الحمد لله حق حمده، وما كل نعمة إلا من عنده، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد خاتم الأنبياء، وعلى آله وصحبه الأتقياء الأوفياء النجباء، وعلى إخوانه وحزبه، وبعد…

عن أبي ذرالغفاري رضي الله عنه أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؛ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. (رواه مسلم)

إن مما يستفاد من هذا الحديث النبوي الشريف أن أحكام الشريعة الإسلامية لم توضع فقط لشريحة من شرائح المجتمع دون الشرائح الأخرى وبالتالي تفوز شريحة بالأجرالوفير وتحرم الأخرى التي لاقدرة لها على تلك التكاليف الشرعية، مع العلم أن من القواعد الأصولية التي قررها الشرع الإسلامي الحنيف أنه لاتكليف إلا بمقدور،فبماذا سيعوض ذلك الفقير الذي لم يستطع الحج ثواب وأجر الحج؟

إن فرض الحج مقترن بالاستطاعة، ومن لا استطاعة له فقد سقط عنه هذا الركن، قال تعالى في محكم كتابه: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (آل عمران:97). لكن الإسلام عوض غير المستطيع في أيام الحج بأعمال لو حافظ عليها لنال الأجر الجزيل والجزاء الوفير، وما أمرنا الله بشيء إلا وجعل له جانبا عمليا لنمارسه.

وبما أن الأعمال بخواتيمها، فإن الإسلام حثنا ألا نختم يومنا إلا بالتوبة والاستغفار بعد المحاسبة والنوم على أحسن العزائم، ولا نختم أسبوعنا إلا بأفضل الأعمال،وادخر لهذه الأمة أفضل يوم في الأسبوع لتختمه به وفرض فيه شعائر وعبادات،عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة،فيه خُلق أدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة ” رواه مسلم (854) وغيره..

وحكى ابن القيم خلاف العلماء في المفاضلة بين يوم الجمعة ويوم عرفة حيث قال: فإن قيل: فأيهما أفضل: يوم الجمعة أو يوم عرفة؟ فقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ووآله سلم: (لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة) (رواه ابن حبان في صحيحه (551) وحسنه الأرناؤوط)، وفيه أيضاً حديث أوس بن أوس رضي الله عنه” (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ) (هذا لفظ مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظ ابن حبان ( إن من أفضل). قيل: ذهب بعض العلماء إلى تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة، محتجاً بهذا الحديث،والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة& .” (زاد المعاد (1/ 59،60 بتصرف). وفي المسند من حديث أبي لبابة بن عبد المنذررضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (سيد الأيام يوم الجمعة، وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خصال: خلق فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلي الأرض، وفيه توفى الله عز وجل آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا أرض ورياح ولا بًحْر ولا جبال ولا شجر، إلا وهن يشفق من يوم الجمعة) (رواه أحمد في المسند (3 / 430)، وابن ماجة (1084)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (3317) ثم حسنه في صحيح سنن ابن ماجة (ح 888 )، وحسنه الأرناؤوط.).

لذا ادخَّر الله هذا اليوم لهذه الأمة وخصها به، وأضل عنه اليهود والنصارى، فعن أبي هريرة وحذيفة بن اليمان رضى الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( أضل الله عن يوم الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة& )(رواه مسلم ( 856 )… وختم الله سبحانه وتعالى السنة بشهر من الأشهر الحرم الذي هو ذو الحجة والذي فرض فيه ركن الحج، ورغب في عبادات تمارس فيه دون سائر الشهور، بل أكرمنا سبحانه فيه بعشر ذي الحجة.

فضل العشر من ذي الحجةأخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم عن فضلها قائلاً فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما: (ما من أيام العملُ الصالحُ فيها أحب إلى الله من هذه الأيام)، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء).أخرجه البخاري. لاحظوا كيف يتعجب الصحابة حتى قالوا: ولا الجهاد؟!!

قال عليه الصلاة والسلام: (أفضل أيام الدنيا أيام العشر – يعني عشر ذي الحجة – قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب). (رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني).

