دلالة العنوان

توجت أشغال الدورة الثانية عشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان “مقدس” المنعقدة يومي 8 و9 دجنبر 2007 بإصدار وثيقة سياسية ضمنها أعضاء المجلس مواقفهم مما يجري في الساحة المغربية، وحددوا من خلالها موقعهم السياسي إلى جانب الفئات المتضررة من أبناء الشعب المغربي بمختلف فئاته وشرائحه، كما أعلنوا فيها عن مقترحاتهم لإنقاذ البلاد وتحسين أوضاع العباد بما يضمن لهم العيش الكريم في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة َ”يوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الشعراء: 88-89).

ولا شك أن هذه الوثيقة تندرج، كما سابقاتها، في سياق النصيحة والشهادة، ولذلك فهي جزء من الدين، إن لم نقل الدين كله. والعدل والإحسان تنطلق من هذا المنطلق لأنها تعتبر أن للنصيحة في الإسلام شأن عظيم ومكان خطير؛ فقد ذكرها الله عز سلطانه في كتابه العزيز، فجعلها وظيفة الأنبياء والمرسلين، عليهم السلام، ولبَّ رسالاتهم. وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم تستغرق الدين كلَّه لما عرف الدين بالنصيحة فقال: “الدين النصيحة .قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم”.

سنقف ضمن هذه السلسلة وقفات مع هذه الوثيقة نسبر أغوارها لنكتشف دلالات مضمونها وخلفيات إصدارها، وخير ما نبدأ به بعد حمد الله والصلاة على رسوله الكريم العنوان.

لماذا العنوان؟نبدأ هذه الدراسة بالوقوف على دلالة العنوان لأنه كما يقولون “أقصر الطرق إلى القارئ” ولأنه “أداة من أدوات تسويق المنتوج كيفما كانت طبيعته” ولأنه “يختزل المضمون العام للوثيقة” ولأنه “آخر ما كتب في الوثيقة وأول ما يثير فضول القارئ”.

نتساءل عن حمولة هذا العنوان: “جميعا من أجل الخلاص”، ويمكن أن نولد من خلاله أسئلة فرعية كثيرة: الخلاص من ماذا؟ وإلى ماذا؟ وبماذا؟ أو بصيغة أدق الخلاص ممن؟ وإلى من؟ ومع من؟.

لقد وفقت الوثيقة في اختيار عنوان دال على مضمونها وعلى الهدف منها، فحددت الفاعل “جميعا” ووضحت الطريقة “الخلاص”، كما وفقت في اختيار عنوان أصيل مشتق من مرجعيتها ومنسجم مع منهاجها.

لا بديل عن الحل الجماعيتختزن عبارة “جميعا” مفتاح الحل، كما ترسل “العدل والإحسان” من خلاله إشارات إلى كل من يعنيه أمر البلاد والعباد بأنها، أي العدل والإحسان، لا تدعي أنها بديل لأحد، ولا تسعى إلى إلغاء أحد، ولا إلى احتكار الفعل المجتمعي وإقصاء غيرها؛ بل تحرص على مد جسور التواصل والتعاون والحوار مع كل المهتمين بمصير البلاد والراغبين في التغيير والإصلاح والإنقاذ والخلاص.

في صفحات الوثيقة كلها إشارة إلى هذا المعنى لأن العدل والإحسان مقتنعة، أكثر من غيرها، بأن الفساد الذي آلت إليه البلاد أعقد وأعمق من أن يتصدى له طرف واحد مهما بلغت قوته وتفتقت عبقريته. ولذلك نجد الوثيقة توسعت كثيرا في التشخيص حتى يستنتج الجميع عمق الأزمة ووجوب التعاون من أجل تجاوزها.

وفي عبارة “جميعا” تذكير بـ”الميثاق الجامع” و”حلف الإخاء” الذي سبق وطرحته العدل والإحسان، فأول معاني الميثاق التعاقد والعهد والاتفاق، وهذا لا يتم إلا بين أكثر من طرف.

وقد أكدت على ذلك الوثيقة حين نصت على: “وإن جماعة العدل والإحسان لمع الشعب ومع مختلف فاعليه على العهد الدائم بحول الله، عهد الثبات على المبادئ المشروعة دون استكانة أو جبن أو ركون إلى ظالم، وعهد الوفاء لدين الإسلام وللمطالب المشروعة لهذا الشعب في إقرار مجتمع العدل والحريات العامة والأخلاق الفاضلة وحقوق الإنسان والديمقراطية الفعلية، والتنمية الاقتصادية الحقيقية والكرامة الوطنية، والانتفاع الإيجابي والشراكة المنصفة والشريفة وذات المصالح المتبادلة وتأمين الحاجات الأساسية في الأمن والغذاء والاستقرار والصحة والمعرفة، وعهد التواصل الوطني والاستعداد الصادق والجدي للعمل إلى جانب كل المكونات المخلصة في هذا البلد من أجل تحقيق هذا المجتمع الذي نتطلع إليه جميعا”. وأضافت “هل يطمح الشعب لأن يسمع ويرى عملا جماعيا صادقا ويلمس مبادرات تترفع وتسمو عن المصالح الفئوية والشخصية”.

