شهادة للهوأنت تتابع قيادة العدل والإحسان وهي تعرض الورقة السياسية للمناقشة على أعضاء المجلس القطري للدائرة السياسية للجماعة والمصادقة عليها، وتتأمل في نبرات وعلامات وقسمات وجوه رجال ونساء هذه القيادة، وترقب منهجية الإعداد وطريقة العرض، لا تملك إلا أن تسلم بأنك أمام قيادة ربانية حكيمة، وعالمة مجاهدة، كلها إخلاص وصدق وأمانة ورحمة على الأمة ورفق بها وغيرة على حرماتها؛ فتخلص إلى يقين وواجب؛ فليطمئن الشعب المغربي وأبناء وبنات العدل والإحسان إذ أنعم المولى جل وعلا على الجميع بهذه الثلة من المؤمنين، ولا نزكي على الله أحدا، وسيأتي يوم قريب، إن شاء الله الوهاب الكريم سبحانه، ليدرك الجميع أن من الحق والصواب الاستماع لهذه العصبة المجاهدة. فماذا قالت وماذا أرادت تبليغه للجميع من خلال الورقة السياسية التي كان عنوانها: جميعا من أجل الخلاص؟

ستحاول أن تقف هذه السطور في قراءة أولية على أهم مضامين الورقة ومحاورها وأهدافها ومقاصدها، مع التأكيد بداية على أنها تدل على ما تتوفر عليه قيادة العدل والإحسان من وعي سياسي استراتيجي عميق أساسه الشعور بالمسؤولية الدعوية والإنسانية.

فعلى هذه القاعدة ينبغي أن تقرأ الورقة وتحلل، أما من أراد أن ينظر إلى الأمور من زاوية المصالح الضيقة، والأنانيات الغالبة، والمواقع الغابرة فبينه وبينها التاريخ وسننه والمستقبل وحقائقه، وستبقى كلمة العدل والإحسان شهادة على الجميع، وجماعة العدل والإحسان شاهدة واجبا دعويا وبناء سياسيا ممتدا إلى ما شاء الله. ولذلك ثمنه المعلوم ومنهاجه المرسوم، فإلى الورقة…

أولا: منطلقات لقراءة الورقةلقراءة الورقة قراءة سالمة ينبغي الانطلاق من تصحيح مغالطة، يروج لهما الكثير إما بسوء فهم أو بسوء نية، ومن بيان حقيقة.

فأما المغالطة؛ فهي أن كثيرا من الباحثين والسياسيين والمفكرين يعتبرون أن ما تطرحه جماعة العدل والإحسان بديلا مباشرا عن طبيعة النظام السياسي القائم في المغرب هو نظام الخلافة.

إن جعل مفهوم الخلافة هو المقابل التصوري للنظام السياسي القائم في المغرب شكل خطأ مخلا تماما بالقراءة الصحيحة للعمل السياسي والمجتمعي الذي تنسجه حركية مشروع العدل والإحسان في الواقع العام. فمفهوم الخلافة يشكل أفقا فكريا وسياسيا بعيدا تتجلى آثاره من خلال بناء المواقف السياسية والمجتمعية المرحلية؛ إذ تشكل ثمار الموقف في مرحلة أولى أرضية صلبة لبناء المواقف في مراحل تالية، وهكذا.

وبهذا فلا مجال لجعل البديل عن نظام سياسي قطري قزمي، بكل المقاييس، نظاما من حجم نظام الخلافة الذي يجمع الدلالة التصورية لما تقترحه الجماعة من أسس عادلة لأجل بناء نظام دولي عادل – وسنرجع إلى بعض من هذا خلال الحديث عن البعد الدولي في الورقة السياسية موضوع القراءة- ولذلك فإن الدائرة السياسية التي تشكل الأداة الهيكلية لمباشرة قضايا الشأن العام كشفت من خلال هذه الورقة عن الثوابت المرجعية ودعت إلى أن المدخل لعرض البديل عن واقع سياسي مختنق ومتأزم هو العمل الجماعي لأجل “إقرار مجتمع العدل والحريات العامة والأخلاق الفاضلة وحقوق الإنسان والديمقراطية الفعلية، والتنمية الاقتصادية الحقيقية والكرامة الوطنية، والانتفاع الإيجابي والشراكة المنصفة والشريفة وذات المصالح المتبادلة وتأمين الحاجات الأساسية في الأمن والغذاء والاستقرار والصحة والمعرفة”، وذلك من خلال “عهد التواصل الوطني والاستعداد الصادق والجدي للعمل إلى جانب كل المكونات المخلصة في هذا البلد من أجل تحقيق هذا المجتمع الذي نتطلع إليه جميعا”.

