الْهَرَمُ المقلوب!من الناس من يظن أن جُرْعَةَ تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه خَفَّتْ بانتهاء المرحلة المكيةِ وبتتويجها بإقامة الدولة الإسلامية. والدولة الإسلامية، في عُرْفِ هذا الناس، هي ثمرةُ الدعوةِ المرجوةُ وشعارُهَا ورمزُها وعنوانُها وباعِثُ حركتِها. وتحقيق الدولة الإسلامية على الأرض، عندهم، هو الأملُ والغايةُ والمرام والمدى والهدف والمنتهى الذي من أجله نتربَّى ونُقَوّي إيماننا!

ويعتبر بعضُ العاملين في الحقل الإسلامي ذكرَ الله عز وجل في الخلوة والجلوة، والقيامَ والاِنكسارَ والتبتلَ بين يديه تعالى والاِجتماع على مدارسة كتابه والتواصيَ بما ينفع العبد بعد الموت مرحلةً متجاوَزَةً نَسَخَتْهَا مرحلةُ “التحرك والتدافع والصراع السياسي”. ومِنْ هذا ومِثْلُهُ أن يخططَ بعض الدعاة فيجعلوا تربية الإيمان في القلوب وقوداً للاِنطلاق في صناعة الحياة في الأرض؛ وما صناعة الحياة عندهم إلا هذه المشاريع الاقتصادية والاِجتماعية والثقافية -الضرورية بحق- التي تتآكل في ميادينها الأرواحُ وَيَتَفَلَّتُ معها الإيمان من القلوب وتتناسل منها حظوظ النفوس إن لم تَجِدْ من يزكيها ويجدده  أقصد الإيمانَ- بذكر الله وذكر المعاد والسعي في عمران الآخرة. كأن الإيمان عند هذا الناس لا يَبْلَى في جوف أَحَدِنَا كما يبلى الثوب، وكأنَّ معانيَه ومعارفَه لا تتفلَّتُ من القلب تَفَلُّتَ الإبل من عُقُلِه، وكأنَّ الله تعالى لم يَتْلُ علينا نَبَأَ ذاك “الذي” لنخشى ونَحْذَرَ ونتَّعظ.

وهل الإيمان الذي يُعْرَفُ به ربُّنا عز وجل ومن أجله بُعِثَ الأنبياء والمرسلون وفي سبيله إعلاء رايته وتجديد منهاجه يجاهد الوارثون المجددون مجردُ وقود يحترق في محرك الحركة الميدانية ويتبخر في سبيل الصراع السياسي فلا تدعو إليه حاجةٌ بَعْدُ ما دام صاروخ “صناعة الحياة” قد تَخَلَّصَ من الجاذبية وما دام الصراع السياسي أَشْرَفَ بنا، بَعْدَ عقبات “الدعوة”، على مُنْحَدَرِ “التمكين”؟

وهل يُسَرَّحُ العباد من إسارِ الدنيا وجاذبية النفس الأمارة والهوى الْمُطْغِي والشيطان القرينِ إلا مع آخر نَفَسٍ تلفظه الروح؟

وأي إيمان هذا الذي يَصْلُح وقودا محترقاً متبخِّراً للانطلاق في صناعة الحياة الدنيا ولا يُتَوَسَّلُ به إلى عُمران الحياة الآخرة؟ أي إيمان؟

وهل يستقيم في دين الله أن تكون تزكيةُ الأنفس مُبْتَدَأً سماويّاً عظيماً لِخَبَرٍ أَرْضيٍّ عابر؟

“اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة”. متفق عليه.

ما كان صلى الله عليه وسلم يحمل هَمَّ النصرِ الإلهيِّ -إِذْ بُشْراهُ يقينٌ وموعودُهُ حقٌّ وفَتْحُهُ قريبٌ- بذات القدْر الذي كان يحمل هَمَّ حال قلوب أصحابه أن تتآكلَ بالتنافس في الحظوظ الدنيوية أو أَنْ تَتَفَلَّتَ منها معاني الإيمان والإحسان التي رباهم وأنشأهم عليها حتى تعلَّقَتْ قلوبهم بالآخرة وبالعرش كأنهم رأي عين.

عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فَوَافَوْا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال: “أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين”، فقالوا أجل يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: “أبشروا وأمِّلُوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم”. متفق عليه.

وما يتنافس في حظوظ الدنيا فيتهافتُ تهافُتَ الفراش في النار إلاَّ القلبُ، ولا يُهْلِكُ ابنَ آدم حين يَهْلِكُ إلاَّ عملُ القلب، وما كان موضوعاً للتغيير الذي جاءت به النبوة غيرُ ذاتِ القلب، وما حَرَصَ الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم في ذاتِ كل مؤمن إلاَّ على سلامةِ وعافية وزكاةِ هذا القلب.

فتوى القلبإننا كثيرا ما نُعَضِّدُ أفكارَنَا بالآيات البينات نؤصِّلُ بها زاوية نظرنا إلى الأمور ومَنْهَجَنا في التفكير وحركتَنا في الميدان، غير أن هذه النظرة وهذا المنهج وهذه الحركة إن لم يُفْتِ فيها قلبٌ حيٌّ مُتَزَكٍّ منتسبٌ إلى الحق واصلٌ بصدق وَجِلٌ قاطعٌ حبالَ الحظوظ الدنيوية الأخطبوطية ما بينه وبين نفسه طالبٌ وجهَ الله والدارَ الآخرة فإنه يفتي فيها الظَّنُّ والهوى والرغبات والمصالح.

عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “جئتَ تسأل عن البر والإثم”؟ قلت: نعم؛ قال: “استفت قلبك؛ البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك” (رواه أحمد والدارمي).

