الرباط – في ثاني أقسى رسالة توجهها للنظام المغربي منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش قبل 7 أعوام، دعت جماعة العدل والإحسان الإسلامية إلى “الخلاص الجماعي”، معتبرة أن النظام الملكي يمثل عائقا أمام إرساء الديمقراطية بالبلاد.

وتأتي الرسالة -التي حملت عنوان “جميعا من أجل الخلاص”، وصادقت عليها الدائرة السياسية للعدل والإحسان باجتماعها يومي 8 و9-12-2007- في خضم احتدام التوتر بين الجماعة والنظام بعد اعتقال السلطة للعشرات من أعضاء الجماعة والتضييق على أنشطتها مؤخرا.

“يتحول المغرب الآن إلى قاعة انتظار كبرى مفتوحة على المجهول نتيجة أخطاء فادحة وخطايا كارثية يتحمل النظام المخزني المسئولية المباشرة عنها؛ لأنه كان ولا يزال المستفرد الوحيد والحقيقي بالسلطة في هذا البلد، ولم تكن الحكومات المتعاقبة إلا بمثابة لجان تصريف أعمال تأتمر وتنفذ”، بحسب الرسالة.

ورأت الجماعة أن “الخلاص” لا يمكن أن يتحقق بوجود “النظام المخزني المستبد” في إشارة إلى النظام الملكي القائم، معتبرة أنه “بصيغته الحالية وبمنهجيته السياسية أصبح يمثل عائقا أمام الديمقراطية والتنمية في هذا الوطن، كما أصبح مهددا لهوية الأمة في الصميم ومهددا لمصالحها المختلفة”.

وذهبت العدل والإحسان في الرسالة التي حصلت “إسلام أون لاين.نت” على نسخة منها لدى نشرها الأربعاء 12-12-2007 إلى أن النظام الملكي “أصبح مهددا للاستقرار الإقليمي والمتوسطي بعشرات الآلاف من هكتارات المخدرات، وبهجرة يغذيها بسياسته التفقيرية القاتلة”.

“حكم قروني”وشددت الجماعة من انتقادها للنظام الملكي، حيث وصفته بأنه “حكم قروني وِراثي”، مضيفة أن “العلماء وأهل الدعوة والفاعلين السياسيين والاقتصاديين وعموم الأمة وكل من لهم غيرة على هذا البلد يقعون تحت صولته”.

ورفضت العدل والإحسان فكرة أن نظام الملك محمد السادس أفضل من حكم والده الراحل الحسن الثاني، معتبرة أنه “لا فرق بين عهد أدانه الجميع وعهد صفق له المتملقون والمستفيدون”.

وتناولت الرسالة -التي توقع مراقبون أن تثير أزمة جديدة مع السلطة- بشكل صريح دخل الأسرة الحاكمة وثرواتها.

“دخل الأسرة الملكية من الاقتصاد الوطني وثروتها داخل المغرب وخارجه والمتوقعة في حدها الأدنى، تجعل ما تتصرف فيه هذه الأسرة من مال الشعب العام يشكل أكثر من 20% من الناتج الداخلي الخام، أي أكثر من خُمس الثروة الوطنية”، بحسب الرسالة.

واعتبرت أن المغرب يعيش أسوأ وضع اقتصادي بسبب “الجشع الاقتصادي لأركان النظام، ولعدم حرصه أصلا على إرساء تنمية اقتصادية حقيقية”.

وجاء في الرسالة أن “المغاربة يعيشون بناتج داخلي خام ضعيف لا يتجاوز 50 مليار دولار تزيده ضعفا وضحالة أعباءُ الدَّين الخارجي الجاثم على البلاد والعباد خاصة بعد تقليص النفقات”.

أوضاع عامةمن ناحية أخرى، انتقدت العدل والإحسان الوضع السياسي في البلاد بعد الانتخابات العامة في سبتمبر الماضي قائلة إنه يزداد “ترديا وانحطاطا”، مضيفة أن “الهوة بين الشعب والحاكمين لا تزداد إلا اتساعا وانسحاقا”.

وبعكس رسائلها السابقة، لم تكتف الجماعة بإعلان السخط على النظام القائم، لكنها سعت إلى تأليب المجتمع الدولي عليه بتحميله مسئولية انتشار زراعة القنب الهندي في الشمال (نوع من المخدرات)، ومسئولية الهجرة غير المشروعة التي باتت كابوسا يؤرق الأوروبيين.

كما وجهت العدل والإحسان سهام انتقاداتها للنخبة السياسية بالمغرب، قائلة إنها “لا تفعل شيئا، حيث إن الواقع يشهد بأنه لا وجود لفاعلية ولا سياسة، وإنما هو الاستبداد المطلق”.

وتطرقت الجماعة إلى وضع التعليم في البلاد، قائلة: إن هذا القطاع يعيش “مأساة” حقيقية تتمثل في انقطاع الطلاب عن الدراسة “بنسب مرعبة”، وازدحام فصول الدراسة مما “أفقد العملية التعليمية كل طعم إلا طعم المرارة”، وبيع المؤسسات التعليمية، ونقص الكوادر من جميع التخصصات.

واعتمدت العدل والإحسان على إحصائيات الدولة لتشير إلى الوضعية الصعبة التي يعيشها النسيج الاجتماعي المغربي. وذكرت في هذا السياق أن نسبة أطفال الشوارع في ارتفاع مستمر، وأنهم عرضة لمخاطر الانحراف والمخدرات بما قد يجعل منهم لاحقا تهديدا حقيقيا لاستقرار البلاد.

تصعيد متوقعوبرغم توقع مراقبين أن يعقب الرسالة تصعيد أمني ضد أعضاء الجماعة وقياديين بها، اكتفت السلطات الأمنية حتى الآن بتعطيل الموقع الإلكتروني للعدل والإحسان، ومنع تصفح رسائلها من طرف المستخدمين عبر شبكة الإنترنت، بحسب وكالة “قدس برس” للأنباء.

وجاءت أول رسالة شديدة السخط على النظام في عهد محمد السادس في عام 2000 بعنوان “إلى من يهمه الأمر” بعث بها مرشد الجماعة الشيخ عبد السلام ياسين إلى الملك محمد السادس. وفي تلك الرسالة شدد ياسين على أن ثمة فرصة مواتية أمام الملك لمراجعة الأسس التي قام عليها نظام والده، ودعاه للضرب بيد من حديد على الفساد بما يخدم مصالح الشعب.

وأول رسالة وجهها زعيم الجماعة إلى النظام الحاكم، كانت قبل أكثر من ثلاثة عقود وحملت عنوان “الإسلام أو الطوفان”، وجاءت في شكل جملة من “النصائح والإرشادات” التي انطوت على انتقادات قاسية للملك الحسن الثاني.

يذكر أن العدل والإحسان تأسست عام 1974 مع بدء الشيخ ياسين في نشر أفكاره، في حين يعتبر المراقبون أن عام 1981 هو تاريخ بداية هيكلة العدل والإحسان مع صدور كتاب “المنهاج النبوي” الذي نظّر فيه ياسين لأسس قيام جماعته.