صدر مؤخرًا في القاهرة كتاب بعنوان “تربية العنصرية في المناهج الإسرائيلية” للباحثة الدكتورة صفا محمود عبد العال، والتي درست اللغة العبرية وتخصصت في دراسة التعليم في الدولة الصهيونية فكانت رسالتها لنيل درجة الماجستير من جامعة عين شمس المصرية بعنوان “التعليم غير النظامي في إسرائيل.. فلسفته وأهدافه ومؤسساته” ورسالة الدكتوراه كانت بعنوان: “مجالات التعليم العلمي والتكنولوجي في إسرائيل وتحدياتها للوطن العربي”، وقد نشرت هذه الدراسة منذ عدة سنوات تحت عنوان “التعليم العلمي والتكنولوجي في إسرائيل”..

ومن ثم يأتي كتاب الدكتورة صفا محمود عبد العال “تربية العنصرية في المناهج الإسرائيلية” ليكشف مسيرة الدولة الصهيونية وإيديولوجيتها العنصرية الفاشية منذ إنشائها، وتتردد تلك المعاني الإيديولوجية في كتبهم المقررة في مدارسهم بمراحلها المختلفة فمثلاً يقول بن جوريون: “إنه يمكن وضع القانون جانبًا والاعتراف بنا بصفة اليهود”.

ويضيف إسحاق شامير إلى ذلك نصيحته “فلنلتفت إلى معتقداتنا نحن، حيث لا الأخلاق ولا التقاليد اليهودية تنبذ الإرهاب بوصفه وسيلة قتالية في مجرى الصراع. لذا فنحن بعيدون كل البعد عن تأنيب الضمير إزاء استخدامنا وسائل الإرهاب”.

وفي التوراة جاء: “امحقوهم عن آخرهم أبيدوا حرثهم ونساءهم”.. إن إرهابنا يلعب دورًا كبيرًا في معركتنا هذه..

وقبل هذين الصهيونيين يقول هرتزل أحد المؤسسين العتاة للحركة الصهيونية: “إن التآخي العام بين الناس لا يعتبر حتى جميلاً، فالعدو شرط ضروري لأرفع مجهودات الإنسان وأسماها.. إن الإنسان الذي يخترع مادة شديدة الانفجار يعمل لأجل السلام أكثر من ألف داعية إلى اللطف والرفق واللين”.

فهذه هي الإيديولوجية الصهيونية وما انطلق عنها من حروب ودمار وتخريب للحرث والنسل في مختلف بقاع الدول العربية المجاورة، وبخاصة ما جرى وما يجري على أرض فلسطين وشعبها من جرائم فاحشة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.

وما زالت تلك العقيدة العنصرية تتغلغل وتترسخ بين الغالبية العظمى من صهاينة” إسرائيل” تبرر كل ما ترتكب من جرائم تسميه دفاعًا عن النفس كما تسميه حكومة بوش الصغير وأنصاره من اليمين الإنجيلي واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا في الوقت الذي تتهم فيه الشعوب العربية تعليمها بأنها مولدة العنف والإرهاب.

وتؤكد المؤلفة على أهمية القضية التي تتناولها كونها متصلة بالتعليم الذي يمثل عصب البنية الاجتماعية لأي مجتمع من المجتمعات ويعكس طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في مرحلة تاريخية معينة لهذه المجتمعات.

وترى أن كلمة الوطن والأرض من أكثر الكلمات تكرارًا في الكتابات الصهيونية على مدى مراحل التاريخ المختلفة، ولكن في الوقت نفسه من أقل الكلمات دقة وأشدها غموضًا..

ففي حين أن سمات الوطن الأساسية أن يكون تامًا ونهائيًا لمواطنيه، وتعني كلمة تام أن لا يعتبر مواطنو وطن ما أن هناك جزءًا من أرضه يقع خارج حدوده السياسية المعترف بها، وتعني كلمة نهائي أن لا يتطلع مواطنو وطن ما إلى غيره من الأوطان ليضمه إلى وطنه بحجة أنه وطن منقوص.

فما بالنا إذا كان مواطنو “أوطان ما ” قد احتلوا وطنًا بعينه يعيشون فيه عنوة ورغمًا عن أصحاب الوطن الشرعيين ويتطلعون إلى ما يجاورهم من أوطان لشعوب أخرى مستندين في ذلك إلى مختلف الأساطير والدعاوي الصهيونية..