وبنا ء على هذا الحديث يعدالعمل الصالح في عشرة ذي الحجة أحبُّ إلى الله عز وجل من العمل في سائر أيام السنة من غير استثناء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من الأنبياء والرسل والعلماء والصالحين والأيام والشهور والأمكنة، إذ لا يساويها عملٌ ولا الجهاد في سبيل الله في غيرها، إلا رجلاً خرج مجاهداً بنفسه وماله ولم يعد بشيء من ذلك البتة.

ومما يدل على فضلها تخصيص الله لها بالذكر، حيث قال عز وجل: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) (سورة الحج آية28)، والأيام المعلومات هي أيام العشر الأوَل من ذي الحجة، وأيام هذه العشر أفضل من لياليها عكس ليالي العشر الأواخر من رمضان فإنها أفضل من أيامها، ولهذا ينبغي أن يجتهد في نهار تلك الأيام أكثر من الاجتهاد في لياليها وفي كل خير.

قال ابن حجررحمه الله في الفتح: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره).

فعلى المسلم أن يعمر هذه الأيام وتلك الليالي بالأعمال الصالحة والأذكار النافعة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون،وليجتهد المقصِّرون، وليجدّ الجادّون، وليشمِّر المشمِّرون، حيث تُضاعف فيها الحسنات، وتُرفع الدرجات، وتتنزل الرحمات، ويُتعرض فيها إلى النفحات، وتُجاب فيها الدعوات، وتُغتفر فيها الزلات، وتكفر فيها السيئات، ويُحصل فيها من فات وما فات.

فيا من لم تتوفر له الاستطاعة للحج،ويا من له الاستطاعة ولم تفرزه القرعة، ويا أيها المذنب ـ وكلنا مذنبون ـ ويا أيها المقصر ـ وكلنا مقصرون ـ… فلنبدأ صفحة جديدة مع الله جل وعلا.. في خير أيّام الله، ولنعلم أنّها أعظم فرصة في حياتنا،وأنها أعظم فرصة لتجديد الشحن الإيماني في قولبنا.

فبجانب المحافظة والمواظبة على الصلوات المفروضة، لأنها عماد الدين وأول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة، على المرء أن يجتهد ويكثر من التقرب إلى الله بجميع فضائل الأعمال فإنها مضاعفة ومباركة في هذه الأيام، سيما:

1. الصيام، فقد روى أصحاب السنن والمسانيد عن حفصة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يدع صيام عاشوراء والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر). ولايقصد بالعشر صيام يوم العيد الذي هو اليوم العاشر لحرمة ذلك، وإنما خرج مخرج الغالب. وكان أكثر السلف يصومـون هذه الأيام، منهم: عبد الله بن عمر والحسن البصري وابن سيرين وقتادة، رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين، ولهذا استحب صومها كثير من العلماء، ولا سيما يوم عرفة الذي يكفِّـر صيامه السنة الماضية والقادمة. قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم عرفة: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده). رواه مسلم.

2. التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عمررضي الله عنهما يرفعه:(ما من أيام أعظم ولا أحب إلى الله العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد). رواه أحمد. أي الإكثار من قول الكلمة الطيبة التي هي لاإله إلا الله، فعن جابر رضي اللَّه عَنْهُ قالَ: سمِعْتُ رسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّم يقولُ: (أَفْضَلُ الذِّكرِ: لا إله إلاَّ اللَّه) رواهُ الترمِذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ،ومن قول الله أكبر، والحمد لله وسبحان الله.

3. الإكثار من تلاوة القرآن. وذلك بالحرص على ختمه ثلاث مرات في هذه العشر بنسبة عشرين حزبا في اليوم، وإن لم تستطع فلا أقل من أن تختمه مرة في هذه الأيام بنسبة ستة أحزاب في اليوم، وتلاوة كتاب الله من أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، قال تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور) (فاطر:29)، وبشَّر صلى الله عليه وآله وسلم قارئ القرآن بأنه مع السفرة الكرام البررة فقال:(الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه). رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح. يشير هذا الحديث إلى كراهة الاستعجال بالقراءة إلى حد يخرجها عن التلاوة السليمة ومن ثم محاولة ختم القرآن بسرعة. وليس في الحديث ما يشير إلى تحريم التلاوة في أقل من ثلاثة أيام بل إلى الإشارة إلى من يتلوه في أقل من ثلاث على الدوام ولا يهتم بالفهم بل جل اهتمامه بكثرة الختم فحسب.

