الفصل الأول: في خضم التاريخ

عاديات الجبر

الصليبية الجديدةحتى إذا اشتد عود نهضة أوربا، بادرت تحاول السيطرة على العالم الإسلامي. أحس المسلمون بأسها في حربهم مع روسيا، وأذهلهم أن دهمهم نابليون في قلب القاهرة، فاستفاقت كل من الدولة العثمانية، ومصر المماليك، على ضرورة الإصلاح العسكري والإداري، من أجل حماية الثغور والذود عن حمى البلاد. فكان إنشاء مدارس عسكرية وإدارية في كل من مصر وتركيا. وكانت أول مدخل للفكر التغريبي العلماني في بلاد المسلمين، سيما وأنها كانت في معزل عن رقابة التعليم الديني، الذي يشرف عليه أهل الدعوة من علماء المسلمين.

أحس المسلمون بأس أوربا وتفوق حضارتها. وظنوا أنهم أحيط بهم، فدعوا إلى الأخذ بأسباب القوة، فكان من ذلك إنشاء المدارس العسكرية والإدارية. وكان من ذلك البعثات إلى دول أوربا وبخاصة فرنسا. فكان التأثر بالفكر اللاييكي المعادي للدين.

ثم التفتوا إلى ضعفهم، فوجدوا الاستبداد الحكمي أصله. وبشرتهم حضارة أوربا بناصرين يأخذان الاستبداد أخذة رابية؛ هما القومية واللاييكية “أليستا بنتي الثورة الفرنسية”؟. فمرحى بهما في تركيا رائدين، في دعوة جمعية الاتحاد والترقي، ثم في تركيا الفتاة بعد، حتى مكنتا لدولة تركيا الفتاة سنة 1908م. وعدت هذه على جيرانها العرب بخاصة في الشام. فأثارت عبيتهم، واستعان النصارى العرب بالناصرين يحاربون قومية الترك. قومية لاييكية عربية تصارع قومية لاييكية تركية.

وكادت من ذلك، كل من إنجلترا وفرنسا، كيدا تقضي به على رمز وحدة المسلمين المتمثل في الدولة العثمانية. فسعيا في التفريق، ومدا في الدعوة القومية العربية، ووعدا الشريف الحسين بإقامة خلافة عربية، والتحرر من ربقة الاستبداد العثماني. لكن الغَزْل نُقض، بعد الحرب العالمية الأولى، ولم تكن خلافة عربية؛ بل كان التمزيق لجسم البلاد الإسلامية بسيف الانتداب وبيد سايكس وبيكو سنة 1916م.

وكذلك مُدَّت القومية العربية في غي الانفصال عن الدولة العثمانية، حتى لقيت غي الانتداب. ثم مُدَّت القومية التركية في غي الحروب مع العرب، حتى أعلنت إسقاط نظام “الخلافة”، على لسان الطاغية الجبار كمال أتاتورك. فرعون تركيا حشر فنادى أنها دولة قومية لاييكية سنة 1924م. وكان لهذا النداء الفرعوني تمكينا للتربية العلمانية، والتعليم الهاماني الذي لا شأن له بالدين والإيمان بالله واليوم الآخر.

أحكمت دولة العلمانية قبضة التربية والتعليم، وحاربت الدعوة وتعليمها وتربيتها. فكان أن نشطت مدارس التنصير ومدارس الاستعمار، وانعقد مؤتمر النصارى وكان شعاره تنصير العالم الإسلامي في جيل واحد.

زحفت القومية الفرعونية والعلمانية الهامانية، ففتحت لها الأبواب في بلاد المسلمين؛ باب فتحه الانبهار بحضارة الغرب، وباب كسره الاستعمار بقهر العسكر وسحر الدفتر وزخرف الإعلام، وباب فتنة كُسر منذ عهد الانكسار التاريخي لما انتقضت عروة الحكم، فذهبت الشورى والعدل والإحسان حتى عم القهر والجهل والفقر والشتات ودين الانقياد وطوق التقليد.

زحفتا على بلاد شتيت في الشرق (تيمورية في الهند، وصفوية في إيران، ومملوكية في مصر، وعثمانية في تركيا)، وشتيت في المغرب. زحفتا ووجدتا آذانا صاغية عند النصارى العرب في الشام خاصة ثم في مصر. وحمل النصارى “الكريمتين” ودعوا المثقفين العرب المسلمين إلى النصرة. كيف لا وهما ناصرا الغرب في نهضته، “فانْتَحِلوا نِحْلة الغالب تُنْصروا”. فمرحى بفكره وإدارته ثم حتى مرحى بعاداته وأخلاقه ونمط الحياة. أم هذا خير مـن هذا الذي هو انحطاط مهين في بلاد المسلمين، وجهل وتقليد زميت، وقهر موروث وشتيت؟!

