بسم الله ذي الجلال، المتفرد بأوصاف الكمال، المتفضل الكريم المتعال، سبحانه الفاتح على سيدنا محمد الفتح التام المبين، وعلى أوليائه وأحبابه مشاهد ومقامات الإحسان وكمالات اليقين، سبحانه هو ولي الصالحين، وهوموجد سلسلة النور ومعارج الشهود وصروح الصديقين، وخاتمة الصلوات وأظهرها، وأجل الصلوات وأنفسها، وأكمل الصلوات وأكرمها، وسلـّم وبارك، على روح الأرواح، ومحرر الأشباح، وبهجة الأفراح، وأصل الفلاح، سيدنا ومولانا رسول الله، المصطفى محمد مشكاة الأنوار، وعلى آله أهل الوصية وأصحاب الدار، وبقية النبي الأمي المختار، محطمي أصنام الظلم والجور منابع الأنوار، وصحبه الصادقين الصديقين الأخيار، السادة الكمل الراضين المرضيين الأبرار، وكل أحبابه وإخوانه والمشتاقين لنوره وجماله (1).

الشوق أوله أنس وآخره عرس:

﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ {22} جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ {23} سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ{24}﴾ ـ سورة الرعدـ. من يشهد العرس في الآخرة هو من بنى دار الأنس في الدنيا، صبر على أعز ما يطلب، طلب وجه الله تعالى وابتغاء قربه ورؤيته وشهوده، أنس بالله في دار الحجب، فارتاح باللقاء في دار الغيب، نال الأنس والقرب في الدارين، وكان في خدمة مقام الحب، هؤلاء الذين تشهد عرسهم ملائكة الرحمة والكرامة، يدخلون عليهم من كل باب، زيادة بهجة وحبور مخلد، شهد لهم ربهم وملائكته بسيرهم وقصدهم الصالح، الزاد الصبر والعمل الشوق إليه حتى تلقاه سبحانه وهو عنك راض، هذه رحلة تأخذ عمرك وحياتك برمتها حتى الممات، حتى آخر رمق لك، وأذان الشوق إلى ربك يصدح في جنبات فؤادك، والروح قائمة على عتبات العروج تنتظر متى يأذن لها فترقى ، حتى أخر أنفاسك، ولسان حالك يشهد: ﴿ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ ُ﴾ ـ سورة الحج الآية: 6 ـ، والفؤاذ مشتاق لموعد الله سبحانه ولقائه وقربه ونوره: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾ ـ سورة طه الآية: 84 ـ. شوق يحييك بعد غفلة وتيه وغيبة، وشوق يفنيك بعد حضور ورجوع وأوبة، وشوق ينشئك النشأة الأخرى، بعد شهود وبقاء وحضرة. اللهم زدنا من الشوق إلى وجهك الكريم!.

وعن نشأة أهل الحب وحقيقة أصحاب الشوق والوَجد قال في كتابه “الرسائل” العارف بالله مولانا أبو الحسن علي الجمل إبن عبد الرحمن الحسني العمراني رضي الله عنه المتوفى سنة 1193هجرية/ 1779ميلادية: سبحان من هيأ أقواما لخدمته وأقامهم فيها، وهيأ أقواما لمحبته وأقامهم فيها، أهل الخدمة تجلى لهم الحق بصفة الجلال والهيبة فصاروا مستوحشين من الخلق قلوبهم شاخصة لما يرد عليها من حضرة الحق قد نحلت أجسادهم وأصفرت ألوانهم وخمصت بطونهم بالشوق ذابت أكبادهم وقطعوا الدياجي بالبكاء والنحيب واستبدلوا الدنيا بالمجاهدة في الدين ورغبوا في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، وأهل المحبة تجلى لهم الحق بصفة الجمال والمحبة وسكروا بخمر لذيذ القربة ـ هذا لفظ يستعمل للكناية عن سطوة واردات أنوار المحبة والقرب على قلب العبد ـ شغلهم المعبود عن أن يكونوا من العباد ولا من الزهاد اشتغلوا بالظاهر والباطن وهو الله فحجبوا عن كل ظاهر وباطن زهدوا في التنعم والأنعام واشتغلوا بمشاهدة الملك العلام وقد قيل في حقهم :

نسيم الوصل هب على الندامــى * * * * * *فأسكرهم و ما شربوا مداما

ومالت منهم الأعطاف ميــــــلا * * * * * *لأن قلوبهم ملئت غرامـــــا

ينال الوصل من سهر الليالــــي * * * * * *على الأقدام من لزم القيامــا

وما مقصودهم جنات عدن و لا * * * * * *الحور الحسان و لا الخيامـا

سوى نظر الجليل فذا مناهـــــم * * * * * *فيا بشرى لهم قوما كرامــــا.