وقد سأل رجل الإمام مالك رضي الله عنه يختم القرآن كل ليلة فقال: ما أحسن هذا، القرآن إمام كل خير. وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه كان يختمه في ليلة،ولعل ذلك أحيانا لأن ورده كان ختمة كل أسبوع، كما روي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه (سيد التابعين كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء في رمضان. كان آخر من قتله الحجاج عام 95 هـ حيث دعا قبل قتله: اللهم لا تسلط الحجاج على أحد بعدي فعاش بعده 15 ليلة) أنه قال: قرأت القرآن في ركعة في البيت يعني الكعبة. وقد أدركنا بعض السلف الصالح رضوان الله عليهم ممن يختم القرآن في يوم واحد، وربما بدأ بختمة أخرى بحيث يختم مرة في الليل ومرة في النهار وهذا ليس على الدوام بالطبع، ولكن في بعض أيام رمضان عند الاعتكاف أو بين آونة وأخرى، وعامة ختمهم بين الثلاثة أيام والسبعة.

وذكر الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد قال: دخلت على كرز فإذا عنده مصلاة قد ملأها تبنا وبسط عليها كساء من طول القيام وكان يقرأ القرآن في اليوم والليل ثلاث مرات وكان كرز إذا خرج أمر بالمعروف فيضربونه حتى يغشى عليه. وقال بعض العارفين بالله: لي في كل جمعة ختمة، وفي كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد، وذلك بحسب تدبره أثناء التلاوة.

4. المحافظة على السنن الرواتب. من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، أن جعل لكل نوع من أنواع الفريضة تطوعاً يشبهه، فالصلاة لها تطوع يشبهها من الصلوات، والزكاة لها تطوع يشبهها من الصدقات، والصيام له تطوع يشبهه من الصيام، وكذلك الحج‏.‏ وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، ليزدادوا ثواباً وقرباً إلى الله تعالى، وليرقعوا الخلل الحاصل في الفرائض، فإن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة‏.‏قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة. قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته -وهو أعلم-: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كُتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال:انظروا هل لعبدي من تطوع ؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته منتطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم). (رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)..

والراتبة لغة: من رتب الشيء رتوبًا:استقر ودام، فهو راتب.والسنة الراتبة:المرافقة للفرائض كسنة الظهر القبلية وسنة الصبح ونحو ذلك.وأيضا التي رُتبت على وقت معين كصلاة العيد والأضحى.وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على شرعية الرواتب بعد الصلوات، وفيها فوائد كثيرة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من حافظ على ثنتي عشرة ركعة تطوعا في يومه وليلته بني له بهن بيت في الجنة،قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة). رواه مسلم. والرواتب اثنتا عشرة ركعة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها عشر، ولكن ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنها اثنتا عشرة ركعة، وعلى أن الراتبة قبل الظهر أربع، قالت عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع أربعا قبل الظهر) رواه البخاري.أماعبد الله بن عمر رضي الله عنهما فثبت عنه أنها عشر وأن الراتبة قبل الظهر ركعتان، ولكن عائشة وأم حبيبة رضي الله عنهما حفظتا أربعا، والقاعدة أن من حفظ حجة على من لم يحفظ. وبذلك استقرت الرواتب اثنتي عشرة ركعة: أربعا قبل الظهر، وثنتين بعدها، وثنتين بعد المغرب، وثنتين بعد العشاء، وثنتين قبل صلاة الصبح. الجميع اثنتا عشرة ركعة، وهذه الركعات تسمى: الرواتب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليها في الحضر، أما في السفر فكان يتركها إلا سنة الفجر والوتر، فإنه كان عليه الصلاة والسلام يحافظ عليهما حضرا وسفرا، ولنا فيه أسوة حسنة؛ لقول الله سبحانه وتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب: 21، وقوله عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري وللسنن الرواتب فضائل كثيرة منها:

أ ـ أنها مما تُنال به محبة الله، كما في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه). رواه البخاري. ب ـ أنها مما يُسد بها خلل ونقص الصلاة المفروضة.ج ـ المحافظة على هذه الركعات من أسباب دخول الجنة.