لاييكية لازمتها القومية رادها النصارى العرب، تمكنت في مقاومة الاستعمار. ثم تألهت زمن الاستقلال الصوري؛ فأغرقها الله في يم الهزيمة والفشل. ثم داهنت وتلبست بلبوس الإسلام بعد ثورة إيران. كلما تقدم الإسلام في الميدان خطوة تقدموا في التنظير التلفيقي خطوات.

دخلت العلمانية مداخل: دخلت لبرالية، ثقافية ثم سياسية، زمن الانبهار. ودخلت لبرالية حاكمة أدخلها الاستعمار. ودخلت اشتراكية -ثقافية ثم حاكمة بعد- ورجعية، زمن الاستقلال الصوري.

أعلنها فرعون تركيا علمانية لبرالية، ورد عليه فرعون مصر بعلمانية اشتراكية، ثم انبعث فرعون العراق وأعلنها بعثية، وكذلك أعلنها فرعون سوريا.

ولما كانت هزيمة 1967م أمام اليهود الصهاينة، تراجعت فلول العلمانية السياسية، وزحفت الحركة الإسلامية. فمن متبن ومن مجامل ومن محتال ومن فتاك.

وتفاوت موقف العلمانية الثقافية من فكرة إقامة الدولة الإسلامية. ظهرت هذه الفكرة لما حاربت دولة الاستقلال الصوري أهل الدعوة، فكان أن رأوا إقامة الدولة الإسلامية ضرورة لحماية الدعوة.

وكان الفكر القطبي والمودودي، الداعي إلى إقامة دولة الإسلام دفاعا عن الدين. فمن دونها ضاع الدين. وإن العلمانية الحاكمة كفر وجب جهاده.

حتى إذا ولت الحركة الإسلامية وجهها شطر إقامة الدولة الإسلامية، قالت السفيهة من العلمانية الثقافية “إن الإسلام ركيزة انحطاط”، فكيف تكون دولة إسلامية. وأخرى منافقة دعت إلى التلفيق واعتبار “الواقعية التراثية” و”جغرافية الكلمة”. وشغبت السفيهة بقولها: (إنه يجعل الطائفة الدينية وسيطا بين الفرد والدولة). وقولها: (إنه يرسم خطا تراجعيا للتاريخ). وقولها: (إنه يلغي الإرادة البشرية). وقولها: (إنه لا يسمح بالنظرة العقلانية لفهم الواقع فهما مطابقا للواقع، وليس يراعى العقلانية الضرورية لتقدم المجتمعات الإسلامية). هذا قول العلمانية السفيهة العدائية ورأسها العلمانية الماركسية؛ إذ قالت ويا سوء ما قالت: “إن الدين عيب وعاهة فَلْسَفَةً وإنه أفيون شعوب سياسةً”.

وقالت المرنة: “أنا مؤمنة متدينة، وهذا مذهبي: أدعوا للأخذ بالأصلح في الدين وتوفيقه بالأصلح في الفكر والعصر”.

وثالثة رقطاء حرباء، سلاحها زخرف قول وكيدها التلفيق، إشكاليتها تقول: “كيف نغير فهمنا للإسلام فلا نربط به كل شؤوننا الدنيوية؟”، يعارضون قول الإسلاميين: “كيف نفرع من أصولنا أحكاما تحتضن العصر؟”.

وآخرون مستخفون بالدين، جاهلون به، يرون الدعاة عاجزين عن فهم العصر ومتطلباته.

ومن كل ماركسيون، ولبراليون، وناصريون وقوميون عرب ورأي عام مثقف، كل أولئك يجولون في البحث عن أحسن وسيلة لتمشية إديولوجيتهم، دون اصطدام بالعاطفة الدينية للجماهير.

ولئن كانت العلمانية قد فشلت في مظهرها السياسي، فلهي في مظهرها الثقافي لا تزال متربعة على كراسي الإدارة والإنتاج الفكري.

وهي إزاء الإسلام على عداء سافر، أو توتر شديد، أو فضول مكبوت للمعرفة، أو تضاد حزين، أو استهتار واستخفاف، أو تعال بالثقافة الموسوعية. وإن من بينهم رجالا يعلنون إيمانهم بالله ورسوله، فتعالَ يا رفق الدعوة وتخلص إلى حبات القلوب!.