مقامك حيث قنعت بالله تعالى!:

وقال أيضا العارف بالله سيدي أبو الحسن علي الجمل إبن عبد الرحمن الحسني العمراني أستاذ العارف بالله سيدي العربي الدرقاوي(2):

من صفات كمال الولاية لله أن لا يحتاج الولي إلى شيء آخر غير الحال الذي قلده الله له في أي لحظة كانت وليس لديه رغبة أخرى بخلاف الإرادة الإلهية ـ لعله يقصد رضي الله تعالى عنه أن الولي الكامل لايرجو غير الله ولايطلب سواه ولايميل لغيره، اختياره من اختيار الله وفعله من فعل الله فيه ـ، ففي أحد الأيام كان الشيخ العارف أبو العباس أحمد اليماني نسأل الله أن ينفعنا به جالسا مع بعض تلامذته و كان الجدل حول حقيقة الولاية و كان لكل واحد منهم رأي واستمر الخلاف وقرروا أن يعرضوا المسألة على الشيخ و عرض كل واحد رؤيته لحقيقة الولاية واستمع الشيخ دون أن يؤكد كلام أي منهم وعندما رأوا أنهم عاجزون عن الوصول للمقصود قالوا: “يا سيدي نأمل من الله و منكم أن تبلغونا حقيقة الأمر ما هي حقيقة الولاية؟”, فأجاب الشيخ: “صاحب الولاية عندما يجلس في الظل فإنه لا يصبو إلى أن يجلس تحت الشمس وعندما يجلس تحت الشمس فإنه لا يصبو إلى أن يجلس في الظل.

نعم من فاز بالله لايهمه سواه، وأن لايكون لك مع مولاك اختيار في مجاري أقداره هذا مقام العبودية الخالصة لله تعالى وكمال التسليم له سبحانه، حتى قال حكيم أهل الله تعالى أبي عطاء الله الإسكندري: ” مقامك حيث أقامك” (3)، فوقه المقام العزيز الجليل، المقام الجامع الأسمى، والسلوك الشامل الأسنى، مقام من حمل هم نفسه وهم أمته فجعله همّا وجهادا وسلوكا واحدا، ، قام لقومة تحيي أمة، وسابق للشوق لوجه الله الكريم الجميل، ليزكي نفسا ويطهر روحا ويفتح قلبا، وينال مرتبة بين أهل الله وأولياء الله في حضرة قدس الله وملأ الله الأعلى، إنه هَمّّ من يبحث عن أخوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و منهاجه النبوي العظيم، مفتاح الخلافة الراشدة الثانية القادمة بوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشارته، المنهاج المحمدي الذي صنع صرح الجهاد الأول والسلوك “السلطاني” الأكمل:

“من السالكين من تُطَوِّرُه العناية الإلهية في أطوار السلوك إلى الوجود الثاني والنشأة الآخرة وهو فاتح عينيْه على المشاهد والمقامات والأحوال، مشغول بالفرجة على تلك المغاني السَّنيَّة. وأعلى السلوك وأكملُه وأقربُه وأحبّهُ وأطيبه سلوك كبار الصحابة رضي الله عنهم الذين نشأوا ورشدوا في حجر خير البرية صلى الله عليه وسلم، إمام الأنبياء، وأب الأولياء. كبار الصحابة هم سادة الأولياء وأئمتهم. فضلوا الكل بالصحبة المباشرة لأكرم مخلوق على الله. وفضلوهم بالجهاد، شغلتهم نُصرة الله ورسوله عن تَملِّي بَهاء الأنوار الكونية، وعن تذوق التجليات الربانية. شغلتهم الاستماتة في سبيل الله في ميادين الجلاد عن ما يحدثه الله عز وجل في قلوبهم وأسرارهم من إنشاء معنوي روحي. شغلتهم الدعوة والهجرة والنصرة وتدبير أمر الأمة عن الاهتمام بالتحولات الباطنية فيهم، زواها الله عنهم، ودبَّرها لهم تدبير الوكيل. كانوا لله فكان الله لهم. ولا تظنَّنَّ أن سكوتهم عما لَهَجَ به من بعدَهم قصورٌ، بل هم في القمة، نالوا ما ناله القوم رضي الله عنهم، وزادوا، وزادو ا ” (4) ـ الإحسان، ج:1، ص: 233/234 ـ .