5. الاجتهاد في لياليها بالصلاة والذكر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل). أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب فضل صوم المحرم رقم (1163).

قال النووي: (فيه دليل لما اتفق العلماء عليه أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار) (صحيح مسلم بشرح النووي 8/55) وكان سعيد بن جبير رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما إذا دخلت العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه، وكان يقول: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر.

6. الصدقة. قال صلى الله عليه وآله وسلم): ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري ومسلم. والمتأمل للنصوص التي جاءت آمرة بالصدقة مرغبة فيها يدرك ما للصدقة من الفضل الذي قد لا يصل إلى مثله غيرها من الأعمال، حتى قال عمر رضي الله عنه: ( ذكر لي أن الأعمال تباهي، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم ) (صحيح الترغيب).

7 صلة الأرحام: قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: (الرحم: رحـم المرأة.. ومنه استعير الرحم للقـرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة).

والمراد بالرحم: الأقرباء في طرفي الرجل والمرأة من ناحية الأب والأم. ومعنى صلة الرحم: الإحسان إلى الأقارب في القول والفعل، ويدخل في ذلك زيارتهم، وتفقد أحوالهم، والسؤال عنهم، ومساعدة المحتاج منهم، والسعي في مصالحهم. وصلة الرحم من الإيمان: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخـر فليـكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) رواه البخاري. أمور ثلاثة تحقق التعاون والمحبـة بين الناس وهي: إكرام الضيف وصـلة الرحـم والكلمة الطيبة. وقد ربط الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأمور بالإيمان، فالذي يؤمن بالله واليوم الآخر لا يقطع رحمه، وصلة الرحم علامة على الإيمان.

8. نشر العلم الشرعي. قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مـِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ)

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود.وليس كل العلوم الشرعية لها حكم واحد، بل في المسألة تفصيل:

أ ـ فرض عين: وهو تعلم ما يتأدى به الواجب العيني مثل ( أركان الصلاة وواجباتها وأحكام الصيا)…

ب ـ فرض كفاية: وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في أمور دينهم ودنياهم.

ج ـ مستحـــــب: وهو التبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية .

والواجب لتصحيح العبادة: معرفة ما تتم به طهارة العبد وصلاته وصيامه. ويجب عليه أن يتعلم الحلال والحرام في أحكام المهنة التي يمتهنها كأحكام البيع لمن يعمل به ونحو ذلك. وتصير باقي العلوم في حقه مستحبة، إلا إذا تعين عليه بعض الواجبات، فيجب عليه تعلم ما يؤديها به بحسب قدرته، فإن وجب عليه الحج وجب عليه تعلم أحكامه، وإن وجبت عليه الزكاة وجب عليه تعلم أحكامها، وإن اشتغل بالتجارة وجب عليه تعلم أحكام البيوع، وإن أراد الزواج أو الطلاق وجب عليه تعلم أحكامهما. فالعلم ضرورة شرعية لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

9. الحرص على ذكرالله بعد صلاة الصبح إلى الشروق، قال الإمام النووي رحمه الله في كتاب الأذكار :(اعلم أن أشرف أوقات الذكر في النهار الذكر بعد صلاة الصبح.. )، وأخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله ووسلم أنه قال: (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) رواه الترمذي وقال حديث حسن. .وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس.ونص الفقهاء على استحباب استغلال هذه الساعة بذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس،وفي الحديث: (اللهم بارك لأمتي في بكورها).. لذا يكره النوم بعد صلاة الصبح لأنها ساعة تقسم فيها الأرزاق فلا ينبغي النوم فيها بل إحياؤها بالذكر والدعاء وخاصة أننا في أفضل أيام السنة التي يتضاعف فيها الأجر والثواب.