“اِستفت قلبك… وإن أفتاك الناس وأفتوك”.

نعم، صدقت يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك وسلم.

فكيف حال هذا القلب الذي يخفق بين جَنْبَيَّ لأطمئن إلى سداد فتواه؟

هل حُشِيَ إيماناً كما حُشِيَ ذلك القلب المأذون له بالفتوى من جناب النبوة أم نُكِتَ بالسواد أعاذنا الله؟

وهل تعرَّضتُ أنا لأنوار الهداية المحمدية كما تعرَّض هو فأُخْلِصَ قلبي وصفا كما أُخْلِصَ قلبُه هو وصفا أم إنني لم أجدْ لي إلى ذلك مِنْ وَلِيٍّ مُرشد؟

هذا إن استحضرتُ شأني الخاصَّ بي الذي ألقى عليه ربي يوم القيامة فرداً، فكيف إن طَلَبَت الأمةُ فتوىً لشأنِها العظيم وأمرِها الجسيم؟

أيُّ القلوب مأذونٌ له بالفتوى أو مأمور بها؟

أهو القلب الْمُعْرِضُ عن ذكر ربه الساجد للمصلحة الفانية، المتوكل على التدبير البشري القاصِرِ، الخاشعُ للهوى الْمُرْدِي، الْمُسَلِّمُ لحكم الهوى والطاغوت؟ أم هو القلب الْمُتَعَرَّضُ لنفحات الله، المشعُّ بنور الله، الذَّاكرُ لله اللاهِجُ بحمد الله، المذكِّرُ بالله، المذكورُ في حضرة الله، القائمُ لله، الراكعُ لله، الساجدُ المتقَلِّبُ في الساجدين لله، المتعلقُ بإرادة الله، المتوكلُ على حول الله وقوة الله، الدالُّ بأمرِ ربِّه على الله، الخاشعُ من خشيةِ الله، الخاضعُ لجلال الله، الذي لا يخاف في الله لومةَ لائمٍ، الراضي بقضاءِ نبِيِّ الله، المُسَلِّمُ لحكم الله في مُحْكَمِ آيات الله؟

إنه إذا أفتى في الأمر قَلْبٌ خالٍ من ذكر الله ومن خشية الله ومن التطلع إلى ما عند الله في الدار الآخرة أوشَكَتْ الآيات المحكمات التي نُزِّلَتْ لتمكين قلب ابنِ آدمَ في أرض العبودية لله أن تكون هي ذاتُها الآياتِ التي يُوسِعُ بها الموسِعون دنياهم فيُضيِّقُون بسَعَتِها الآخرة. “وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون”.

“لو كانوا يعلمون”يقول ربنا عزَّ وجل في سورة النور، نوَّرَ اللهُ قلوبَنا بذكره وآنَسَ أرواحَنَا بقربه:

“وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً، يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً. وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”. الآية 55.

يستنبط البعض من هذه الآية الْبَيِّنَةِ أن شرط تَحقيقه تعالى لما وعد به المؤمنين من استخلافٍ في الأرض وتمكينٍ للدين وسيادةٍ للأمن بَدَلَ الخوف هو: “يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً”. كأنَّ ثَمَرَةَ العبادةِ الخالصةِ لله سبحانه وغايةَ معرفتِه ومحبتِه وجائِزَةَ التبتُّلِ إليه والقيامِ والسجودِ بين يديه تعالى هو الاستخلاف والتمكين في الأرض!

فهل هو جزاءٌ أَوْفى يستحق أن يجزي به الحليمُ الكريمُ مالكُ الْمُلْكِ المؤمنين والدنيا كلُّها لو كانت تساوي عنده تعالى جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء؟

“هل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسان” (الرحمن آية 55)، فهل يُتَصَوَّرُ أن يكون جزاءُ المؤمنين الساعين إلى ذُرى الإحسان أقَلَّ من جناح بعوضة؟ هل يُتَصَوَّر هذا؟

“للذين أحسنوا الحسنى وزيادة” (يونس آية 26)، فهل يكون جزاءَهم غَمٌّ وظلمة وَكَدَرٌ في دنيا فانية؟

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما شبهت خروج ابن آدم من الدنيا إلا كمثل خروج الصبي من بطن أمه من ذلك الغم والظلمة إلى روح الدنيا”(1).

فكيف تكون الدنيا جزاءً للعابدين وما هي إلاَّ غَمٌّ وظُلْمة؟ وما طلبوا هُمْ غيرَ الآخرة داراً، وما رَنَوْا إلى غير وجه الله جاراً.

أمَّا آية سورة النور فالله تعالى أعلم بمراده فيها. لَكَأَنَّ فيها تذكيراً بسُنَّةٍ من سُنَنِ الله في خلقه: إنه إذا قامت في الناس أُمَّةٌ من المؤمنين حق الإيمان العاملين للصالحات فإنه تعالى يستخلفهم ويُمَكِّنُ لهم بعد استضعاف ويُؤْمِنُهُم من خوف. وحينها لا حُجَّةَ لهم بَعْدُ إن لم يعبدوه حق عبادته ولم يعرفوه يقينَ معرفته. ولا مَزِيدَ بل الحِرْمَانُ الْمُرُّ إن لم يشكروه على نعمائه. ولا عُذْرَ لهم إن أشركوا به شيئا من حظوظهم. ولا شفيع لهم إن نَسَبوا النصر والتمكين إلى أنفسهم وجُهدهم وحيلتهم وحولِهم وقوتهم وحِنْكَتِهم وتخطيطهم وتدبيرهم. فمن فعل فقد كفر بنعمة الله الملك الوهاب. ومن كفر بنعمة الله “فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”.

——————————————–

– “بشرى الكئيب بلقاء الحبيب”