وهو ما زاد جماعة العدل والإحسان يقينا بأن المدخل لذلك هو العمل الجماعي والمسؤول والصادق لبناء ميثاق جامع، لأن “الأمر يحتاج إلى كل يد نظيفة”، إذ “البلد يزخر بالأيادي النظيفة والنفوس العفيفة رغم مظاهر الخراب”. إنها ضرورة فتح نقاش فكري سياسي جاد يؤسس لمضمون تفصيلي لميثاق جامع يخرج الشعب المغربي من قبضة نظام استبدادي إلى واقع الحرية الضامنة للاختيار الحر والباني.

أما الحقيقة؛ فهي أن الموقف السياسي لجماعة العدل والإحسان لم يبن ولم يتولد عن حجم المعطيات المأساوية التي تؤشر على طبيعة الوضع السياسي والاجتماعي في المغرب، بل بني على قدرة تحليلية استشرافية تعكس عمقا استراتيجيا هائلا. فما كانت المعطيات الإحصائية بالأرقام التي أخذت حيزا كبيرا من الورقة السياسية إلا لتأكيد جدوى الموقف السياسي وبيان حجم الخراب الذي عليه أمر الشأن العام في بلدنا الحبيب لقيام الحجة وتحمل المسؤولية وإدراك قيمة الموقف السياسي الذي بنيت عليه الورقة وخلصت إلى اقتراح عملي جامع يكون فيه الشعب المغربي وقواه الحية أداته الأساسية في الصياغة والتنزيل. وهو ما جعل الورقة تذكر بحجم المعطيات المأساوية، لكن قبل ذلك مباشرة ذكرت بالموقف السياسي الذي تم عرضه في مناسبات عدة؛ “لإن الصراحة والوضوح مع الجميع مما منَّ به الله عز وجل على جماعة العدل والإحسان طوال مسيرتها، فله الحمد والشكر. ففي كل عشرية من العشريات الثلاث الماضية، كانت كلمة الحق تعلو لتقول بجلاء وصدق أين الخلل وتقترح بقوة ومسؤولية الحل: الإسلام أو الطوفان، رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام، مذكرة إلى من يهمه الأمر”.

ثانيا: محاور الورقة.أ- استراتيجية الورقة السياسية

استراتيجية الورقة هي منطقها الداخلي، أو هي الحبل الناظم لفقراتها.

فقد كانت إستراتيجيتها تشتغل من خلال مضامين فقراتها التالية: 7 شتنبر اليوم الوطني…! تذكـيـر، أرقـام وآلام، كـارثة وطنـيـة، معـالم الغـد، أخـطبوط مخـزني، حصـــاد، حِـمَى الـمِلَّةِ والدِّيـن، أمـا بعد، على نقل المخاطب، وهو جميع من له علاقة بقضايا الشأن العام المغربي في الداخل أو الخارج، من مرحلة استيعاب موقف الشعب المغربي من خلال المقاطعة الواعية لانتخابات 7 شتنبر، إلى التذكير لأجل استيعاب الموقف السياسي الذي بنت عليه جماعة العدل والإحسان حركيتها السياسية والمجتمعية في المغرب، إلى عرض حجم مأساة الشعب المغربي من خلال أرقام ناطقة، إلى بيان الكارثة الوطنية المعيشة، إلى الانتباه إلى الغد الذي ينتظرنا جميعا أمام تحكم مطلق في تفاصيل الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمالي عبر اخطبوط المخزن الممتد في كل تفاصيل حياة الشعب المغربي ومجالاته الحيوية والمصيرية، وقد كان حصاد ذلك على المستوى السياسي والاجتماعي خراب في كل المجالات؛ اجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا، ليظهر بذلك، وبكل وضوح، أن من كان عليه أن يحمي حمى الملة والدين هو مصدر كل مآسي الشعب المغربي والراعي لذلك.

وأمام هذا الواقع كان السؤال عن ماذا بعد، ليكون الجواب أن اليقين “في الله تعالى كما هو يقين جميع المومنين صادق لا يتزعزع في حتمية ارتفاع الجور والظلم عن هذه الأمة بنصر الله العزيز، وبالعمل الدؤوب لكل فئات الشعب وفاعليه في هذا الاتجاه”.