10. بيان فضل هذه الأيام وتعريف الناس بذلك.قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الدال على الخير كفاعله).‏ رواه العسكري وابن منيع والمنذري عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا في حديث هو (كل معروف صدقة، والدال على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللهفان)، ورواه العسكري أيضا عن بريدة رضي الله عنه مرفوعا بلفظ الترجمة، وكذا رواه البزار عن أنس رضي الله عنه، وكذا الترمذي عنه وقال غريب، ورواه مسلم وأبو داود والترمذي وصححه عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه بلفظ (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، وأخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال احملني، فقال: ما أجد ما أحملك عليه، ولكن ائت فلانا فلعله يحملك، فأتاه فحمله، فقال صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، ورواه ابن عبد البر عن أبي الدرداء رضي الله عنه من قوله بلفظ (الدال على الخير وفاعله شريكان)، وروى ابن النجار في تاريخه عن علي رضي الله عنه( دليل الخير كفاعله)، ورواه الديلمي عن عبد الله بن جراد بلفظ (الآمر بالمعروف كفاعله).

11. تعجيل التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب، حتى يترتب على الأعمال المغفرة والرحمة، فالمعاصي سبب البعد والطرد، والطاعات أسباب القرب والود، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله يغار وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه) متفق عليه.

12. الإكثار من الاستغفار. وروى النسائي وأبو داود وابن ماجة والبيهقى عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب) قال الحاكم: صحيح الإسناد. وأخرج النسائي وابن ماجة عن عبدالله بن بسررضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا) قال الهيثمى: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وقال الإمام النووي: جيد الإسناد.وجاء في هذا المعنى حديث الزبير بن العوام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.

وهذه قصة أحببت أن أنقلها لإظهار بعض ثمار الإكثار من الاستغفار، حدثت هذه القصة في زمن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، كان الإمام أحمد بن حنبل يريد أن يقضي ليلته في المسجد ولكن مُنع من المبيت في المسجد بواسطة حارس المسجد، حاول معه الإمام أحمد ولكن لا جدوى، فقال له الإمام أحمد: سأنام موضع قدمي، وبالفعل نام الإمام أحمد بن حنبل مكان موضع قدميه، فقام حارس المسجد يجرّه لإبعاده من مكان المسجد، وكان الإمام أحمد بن حنبل شيخا وقورا تبدو عليه ملامح الكبر، فرآه خباز، فلما رآه يُجرّ بهذه الهيئة عرض عليه المبيت، وذهب الإمام أحمد بن حنبل مع الخباز، فأكرمه ونعّمه، وذهب الخباز لتحضير عجينه لعمل الخبز، سمع الإمام أحمد بن حنبل الخباز يستغفر ويستغفر، ومضى وقت طويل وهو على هذه الحال فتعجب الإمام أحمد بن حنبل، فلما أصبح سأل الإمام أحمد الخباز عن استغفاره في الليل، فأجابه الخباز: إنه طوال ما يحضر عجينه ويعجن فهو يستغفر، فسأله الإمام أحمد: وهل وجدت لاستغفارك ثمرة ؟ والإمام أحمد سأل الخباز هذا السؤال وهو يعلم ثمرات الاستغفارويعلم فضل الاستغفار وفوائده.فقال الخباز: نعم، والله ما دعوت دعوة إلا أُجيبت، إلا دعوة واحدة ! فقال الإمام أحمد: وما هي ؟ فقال الخباز: رؤية الإمام أحمد بن حنبل !فقال الإمام أحمد: أنا أحمد بن حنبل، والله إني جُررت إليك جراً.

13. رد المظالم إلى أهلها. مما يجب أن نستقبل به هذه الأيام الكريمة، وأن نتوجه به إلى رب العالمين، رد الحقوق إلى أهلها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ومن مات منهم ردت إلى ورثته، أواستعفاؤهم عنها، وإن تعذر كل ذلك فالاجتهاد في الدعاء والاستغفار لأصحابها.واعلم أخي الكريم أن من أخطـر الحقـوق وأصعبها رداً الغيبة والنميمة وشهادة الزور، ولهذا قـال عبد الله بن المبارك رحمه الله: (لو كنتُ مغتاباً أحداً لاغتبتُ والدي)، لأن القصاص يوم القيامة يكون بالحسنات، فإذا فنيت حسنات العبد أخِذ من سيئات مَنْ ظُلِم وحُطَّت على الظالم.

