1- الشذوذ تطرف:يقال شذ فلان عن الجمع إذا فارقهم وانفرد عنهم، وتحمل في معانيها صفة قدحية هي الخروج عن الطبع والمألوف والمتعارف عليه، وإذا كان الإبداع والتجديد مطلوبان في مجالات معينة، فإن الشذوذ في الخلق نقيصة وعيب، أما إذا كان الشذوذ زيغ عن حكم صريح صحيح من أحكام الشرع وحرمة من حرماته، فإنه ارتماء في الهاوية بلا شك.

والشذوذ بشكل عام يعبر عن نزعة التطرف والغلو، فكيف إذا صار أصلا في الفكر والسلوك؟

2- عرس الشواذ: الحدث وردود الأفعالأقام مجموعة من الشواذ المغاربة “عرسا” على الطريقة التقليدية يوم 17 نونبر بمدينة القصر الكبير، وما إن عم الخبر أرجاء المدينة حتى ارتفعت أصوات الإدانة والاستنكار والاحتجاج على هذا السلوك المنحرف، فخرجت ساكنة المدينة تردد اللطيف مرعوبة من منكر تشمئز منه الفطر السليمة والنفوس الكريمة، ويغضب الله له ورسوله، وتشدد على إنكاره الشريعة الإسلامية تحريما وعقوبة.

وتباينت مواقف الأطراف المعنية تباينا ملحوظا، أما الصحافة فانقسمت إلى تيارين بارزين: تيار ندد بالجريمة النكراء وفضح المتواطئين إزاءها، وتيار سارع للدفاع عن الفعلة وتبريء أصحابها شاهرا سيف حرية التعبير (يقصد حرية الشذوذ وحرية التعبير عنه).

أما السلطات فظلت صامتة إلى أن اضطرت للكلام تحت ضغط المتابعة الصحفية وهدير الجماهير الغاضبة، وتمخض الجبل فولد فأرا كما يقال، تكلمت السلطات فأنكرت علمها بالحدث إطلاقا، وهي التي لا يخفى عليها حتى دبيب النملة إذا تعلق الأمر بركيعات يأتيها تائب طمعا في عفو ربه، أو قرآنا يتغنى به شباب رفض الانخراط في جوقة المادحين، وزاد الطين بلة ذلك التأويل العجيب الغريب الذي طلع به علينا وزير داخليتنا مبررا به الفعلة الشنعاء، ومتبنيا أقوال المتهمين الأولية جملة وتفصيلا في محاولة فاشلة لإطفاء الغضب المتفاقم والتهوين من المصاب الجلل، ولم تكن السلطات بليغة في موقفها إلا وهي تكسر الرؤوس “الساخنة” الغاضبة لله ولحرماته المنتهكة.

أما المؤسسة الدينية الرسمية المفترض فيها “حماية الملة والدين” وحفظ “الأمن الروحي” للمغاربة من أي” تشويش”- والتي أرغدت وأزبدت وهي تتهجم على عالم جليل مثل الشيخ يوسف القرضاوي الذي تطاول على “مجالها الحيوي” فأفتى في قضية قروض السكن بالمغرب- فقد ظلت صامتة لسبب بسيط، وهو أنها لم تتلق أية أوامر وتعليمات، أو على وجه أكثر دقة لأنها أسست لغايات أخرى غير خدمة “المجال الديني” للشعب.

أما الشعب فقد قال كلمته وخرج منددا، بل جائرا إلى الله تعالى أن يلطف بنا من هذا التواطؤ الإجرامي الواضح الفاضح..

3- الأحداث والمغزى:فهل هو حدث معزول مما يمكن أن يؤدي إليه التهور والزيغ في كل زمان ومكان؟ أم أن الأمر حركة مدروسة لها مقدماتها ونتائجها؟ لا يجد الباحث أية صعوبة في معرفة السياق العام للحدث، ومعرفة الروابط الممكنة بينه وبين أمثاله من الأحداث التي تبدو لأول وهلة مجرد انزلاقات أخلاقية أو شغبا صحافيا مقبولا.