إن هذا الوضوح الاستراتيجي في بناء الورقة السياسية المتجلي في كشف المواقف وبيان حقيقة الواقع ومصادره الأساسية واستشراف الأمل الحقيقي في مستقبل الحرية الحقيقية والكرامة الآدمية والتنمية الشاملة من خلال العمل الدؤوب لجميع أبناء الوطن الصادقين جعل من هذه الورقة حلقة تاريخية ضمن حلقات العملية التاريخية التي تدعو جماعة العدل والإحسان إلى القيام بها وتشارك بكل إمكاناتها في سبيل إنجازها.

والمتأمل في هذه الورقة، بموضوعية، يكتشف أنها اتجهت بشكل منتظم لأجل توضيح وبيان مفاصل تلك الاستراتيجية من خلال المحاور التالية:

ب- محاور الورقة السياسية.

1- صناعة الأمل

على الرغم من حجم قتامة الواقع المغربي في كل أبعاده ومجالاته، فقد حرصت الورقة أن تصنع كل معاني الأمل في المستقبل مرتكزة على اليقين الذي صار رأي العين من أن خلاص الشعب المغربي من واقع الظلم والجور والقهر والاستبداد أمر حتمي من خلال العمل الدؤوب لكل الصادقين نظيفي الطوية من هذه الأمة، فالأمل في توبة جماعية جامعة أمر مستمر كما جاء في الورقة.

2- رفع مستوى النقاش السياسي والكشف عن الأفق العملي الذي ينبغي أن يوجهه

إن من الجديد الذي جاءت به الورقة السياسية هو تمكنها من فتح الورشة الكبرى للنقاش السياسي في المغرب والذي ينبغي أن يتميز بمستوى عال من الدقة والوضوح والمسؤولية والصدق، وذلك عبر تجاوز مرحلة الغموض التي مازالت تهيمن بشكل كبير على طريقة مخاطبة الواقع السياسي، ليتجه النقاش إلى بيان مسؤولية النظام السياسي الشاملة عن هذا الوضع. ولذلك ملكت الورقة جرأة سياسية ودعوية هائلة في الكشف عن هذه المسؤولية لما عرضت واقع أهم المجالات الحيوية والمصيرية في حياة الشعوب، وهي قضية التربية والتعليم، والوضع الاجتماعي للمواطنين، والاحتكار المطلق للاقتصاد ومصادر المال الحيوية للشعب المغربي من طرف العائلة الحاكمة والشركات التابعة لها، والتهرب من أداء الضرائب، وتبذير المال العام وهدره، والواقع الأخلاقي الذي هدم كيان الأمة والمخطط له بعناية ومسؤولية وقد انخرط في ذلك الإعلام الرسمي.

فقد استطاعت الورقة أن تربط بوضوح وتفصيل بين كل هذه المجالات وبين طبيعة النظام السياسي بالانتباه إلى أن مقاطعة الشعب المغربي لمهزلة 7 شتنبر محاسبة واضحة وموقف مسؤول ينبغي أن يقرأ جيدا ويبنى عليه.

إن هذه الورشة ستفتح أفقا عمليا واضحا مقتضاه أن خيار الحرية الحقيقية ينطلق من ضرورة القطع مع الطبيعة الاستبدادية المنحرفة للنظام السياسي المتحكم في كل تفاصيل حياة الشعب المغربي، وذلك من خلال بلورة مدخل جماعي تؤطره الروح الميثاقية من جهة النقاش والاقتراح وبناء تفاصيله.

ولاشك أن هذه المنهجية العملية التي تنهجها جماعة العدل والإحسان في تصريف مواقفها، على الرغم من قوة الاستبداد وتحكمه، ساهمت بشكل كبير في تصحيح مسارات الخطاب والفعل السياسيين في المغرب، فضلا عن تجنيبه ردات فعل عنيفة تجاه واقع سياسي واجتماعي حانق نتج عن أقل منه سوءا موجات من العنف الهستيري في كثير من البلاد العربية والإسلامية، أعجزت جسم المجتمع وشلته شللا شبه نهائي.

ولذلك، فإن أثر الورقة السياسية في المجال السياسي المغربي سيُفعل في الاتجاه الإيجابي الحياة السياسية المغربية مهما كانت ردة فعل النظام السياسي وحلفائه على إعلان الورقة وتنزيل مقتضياتها على أرض الواقع، لأن تفعيل الحياة السياسية لن يتأت بالاستمرار البليد في تزويرها والبهتان عليها بقدر ما يكون عبر القدرة العلمية والأخلاقية على تشخيصها وإيجاد الحلول الجماعية لأزماتها، خاصة إذا كانت الأزمة ترتبط بطبيعة النظام السياسي مضمونا ومنهجا.