رسالة واضحة، ورغبة أكيدة، ويد ممدودة، وإرادة متوثبة، ونية صادقة تنتظر ردا بعيدا عن كل مزايدة سياسية أو تشكيك في النية أو تهرب من المسؤولية. وكيفما كان الرد فالعدل والإحسان أثبتت مرة أخرى أنها قوة تسعى إلى التعاون، حتى أنها أحجمت، في هذه الوثيقة، عن تقديم الحلول التفصيلية تاركة ذلك إلى مرحلة لاحقة تكون فيها الشروط نضجت لإجراء حوار وطني مفتوح على كل المواضيع وعلى كل القوى الفاعلة في المجتمع.

بين الخلاص الفردي والجماعيلم تجد العدل والإحسان عبارة أفضل من الخلاص لإيصال رسالتها وتوضيح هدفها، واللفظة أصيلة في المشروع الفكري للجماعة استعمله الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في السبعينيات في كتاب “الإسلام غدا” حيث قال “أما مشروع الخلاص الجماعي فهو مشروع الجهاد بمعناه الواسع الذي يشمل جهاد الدعوة وجهاد البناء؛ وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة”.

ومضامين الوثيقة كلها تشير إلى تلازم الخلاصين، الفردي والجماعي، لأن العدل والإحسان لا تختزل العمل السياسي في تدبير الشأن العام فقط ولكنها تهتم كذلك بالشأن الخاص، شأن الإنسان مع ربه لاعتقادها أن هذا هو الغاية وهو أساس صلاح المجتمع. وهي في هذا تنسجم مع طبيعتها الدعوية. يقول الله عز وجل “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد: 11).

ولذلك ما فتئ الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين يذكر بأن “السياسة بعض شأننا” وأن “الدعوة مهنتنا” وأن “التربية أولا ووسطا وآخرا” و”التربية قبل وأثناء وبعد” وأن السياسة وسيلة لغاية عظمى ” الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” (الحج: 41). وهو نفس ما أشار إليه الأستاذ المرشد في رسالة تذكير “جماعة العدل والإحسان حزب سياسي أم تناومٌ ودروشة ؟ هي جماعة بَشَّرت بتغيير المجتمع، فما بالها تتَفيأ ظلال البركات المستفاضة والأنوار المعترَضة ؟ أهروباً من ميدان المقارعة إلى سلامة المهادنة؟

كلاّ، وإن إزالة الغموض عن بعض العيون الغمصة الرمصة هدف أول من مذكرتي ورسالتي هذه.

الآفاق السياسية أمام المسلمين كئيبة مظلمة منذرة بالويل والفشل لمن عمي عن تدبير الله عز وجل وعن حكمته في خلقه، وطفق، معتمداً على حوله وقوته، يزعم تغيير المجتمع، وهو في نفسه هوس، وغفلة عن الله، وإضاعة لحقوق الله، وتنكب لسنة رسول الله، واستخفاف بيوم الفزع الأكبر يوم العرض على الله.

لا ترضى جماعة العدل والإحسان بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا ترضى بغاية تتطلع إليها همم المومنين والمومنات دون الإحسان. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، الإحسان أن تحسن إلى الناس، الإحسان أن يحسُن عملك، الإحسان أن تُجيدَ وتفيد.”

فلا نستغرب إذن إن ركزت الوثيقة في تشخيصها للأزمة التي تعيشها البلاد على سياسات طمس الفطرة وإفساد الأخلاق لأنها تستهدف تخريب الإنسان، وهو هدف التغيير ومادته ووسيلته. وقد استبقت الوثيقة الأمر فأزالت في مقدمتها هذا الالتباس الذي قد يحصل فنبهت “هل هو كلام الواعظين المنقطعين عن الأرض؟ كلا! إنه كلام من لا ييأسون من روح الله مهما تَلَبَّدَت السماء بالغيوم السوداء، ومهما استغشى البعض ثياب الكبرياء”.

الخلاص من ماذا وممن؟الخلاص لفظة تختزل طبيعة العمل المطلوب، فهو ليس ترقيعا ولا تلميعا ولكنه تغيير جذري، وفي ذلك إشارة إلى أن الأزمة وصلت إلى مستوى صار يستحيل معها مجرد الترقيع. “إن النظام المخزني بصيغته الحالية وبمنهجيته السياسية أصبح يمثل عائقا أمام الديمقراطية والتنمية في هذا الوطن، كما أصبح مهددا لهوية الأمة في الصميم ومهددا لمصالحها المختلفة، بل أصبح مهددا للاستقرار الإقليمي والمتوسطي بعشرات الآلاف من هكتارات المخدرات، وبهجرة يغذيها بسياسته التفقيرية القاتلة”.

بذلك تكون العدل والإحسان حددت موقفها وموقعها ومقترحها الذي بقيت ثابتة عليه منذ أن تأسست رغم حملات القمع والحصار، والترغيب والترهيب.

وليس أمام باقي الفرقاء إلا سلوك مسلك الوضوح، وهذا ما تطالبهم به الوثيقة ” فماذا يقول الملتاعون المهمومون بما أصاب أمتهم؟ وماذا تقترح نخبنا؟ وماذا يقدم شرفاؤنا؟”.

في حلقة قادمة نتحدث إن شاء الله عن دلالة الباعث