14. حفظ الجوارح سيما السمع والبصر واللسان. فالواجب علينا جميعا أن نوصي أنفسنا، ويوصي بعضنا بعضًا بحفظ هذه الجوارح التي ائتمننا الله تبارك وتعالى عليها، فإن الله عز وجل لما قال:﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً﴾ الأحزاب:72 فإنه يدخل في ذلك حفظ هذا البدن الذي أعطاك الله تبارك وتعالى إياه وامتن به عليك، كما قال الله عز وجل: “وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” النحل: 78 وهذا فيه حض وحث وتنبيه أن نشكر نعمة الله تبارك وتعالى على ما أعطانا من هذه الأعضاء ومن هذه الجوارح، والتي ميزنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بها عن سائر خلقه، وفضلنا بها عن باقي ما خلق من الدواب، فجعل لنا سمعًا وأبصارًا وأفئدة وعقولاً نهتدي بها، ونعرف الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والتوحيد من الشرك، والسنة من البدعة، والطاعة من المعصية، والحسنة من السيئة، ونعمل بمقتضى ذلك بجوارحنا الظاهرة، لأن هذه من نعم الله العظيمة، والواجب فيها أن نشكر الله تبارك وتعالى عليها، وأن نراعي حق الأمانة الذي ائتمنا عليها، فاللسان أمانة، والعين أمانة،والبصرأمانة، والقلب أمانة، وكل ذلك مما يجب علينا جميعًا أن نحفظه، وأن نعتني ونهتم به، ونتوقع السؤال عنه بين يدي الله تبارك وتعالى، كما قال عز وجل: “وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولً% الإسراء:36.

فلا يغرن العبد منا شيطان من شياطين الإنس أو الجن، فيحسب أنه غير مسئول، وأنه يستعمل بدنه وجوارحه فيما يشاء، يا أخي إنك عبد، ولا يخرج واحد منا عن عبودية الله تبارك وتعالى بحال من الأحوال، والعبد مأمور أن يستخدم ما أعطاه سيده فيما أمره به لا فيما نهاه عنه، والله تبارك وتعالى يقول: “وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ” الحجر:99 واليقين هو الموت، كما قال الله تبارك وتعالى: “حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ” المدثر:47 فلا بد أن نعبد الله حتى الموت. فلا ينتهي عقد الأمانة الذي ائتمنك الله تبارك وتعالى عليه إلا بموتك، فحينئذ ينتهي هذا العقد، أما ما دمت حيًا فأنت مسئولٌ عن هذه الأعضاء، والجوارح جميعًا، ألا تستخدمها إلا فيما أمرك به سيدك وخالقك، وربك الذي أعطاكها، ومنّ بها عليك وقد حرمها كثيرًا من الخلق.

15. الدعاء بخيري الدنيا والآخرة لك ولإخوانك المسلمين الأحياء منهم والميتين. ولقد أثنى الله تعالى على أنبيائه به فقال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ) الأنبياء:90، فأثنى سبحانه عليهم بهذه الأوصاف الثلاثة: المسارعة في الخيرات، ودعاؤه رغبة ورهبة، والخشوع له، وبيَّن أنها هي السبب في تمكينهم ونصرتهم وإظهارهم على أعدائهم، ولو كان شيء أبلغ في الثناء عليهم من هذه الأوصاف لذكره سبحانه وتعالى،والدعاء من أفضل العبادات، قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ) غافر:60، وعن النعمان بن بشيررضي الله عنهما قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (الدعاء هو العبادة)، ثم قرأ: (وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ…) – أخرجه أحمد (4/267)، والترمذي (2969)، وقال الترمذي: “حسن صحيح”،وهو في صحيح الجامع (3407). وأنَّ من لزم الدعاء فلن يدركه الشقاء، قال الله تعالى عن زكريَّاعليه السلام:(وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً) مريم: 4، وقال عن خليله إبراهيم عليه السلام:(عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا) مريم: 48. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه،أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به:آمين ولك بمثل)، قال العلامة شمس الحق أبادي في “عون المعبود شرح سنن أبي داود”:إذا دعا الرجل لأخيه -أي المؤمن- بظهر الغيب، أي في غيبة المدعو له وإن كان حاضرا معه بأن دعا له بقلبه حينئذ،أو بلسانه ولم يسمعه، قالت الملائكة: آمين، أي استجب له يارب دعاءه لأخيه. فقوله: ولك: استجاب الله دعاءك في حق أخيك،ولك بمثل: أعطى الله لك بمثل ما سألت لأخيك. قال الطيبي: وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة ليدعو له الملك بمثلها فيكون أعون للاستجابة.