3- الطمأنة والعمل

حينما لا يستشعر المرء حجم المسؤولية قد يعتقد أن الورقة السياسية إنما هي موقف متشنج من طبيعة نظام سياسي أصبح معلوما لدى القريب والبعيد مسؤوليته المباشرة عن ما يعانيه المغاربة اليوم، ولكن المتأمل في تفاصيل الورقة والمتمعن فيها يدرك أن قيادة العدل والإحسان لم تتخذ موقفا سياسيا قويا وواضحا من نظام سياسي بناء على اعتبار يتعلق بعلاقة الجماعة مع النظام-وهي علاقة قمع وحصار ومحاكمات واعتقالات ومتابعات من جهته، وعلاقة دعوة إلى توبة عمرية من جهة العدل والإحسان بالرفق والحكمة، وهذه مفارقة نادرة في العمل السياسي السائد-، دون الانتباه إلى المصلحة الوطنية العليا، مما يوحي على أن الجماعة بموقفها هذا إنما تعمل على فتنة عارمة قد تمتد آثارها لتتجاوز الواقع المحلي إلى الواقع الإقليمي والدولي.

ولذلك كانت الورقة السياسية واضحة في هذا الباب، لتذكر بأن خيار جماعة العدل والإحسان التربوي والدعوي لن يسمح لها بذلك أبدا؛ إذ لن تكون على الإطلاق مصدر عنف أو فتنة على أية صورة من صور العنف والفتنة. وهذا مظهر من أهم مظاهر قوتها العملية الحركية والتصورية والاقتراحية.

فعلى الرغم من أن المسؤولية الوطنية والدعوية والإنسانية دعت إلى اعتبار المرحلة التاريخية التي يعيشها الشعب المغربي تقتضي هذا الوضوح في الموقف السياسي، فإن الورقة السياسية أبانت على أن مطلب الاستقرار مطلب حيوي ومصيري داخليا وخارجيا. ولذلك لم تدع الورقة إلى أي أسلوب من أساليب العنف في تصريف ما تدعو إليه من مواقف، لأن “مغربا حرا وديمقراطيا وناميا وآمنا وحقوقيا ومتصالحا مع ذاته وكل مكوناته، هو -معشر الشرفاء- في مصلحة الجميع، في الداخل والخارج ضد التوترات الإقليمية وضد التطرف والهجرة السرية ومن أجل استقرار وتعاون منطقة الجوار الأوربية والمغاربية والإفريقية”.

إن خطاب الطمأنة هذا لا يعبر فقط عن موقف سياسي مصلحي مرحلي، بل هو نابع، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، من تصور العدل والإحسان للنظام الدولي الذي تقترحه ويؤطر أعمالها الميدانية اليومية، ويشكل روح مشروعها الإنساني؛ وهو نظام قائم على كليات العدل ومرتكز على قيم الأمن والاطمئنان والاستقرار.

ولذلك، ولأجل تحقيق هذا الواقع، كانت الورقة في فقرتها الأخيرة داعية إلى العمل الدؤوب من طرف جميع الصادقين والغيورين على مصالح الشعب المغربي وكل القيم الإنسانية النبيلة وفق روح جماعية لا تطلب إلا الحق ولاتقبل أي شكل من أشكال الظلم والتسلط والجور والإقصاء والتهميش.

إننا أمام دعوة وعمل جديدين لفتح آفاق الأمل لأبناء وبنات الشعب المغربي في اتجاه واقع الحرية والكرامة الحقيقيتين والمشاركة الإنسانية النبيلة التي عرف بها المغاربة على مر الأزمنة والعصور، وهو ما سيفتح آفاقا واسعة للعمل وتفعيل الحياة السياسية والمجتمعية في المغرب على الرغم من واقع الظلم الشامل والاستهتار بقيم المغاربة السافر. ولن يكون ذلك على طبق من ذهب، إنما يطلب رجالا أقوياء أمناء أكفاء. عليهم تبحث الورقة، وهم الذين ستكشف عنهم حركية الميثاق الجامع، وهم الذين يصنعون تفاصيلها ويبنون ركائزها ويقوضون بذلك أركان الظلم والفحش والغش والجور.

إننا أمام مرحلة هامة من مراحل الزحف نحو تكريس شروط الاختيار الحر لأبناء الشعب المغربي وبناته. وهو ما يطلب مسؤولية تاريخية من كل الغيورين على الوطن والمهمومين بهموم أمة غلبت على أمرها.