هذا سير ومقام صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سعي للأخذ بالأسباب وجهاد لتحرير العباد ورجاء في رب الأرباب الفتاح الوهاب، هذا المقام دل عليه أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب الفاروق المحدّث رضي الله عنه: “نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله”ـ رواه البخاري ومسلم ـ، ووصل إليه الشيخ عبد القادر رضي الله عنه أمير الأولياء وخطيبهم ودل عليه أيضا: “كثير من الرجال إذا دخلوا الى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي فيه روزنة (نافذة)، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والولي من يكون منازعا للقدر، لامن يكون موافقا له. وعلق الحبيب المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين: معنى كلامه النفيس أن مبادراتي وجهدي، وفي مقدمة ذلك الدعاء الذي لايرد القضاء غيره، هي أقدار إلهية، علي أنا ترجع مسؤولية تعطيلها إن عجزت ولم أستعن بالله عزوجل في السعي بما ينفعني.ـ الإحسان، الجزء:2، الصفحة:301ـ .

حفظ الله لنا الحبيب المرشد وجزاه الله تعالى عنا خير الجزاء وأفضل العطاء، نعم فمقامك حيث قنعت بالله تعالى!.

قال سيد العارفين بالله تعالى ومرشد الحيارى الطالبين وجه الله عزوجل، سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الدعاء يرد القضاء ) (5)، وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فإذا سألتم الله فاسألوه وأنتم واثقون بالإجابة، فإن الله تعالى لا يستجيب دعاء من دعا على ظهر قلب غافل) (6).

فمن يطلب الكريم ونوال الكريم سبحانه؟، من يقف عند باب الكريم؟ من يلوذ بالرحيم ويرجو الرحيم ويدعوالرحيم سبحانه، بشوق وحسن ظن ولزوم ويقين؟، من يلبي دعوة الغفور ذي الرحمة الرؤوف الحليم: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ـ سورة غافر الآية: 60 ـ، تعالوا إلي وقفوا ببابي وأدعوني أنا ربكم، أنا أعطيكم ماسألتم: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ ـ سورة البقرة الآية:186ـ . يامحمد! ـ صلى الله عليه وسلم ـ يامن أرسلناك برحمتنا لتدل علينا من يريدنا وترشده لمعرفتنا، ويامن يدل علينا من بعدك وهو على خطاك وهديك وحامل لميراثك ونورك، إني ربكم جميعا السميع القريب الرحيم الشهيد، من أرادني فليلبي دعوتي وليستجب لندائي: أدعوني أنا الحق ! وءامنوا أني الحق ! وأن كلمتي وعد حق غير مكذوب!، و(إنه من لم يسأل الله تعالى يغضب عليه) (7).

الإحسان صبر على شوق على ايقان:

(الإحسان..أن تعبد الله كأنك تراه) (8)، بعد أن أشرقت فيك أنواره، وحللت بحضرة داره، وأسفر فيك الصبح بعد طول انتظاره:

﴿ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ {16} كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ {17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ {18} ﴾ ـ سورة الذاريات ـ، قُربت وقُبلت، وتبوئت من المشاهدة مقاما، (الإحسان..كأنك تراه) نصيبك وحظك بعد أن حُصِّل مافي قلبك من صدق المحبة و الطلب، ووحدة الوجهة والرغب، صاحب الوجهة ومطلوب الحب يغار، لا يقبل قسمة ولاشريك، سبحانه ليس له شريك في الملك، ولافي جماله ولافي جلاله، سبحانه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ـ سورة الشورى، الآية: 11ـ.