ورغم أنني مبدئيا ضد التهافت على التفسير “المؤامراتي”، فإن الحدث جاء في إطار نزوع بادي الملامح يظهر كاستراتيجية مدروسة للتقدم بمعركة شاملة ضد دين الأمة وهويتها، تتبين خطوطها العريضة كالتالي:

أ- حرب مفتوحة ضد الحركة الإسلامية متوسلة بكل الطرق والوسائل.

ب- جهود مضاعفة للتمكين لثقافة الميوعة والانحلال والتفسخ.

ج- هجوم منسق على اللغة العربية.

د- إحكام تسييج الحقل الديني.

هـ- تعديل البرامج التعليمية والمقررات المدرسية.

أ- الحرب المفتوحة ضد الحركة الإسلامية:

تلتقي جهود المخزن الحثيثة مع جهود النخبة العلمانية الفاسدة في حصار الحركة الإسلامية ومحاربتها بجميع الوسائل، وعلى رأسها الحرب الإعلامية المسعورة لتشويهها والتعمية على مواقفها وأنشطتها، وهكذا تتوافق الرغبات وتتناسق الجهود لضرب هذا المكون الذي يشكل أكبر تهديد لذلك التحالف المقيت ومصالحه، وتنقلب الصورة بشكل خطير حتى ليعتقد المرء أن هذه الحركة هي المسئولة عما يعيشه المواطن من قهر وضنك، جوعا وبطالة وحرمانا، وظلما وقمعا..

ولعل عرس الشواذ إشارة بليغة في هذا المجال، على اعتبار مدينة القصر الكبير هي أول معقل لنشوء التيار الإسلامي على يد البشيري رحمه الله.

ب- التمكين لثقافة الميوعة والانحلال:

إنه تزامن فاضح أن يأتي عرس الشواذ بعيد قليل من عيد الخمور بمكناس، والذي اختير له بعناية يوم الجمعة، وتزامن مع صلاة الاستسقاء..

ولعل الفاحشة انتقلت من الدهاليز المظلمة إلى السفور العلني، بل أراد لها رعاتها أن تعلن عن وجودها الظاهر الجاهر، وتصبح تيارا معترفا به، له حقوقه وحماته وممولوه ورؤوسه الكبيرة..

فمن إنشاء جمعية ” كيف كيف” التي تدافع عن حقوق الشواذ، مرورا بفتح المجال الإعلامي على مصراعيه لرواد الشذوذ والزنا،” كممثلة الجنس” المغربية التي أعطيت الكلمة لتوجه “النصائح” لفتياتنا، وكذا أديب الشذوذ الذي تهافتت وسائل الإعلام الفرنكفونية لتجعل منه عبقري الرواية المغربية، وصولا إلى الطقوس المنحرفة بسيدي علي بن حمدوش وعرس الشواذ بالقصر الكبير. كلها إشارات خطيرة عن نقطة تحول نوعي في مسار هذا التيار التخريبي لشباب الأمة ومقوماتها الدينية والأخلاقية.

ج- الهجوم على اللغة العربية:

يبدأ الأمر من التمكين للغة الفرنكفونية على الخصوص، والاستماتة في سبيل أن تبقى لغة الإدارة والبوليميك، بل اللغة الرسمية غير المعلنة للمغرب، وهو أمر تكمل فيه ما أنجزه الاستعمار وأذنابه.

وتنتهي الخطة بتهميش اللغة العربية إعلاميا (نموذج القناة الثانية)، والنفخ في دارجة سوقية مبتذلة (نموذج إحدى المجلات الفرنكفونية).

كل ذلك لوعيهم العميق بأن اللغة العربية هي حاملة الرسالة القرآنية والفكر الأصيل، وأنها من العناصر الأساسية المشكلة لهويتنا الإسلامية، لذلك فتدميرها هو مدخل متميز للقضاء على فكر وكيان هؤلاء الممانعين المستميتين في سبيل الدفاع عن دينهم وحقوقهم.