وقد وجدت المؤلفة أن من بين المهمات الرئيسة لنظام التعليم في “إسرائيل” السعي إلى زراعة بذور الخوف من الآخرين في عقول النشء وترسيخ عناصر الكراهية والحقد في وجدانهم.. ويعدّ ذلك من الآليات التربوية المهمة التي تشكل بنية التوظيف الاجتماعي للمؤسسات الاستيطانية في “إسرائيل” بشكل عام..

وفد قامت المؤلفة بدراسة ستة عشر كتابًا في مناهج الدراسات الاجتماعية -التاريخ والجغرافيا- المقررة من بداية الصف الثالث حتى الصف السادس الابتدائي، وهي سنوات الحلقة التعليمية الأولى من التعليم الأساسي في “إسرائيل”، وهي باللغة العبرية منها (11) كتابًا في التاريخ و(5) كتب في الجغرافيا.

وترى المؤلفة أن كتابًا بعنوان “أرض الوطن” في جزأين من أخطر هذه الكتب؛ حيث يتم تدريسه للطلاب على مدار عدة سنوات دراسية، وقد أوردت المؤلفة أسماء الكتب وهي:

1- من قصص أوائل المستوطنين.

2- الحراس الأوائل.

3- أرض الوطن، جزء أول.

4- أرض الوطن، جزء ثان.

5- بين أسوار القدس.

6- الارتباط بأرض إسرائيل.

7- طبيعة الحياة بين الأسوار.

8- أرض إسرائيل.

9- خرائط تكشف العالم.

10- القدس.

11- القدس لي ولك، أنا مكتشف القدس.

12- الخروج من الأسوار.

13- مع رجال وأماكن.

14- خرائط تكشف العالم، كراسة الأنشطة.

15- موقع ومركزية القدس التاريخية.

16- القدس مركز ثقافي ومركز روحاني للشعب اليهودي.

وقد قامت المؤلفة بتحليل هذه الكتب العبرية واستشفت أغراضها وبيّنت ما تسعى هذه الكتب إلى غرسه في عقول ووجدان أطفال “إسرائيل”. كما أوردت المؤلفة نصوصًا من هذه الكتب بالعبرية تدلّ دلالة واضحة على العنصرية وعلى تشويه الشخصية العربية ونَعْتها بصفات مهينة وبتزييف للتاريخ وحقائقه.

وقد جاء الكتاب في سبعة فصول تناول الفصل الأول النظرة الدونية للعرب، فأوردت المؤلفة نصوصًا بعنوان “العربي الوضيع”، و”العرب اللصوص السفاحين المتآمرين” و”العرب المختلسون واللصوص والإرهابيون” و”اللصوص العرب” و”اليقظة مع الأنذال العرب” و”العرب قتلة متعطشون للدماء”، وغيرها من النصوص التي تغذي النظرة الدونية للعرب وتؤجّج مظاهر البغضاء والكراهية والعنصرية..

وتناول الفصل الثاني النصوص التي تؤكد تفوق اليهود، وأنهم شعب الله المختار وتبين أن النصوص الواردة في الكتب تؤكد على تميز وتفوق اليهود، وكثير من النصوص التي تحرص المناهج التربوية الإسرائيلية على إدخاله في عقول وقلوب الناشئة في مدارسهم منذ بداية مراحل تعليمهم.

أما الفصل الثالث فتورد المؤلفة النصوص التي تبين مدى التمايز والتوتر في العلاقات بين مختلف فئات المجتمع اليهودي؛ فالعرب الفلسطينيون مستبعدون ويمكن اقتصار التصادق معهم من أجل استغلالهم في الأعمال الدونية، كما أن هناك تمايزًا بين المهاجرين اليهود من العرب من ناحية والمهاجرين الأوربيين من ناحية أخرى، بل وهناك تمايز بين المهاجرين الأوربيين أنفسهم. ومع هذه التمايزات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين فئات هذا الكيان فإنه يسعى في الوقت ذاته إلى إيجاد عوامل للترابط والتماسك كعوامل اللغة والأسطورة والشعور بالاضطهاد.

وفي الفصل الرابع أوردت المؤلفة النصوص التي تؤكد الحقوق التاريخية المزعومة في أرض “إسرائيل”.

وفي الفصل الخامس والسادس كان الحديث عن التوسع الاستيطاني في “أرض إسرائيل” والهاجس الأمني. أما في الفصل الأخير فأوردت المؤلفة النصوص التي تؤكد على تهويد القدس.

والكتاب شهادة لا تقبل الدحض ولا التفنيد، كما يعد دليلاً دامغًا -بما يحتويه من نصوص عبرية تدرس لأطفال- على العنصرية والاستعلاء والإرهاب وعدم الاعتراف بالقيم الإنسانية.