الرقيب الشديد، لايرضى الا بمن تخلى، من ترك الغير بالكلية، وتخلص من السوى بالمطلق، وانتظر على الباب وان طال وقت المعاد، مع ماتقتديه المراسيم من كمالات الأدب، من رقة ولطف وانكسار، وتذلل وخضوع وتسليم وافتقار، طعامك الرضى بمطارق أقداره، وشرابك حسن الظن به في كل أحوالك، ونَفَسُكَ الشوق إليه ليلك ونهارك، وشغلك: ﴿ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ـ سورة البقرة ـ، الآية: 131ـ، بكل خصلة وشعبة إيمان يَرفع عنك الكريم الرحيم حجابا، وتُعطى أمانا، والمالك ناظرك، ثم تصبر على الأذى وأنت في مقام الحجب والجوى، ثم ترضى وأنت على حمالة التبريح والبلوى، ثم لايكون في باطنك غير دعاء من حمد وشكور، ثم تطرق ساكنا ساكتا و السر شاخص يترقب، لكنه لايزيغ ولايطغى ولايتنكب، و(أفضل العبادة انتظار الفرج) (9)، عندها يأتيك النداء من قريب: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ ﴾ ـ سورة الحجر، الآية: 46ـ، الى حضرة: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22}إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {23}﴾ـ سورة القيامةـ، وهذا إعلام من الملك العلاَّم: ﴿هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ـ سورة إبراهيم، الآية: 52ـ، هذا إلهكم الواحد فلم تجعلون له أندادا؟ و﴿ قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُخَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ـ سورة المائدة، الآية: 119ـ، رضي الله تعالى عنهم لما خلصوا إليه سبحانه وجاوزوا الحجب المانعة عن القصد إليه حجابا حجابا، وعقبة عقبة، حتى يصل كل ذي وديعة ورزق إلى قسمته وسابقة الكرامة وتوفيق مولاه له، ورضوا عنه لما قُبِلوا عنده وتنعموا به سبحانه في الدارين، بسابقة: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ{24}﴾ ـ سورة الرعد ـ . ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لابد له من امتحان وابتلاء وتمحيص: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ {2} وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ {3}﴾ ـ سورة العنكبوت ـ . و﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ ـ سورة فصلت، الآية: 35ـ . نعم هذا سير قل فيه السالكون وعز فيه الواصلون، وقد قال عنه من وصل: “باب الله تعالى ليس فيه زحام”!، ومن له السابقة والوديعة من مولاه يجر جرا لبابه ولو غرق في قاع المحيط، السعادة في الإجتباء بداية وانتهاء: ﴿ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً {20} ﴾ ـ سورة الإسراء ـ .

رضي الله عن الإمام أبي مدين الغوث الأنصاري الأندلسي حين شهد بما عاين:

أهل المحبة بالمحبوب شُغلـــــــــــــــــوا * * * * * *وفي محبته أرواحهم بذلــــــــــــــــوا

وخربوا كل مايفنى وقد عمــــــــــــــروا * * * * * *ماكان يبقى فياحسن الذي عملــــــوا

لم تلههم زينة الدنيا وزخرفهـــــــــــــــا * * * * * *ولاجناها ولاحلي ولاحـــــــــــــــــــــلل

هاموا على الكون من وجد ومن طــرب * * * * * *ومااستقل بهم ربع ولاطـــــــــــــــــلل

داعي التشوف ناداهم وأقلقهـــــــــــــــم * * * * * *فكيف يهنو ونار الشوق تشتعــــــــل

من أول الليل قد صارت عزائمــهــــــــم * * * * * *وفي خيام حمى المحبوب قد نزلـــوا

وافت لهم خلع التشريف يحملهــــــــــــا * * * * * *عرف النسيم الذي من نشره ثملـــوا

هم الأحبة أدناهم لأنهــــــــــــــــــــــــــــم * * * * * *عن خدمة الصمد المحبوب ماغفـلوا