د- تسييج “الحقل الديني”:

لا يصمت العلمانيون واللادينيون عن إدانة المساجد والمعاهد الإسلامية إلا عندما تصبح أداة مخزنية محضة لتصريف بيداغوجيا الولاء و”الاستقرار” و”المملكة السعيدة”.

فالهدف الأكبر من ما سمي إعادة هيكلة الحقل الديني كان محاولة متأخرة للحد من الامتداد الجماهيري للحركة الإسلامية الجادة (وعلى الخصوص جماعة العدل والإحسان)، وحرمانها من تكوين رموز محلية تزيد من إشعاعها، وكذا محاولة لتحجيم دور المسجد، واختزاله في الدعاية المخزنية الممجوجة والوعظ البارد الهامد.

هـ- تعديل المقررات والبرامج التعليمية:

وهو ما باشرته دولتنا أسوة بباقي الدول العربية المسارعة لتطبيق الوصايا الأمريكية، وهكذا تم حذف سورة الحشر من مقرر التربية الإسلامية بالابتدائي مثلا، لأنها تتحدث عن طرد يهود المدينة، وتعويض الدروس الأصيلة في التعليم الثانوي بأخرى ذات منحى فلسفي صرف، وصرت تجد درسا بعنوان “كيفية التعبير عن الذات” و”التواصل” وكأني بك تدرس علم الإدارة.

وتعتبر هذه الوسيلة أكثر فعالية لتحقيق الأهداف الخبيثة المخطط لها بعناية.

خلاصات:

من أجل شل أية قدرة لجسم هذا الشعب على مقاومة هذا التيار، يلتجئ أصحابه إلى محاولات التطبيع التدريجي للمغاربة مع الفاحشة، لذلك تراهم يدخلون أحيانا من مسارب بعض العادات الاجتماعية، حتى إذا برزت ردود الأفعال، ظهر اللوبي الخلفي لمحاربتها بقوة تحت ذرائع شتى، وهكذا يصبح الضحية متهما والمتضررون “فوضويون” و”شعبويون”.

إننا أمام هجمة شرسة يتحالف فيها رأس المال اليهودي مع التغطية الفرنكفونية والتنفيذ المحلي البئيس.. كل ذلك في ظل مخزن صامت وطبقة سياسية مأخوذة ببريق الكراسي والأعطيات ونخبة علمانية متطرفة وفاسدة مستعدة لإغراق الوطن ..

الشذوذ أنواع:إن الشذوذ الجنسي ليس إلا مظهرا واحدا من أوضاع شاذة يعيشها المغرب على كافة الأصعدة: في التعليم والقضاء والاقتصاد…

وهكذا يمكن أن نسمي أنواعا عدة من الشذوذ المغربي:

الشذوذ السياسي:

– استفراد جهة وحيدة بصياغة الدستور وتعديله خلافا لكل القواعد الديمقراطية في العالم في وضع الدساتير، شذوذ.

– الاستفراد بالقرار السياسي والهيمنة المطلقة للحكم الفردي، شذوذ.

– إفراغ المؤسسات السياسية من أي مضمون وتحجيم أدوارها، وجعلها مجرد ديكور يزين الواجهة ويؤثث الفضاء المفبرك، شذوذ.

– إقصاء أطراف سياسية فاعلة ومتجذرة في المجتمع عن لعبة ( ولو أنها مرسومة بعناية)، شذوذ.

– صناعة إجماع قهري على خيارات فاشلة، شذوذ.

– انبطاح جماعي لقوافل المناضلين السابقين شذوذ عجيب.

الشذوذ الاقتصادي:

– استفراد مجموعة اقتصادية معينة أو حفنة من المتنفذين بمعظم ثروات البلاد وخيراتها وبالتسهيلات الضريبية والمضارباتية، شذوذ.

– الهوة السحيقة بين أجور موظفي الدولة الكبار وبين عامة الموظفين، وكذا بين الدخل الفردي وبين الأسعار الملتهبة، شذوذ مهدد بالانفجار.

وهكذا دواليك، حتى تعرف أي شذوذ نكتوي بلظاه في المغرب الحبيب، وما الشذوذ الجنسي إلا الشجرة التي تخفي وراءها الغابة.