب خاصة بعد زلزال 7 شتنبر الذي كشف عن هشاشة المشهد السياسي، وأبان عن حقيقته، وكم يمثل “الفاعلون السياسيون “فيه لاسيما إذا علمنا أن نسبة المشاركة الانتخابية حسب التصريح الرسمي لم تتجاوز 37%.

3- غياب معارضة حقيقية، مما جعل النظام المخزني يعيث في البلاد والعباد فسادا.

4- التردي الاقتصادي والاجتماعي ووصول السياسات المخزنية إلى النفق المسدود مما ينذر بالكارثة.

5- التمكين لثقافة الميوعة والانحلال الأخلاقي من خلال دعم مؤسسات وأشخاص باسم المشروع الحداثي الديمقراطي.

6- استمرار الهجمة الشرسة للنظام المغربي على جماعة العدل والإحسان، مما يؤشر على الوعي السياسي الكبير للجماعة، في سبيل صياغة رؤية استراتيجية نحو المستقبل.

منطلقات الوثيقة السياسية1- الرؤية الاستراتيجية الواضحة

ويمكن إبراز هذه الرؤية على مستويين اثنين:

– على مستوى التحليل:

كشفت الوثيقة عن عمق التحليل الذي أفرزها، إذ شكلت معطياتها والكيفية التي صيغت بها مضمونا كليا متكاملا ومتناسقا أبرز الوضع السياسي في تجلياته الاستبدادية من خلال استئساد المؤسسة الملكية واحتكارها لكل الثروات والسلط، دون أن تغفل الوثيقة الإشارة الواضحة إلى من يتحمل مسؤولية الوضع برمته، كما تضمن مضمونها رؤية شمولية للوضع الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي المغربي.

– على مستوى الخطاب:

يلمس القارئ للوثيقة مدى غيرة أصحابها على الوطن ومدى رغبتهم في التغيير الجماعي، إذ جددت الوثيقة النداء الى كل الشرفاء والأحرار بهذا البلد وفي مقدمتهم العلماء الذين أسكتوا عن قول الحق في زمن ساد فيه دين الانقياد، فبذلك تكون العدل والإحسان قد بلغت أمانة التغيير إلى الكل، دون أن تنسى التذكير بالمبادرات السابقة التي لم تجد أذانا صاغية ورغم ذلك لم تمل الجماعة من بسط يد الحوار.

2- الخيار الاستراتيجي لمشروع الميثاق

المشروع الاستراتيجي الذي تقترحه الجماعة على أبناء هذا الوطن، يلخصه عنوان الوثيقة “جميعا من أجل الخلاص” في إشارة واضحة الى ضرورة تجميع الإرادات وتكثيف الجهود بين أبناء الوطن الواحد الذين فرقت بينهم السياسة المخزنية المقيتة بشراء الذمم وتفجير التناقضات واختلاق الصراع بين الفضلاء والفرقاء.

مقدمة هذا الخيار فهم واستيعاب المشروع في كليته، وقبله فهم واستيعاب السياق الذي سيؤدي إلى الحوار والتواصل السياسي مما يقتضي الوضوح التام مع الشعب ليعرف من قتل فيه الإرادة وكبل حريته وسرق تاريخه. وليهلك من هلك عن بينة ويحي من حيي عن بينة

من الأبعاد التي ترومها الوثيقةلا شك أن الوثيقة في حلتها، تختلف عن الدعوات السابقة من حيث الشكل لا المضمون فإذ كانت الدائرة السياسية في السنة الفارطة دعت إلى حلف إخاء فإن هذه السنة تميزت بإصدار وثيقة مكتوبة على شكل تقرير سياسي للوضع المغربي يتضمن في نهايته مقترحات للعلاج، والتي نلمسها من خلال تجديد النداء إلى التغيير الجماعي وذلك بـ:

1- إعادة إنتاج شروط سياسية جديدة كمقدمة أساسية للتغيير:

التحول التاريخي الذي يرومه الميثاق كحركة كلية في الواقع السياسي يقتضي البحث عن شروط أخرى غير السائدة اليوم، حتى تتمكن الأطراف الصادقة من الانطلاق في ورش الميثاق لكون الاختيار مشروط بالحرية وهي الشيء المفقود ببلدنا الحبيب، وفي سياق ذلك تتوجه الوثيقة إلى الشرفاء بغية الانخراط في حوار سياسيي لمعالجة القضايا الوطنية الكبرى، لاسيما والأرقام والمؤشرات لا تدع مجالا للشك بكون المغرب يسير نحو المجهول.

2- الانخراط الجماعي في مشروع الشراكة السياسية:

لا تتوانى الوثيقة في دعوة الشرفاء والأحرار إلى مغرب الديمقراطية والأمن والاستقرار، الذي لا سبيل إليه إلا باستئصال أسباب الاضطراب والفزع وكل ما يهدد الأمن الاقليمي والدولي وفي مقدمة ذلك المنهجية السياسية للنظام المخزني وأخطبوطه الخطير.

فمن مقتضيات الشراكة الوضوح السياسي و التفاعل مع الوضع القائم من أجل تغييره والتواصل وتقاسم الهموم والمهمات، ولإنجاح للشراكة إلا بإخلاص النيات، والبحث عن المشترك وتعميق النقاش فيه وجعل مصلحة الأمة فوق كل اعتبار والتنازل عن الأنانيات المستعلية، وتحسين الظن، والرغبة في التعايش المشترك بعيدا عن عقلية الإقصاء وفقدان الثقة.

على سبيل الختميعتقد البعض أن الوثيقة السياسية للعدل والإحسان صرخة في واد أو مزايدة سياسية أو آهات مجروح مكلوم، ولكن الحقيقة التاريخية للوثيقة أنها مشروع سياسي متميز بالوعي الاستراتيجي، الذي يستحضر في العمق لقاء الله عز وجل الذي سيسأل أهل العدل والإحسان عما فعلوه أمام واقع أمة هذا حالها، لا سيما في غياب مبادرات أخرى تسعى إلى العمل الجماعي نحو التغيير، فهذا مقترح العدل والإحسان تتقدم به إلى أبناء الأمة من أجل وضع خريطة طريق نحو الكرامة والعدل والحرية والسعادة في دنيا الابتلاء، كما أن الرهان على عامل الوقت أمر مهم جدا لاسيما وأننا لسنا دعاة استعجال والله عز وجل ينهانا عن ذلك “ولكنكم قوم تستعجلون” ويوصينا بالتؤدة والروية والتعقل، فأملنا في الله عز وجل كبير، ويقيننا فيه سبحانه وتعالى عظيم. هو القادر على جمع شملنا ورفع مكانتنا لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يصفون.