16. ولكي تعان على كل ما ذكر فاقطع صلتك برفقاء السوء، وأبناء الدنيا، واعلم أن نوعية دينك رهين بنوعية رفقائك، ومصيرك الدنيوي والأخروي مرتبط بنوعية أصحابك فالإنسان يتأثر بجلسة ساعة. مع من قضاها؟ وكيف قضاها؟ فما بالك برفقة سنوات أو صحبة عمر! الإنسان اجتماعي بطبعه، لذلك فكل الناس لهم رفقة وصحبة. وإنما الاختلاف في اتجاه هذه الرفقة ومغزى هذه الصحبة وغاية هذه الخلة. الاتجاه إما آخرة أو دنيا. والمغزى إما حب لله وفي الله وبالله أو حب في الهوى وبالهوى وللهوى. والغاية إما الله أو ما دون الله.

الخلة خلتان، خلة ترفع صاحبها، وهي خلة المتقين التي قال فيها الله عز وجل: (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لايشعرون الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين” (الزخرف / 66 وأمر بها سبحانه وتعالى في قوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (التوبة / 115) وقوله: (واتبع سبيل من أناب إلي) (لقمان / 14) وقوله: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) الكهف27.

“واصبر” لأن إرادة وجه الله ليست بالشيء الهين أو السهل. دونك وتلك الإرادة عقبات وابتلاءات. ودونك والسير على الطريق قطاع طرق شهروا سيوف التخويف والتشكيك. دونك وبلوغ مبتغاك ملذات وشهوات ونفس أمارة. ولا انتقال من إرادة الدنيا وزينتها إلى إرادة الله إلا بصحبة من أرادوا وجه الله حقا. والصبر لازم للصحبة.

ودون الخلة التي ترفع صاحبها إما إلى إسلام أو إيمان أو إحسان خلة قد تنزل بصاحبها دركات ودركات والعياذ بالله.

شرط الخلة التي هي رفعة غدا يوم لقاء الله، وليست هوانا وندامة، أن تكون على منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (مع الرسول سبيلا). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. أمر عظيم جلل. قل لي من تصاحب أقل لك من أنت. دينك أيها الإنسان هو دين من تخالل. إرادتك من إرادته، وهمتك من همته. مطلبك من مطلبه، وحالك من حاله. إن كان النور فهو النور، فأبشر وأسعد. وإن كانت الظلمة فهي الظلمة ففر وابتعد، قال ابن عطاء الله السكندري وهو من العارفين بالله:(لا تصاحب من لاينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله).

فيا أخي ويا أختي، إن أعمال الخير لا تحصى كثرة، والسعيـد من وفـق لذلك، وكل ميسر لما خلق له، والمحروم من حرم هذه الأجور العظيمة والمضاعفات الكبيرة في هذه الأيام المعلومة التي نطق بفضلها القرآن الكريم، ونادى بصيامها وإعمارها بالطاعات والقربات رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه، وتسابق فيهاالصالحون من السلف والخلف، فإن فاتك الحج والاعتمار فلا يفوتنك الصوم والقيام وكثرة الذكر والاستغفار.

فعليك أخي الحبيب أن تحث أهل بيتك وأقاربك ومن يليك على ذلك، وأن تنبههم وتذكرهم وتشجعهم على تعمير هذه الأيام وإحياء هذه الليالي العظام بالصيام، والقيام، وقراءة القرآن، وبالذكر، والصدقة، وبحفظ الجوارح، والإمساك عن المعاصي والآثام، فالداعي إلى الخير كفاعله، ورب مبلغ أوعى من سامع، ولا يكتمل إيمان المرء حتى يحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، فالذكرى تنفع المؤمنين وتفيد المسلمين وتذكر الغافلين وتعين الذاكرين، والدين النصيحة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم. فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا رفقة صالحة تعيننا إذا ذكرنا، وتذكرنا إذا نسينا آمين.