سبحان من خصهم بالقرب حين قضــوا * * * * * *في حبه وعلى مقصودهم حصلـــــوا

ودعى متشوفا وموافقا، أستاذنا الحبيب المرشد سيدي عبد السلام ياسين حفظه الله تعالى:

رباه منحت القوم هدى * * * * * *وسناء وتقى في الصدر

وتوليت رجالا وصلـوا * * * * * *عتبات القرب والنصـــر

رباه فألحقني بهــــــــم * * * * * *لمقام يتضوع بالعطـــــر

رضي الله عن سلسلة أهل النور والشوق واليقين، وألحقنا بهم في الدارين غير خزايا ولامحرومين، اللهم فكما قربتهم قربنا، ورضيت عنهم فارض عنا، ورحمتهم فارحمنا، أنت أرحم الراحمين. وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

هوامش:

(1) لمن يسأل عن مشروعية الإستفتاح بحمد الله تعالى وتسبيحه وتنزيهه وحسن الثناء عليه، فليرجع للجزء الثاني من هذه السلسلة يجد ضالته.

(2) ذكر من سبق من أهل السلسلة النورانية هو تعليم من الحبيب المرشد، وأدب مأخوذ عنه حفظه الله تعالى، هو وفاء وحب وشوق أيضا وصلة رحم وايمان ونور لاينقطع بمدد الصحبة المباركة وخيراتها ولله الحمد.

(3) من كتاب: “الحكم العطائية على لسان أهل الطريقة”، لتاج العارفين أبي عطاء الله الإسكندري المتوفى سنة: 709 هجرية، كتاب يعتبر حلقة مهمة في حفظ فهم وحكمة ومعرفة السادة الأوائل بالله تعالى والسبيل الموصل إليه سبحانه، ومن حكمة الله ورحمته أن جعل لكل زمان كتابا منارا جامعا لأصول الإيمان وكيفية تجديد.

كان أبي عطاء الله قبل سلوكه يقول: من قال أن هنالك عِلماً غير الذي بأيدينا فقد افترى على الله عز وجل ـ وهو يومئذ العالم والمحدث والفقيه واللغوي والأديب الذي ذاع صيته وطبق الآفاق ـ و بعد أن من الله عليه وصحب من صحب..، أصبح يقول: كنت أضحك على نفسي في هذا الكلام. رضي الله عنه وقدس روحه.

(4) من يطالع سير الصحب الكرام رضي الله عنهم وسلوكم ومافتح الله لهم من نور ورحمة، عمران ابن الحصين، وحنظلة، وسلمان، وحارثة، وأم أيمن، وخبيب ابن عدي، وأسيد ابن خضير، وعامر ابن فهيرة..، يجد لكل واحد منهم قصة مع الملأ الأعلى وملائكة الرحمان، منهم من كانت الملائكة تسلم عليه، ومنهم من غسلته عند استشهاده ومنهم من أخبر عن حضورهم لحظة وفاته، ومنهن من سقينها عند هجرتها لما اشتد بها الظمأ، ومنهم من أطعمنه عند أسره، ومنهم من أناروا له الطريق في ظلمة الليل..، ومنهم من رفعته بعد استشهاده..، فكيف بالسابقين الأكابر، فكيف بأول العارفين علي، وأول الحكماء ابن عباس، وأول العلماء معاذ، وأول المحدثين الملهمين عمر، وأول الصديقين أبي بكر، وأول المتخلقين المستحيين عثمان، لكل صاحبٍ خِلعة ولقب مخصوص، عنوان سابقة وجهاد وسلوك عظيم، منهم نأخد وعلي أثرهم نبني إلى يوم دين، نعم بل “وزادوا، وزادو ا”.

(5) أخرجه الحاكم في المستدرك عن ثوبان رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصحيح الامام السيوطي: حديث صحيح.ـ

(6) أخرجه الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما، كنز العمال الإصدار 2.01 للمتقي الهندي المجلد الثاني/الفصل الثاني في آداب الدعاء .

(7) أخرجه الترمذي عن ابي هريرة رضي الله عنه/ تصحيح الامام السيوطي: حديث حسن.

(8) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

(9) البيهقي في شعب الإيمان والقضاعي عن أنس رضي الله عنه.