ثم إني، لما واظبت على العزلة والخلوة قريباً من عشر سنين، بان لي في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها، مرة بالذوق، ومرة بالعلم البرهاني، ومرة بالقبول الإيماني: أن الإنسان خلق من بدن وقلب وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله، دون اللحم والدم الذي يشارك فيه الميت والبهيمة -، وأن البدن له صحة بـها سعادته ومرض فيه هلاكه؛ وأن القلب كذلك له صحة وسلامة، ولا ينجو ((إلا من أتى الله بقلب سليم)) (الشعراء:89)؛ وله مرض فيه هلاكه الأبدي الأخروي، كما قال تعالى: ((في قلوبـهم مرضٌ)) (البقرة:10) وأن الجهل بالله سم مهلك؛ وأن معصية الله، بمتابعة الهوى، داؤه الممرض، وأن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي، وطاعته بمخالفة الهوى، دواؤه الشافي؛ وأنه لا سبيل إلى معالجته بإزالة مرضه وكسب صحته، إلا بأدوية؛ كما لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك. وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها، لا يدركها العقلاء ببضاعة العقل، بل يجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها من الأنبياء، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء، فكذلك بان لي، على الضرورة، بأن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة، لا ببضاعة العقل. وكما أن الأدوية تركب من (أخلاط مختلفة) النوع والمقدار وبعضها ضعف البعض في الوزن والمقدار، فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب، مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار، حتى أن السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار؛ ولا يخلو عن سر من الأسرار، هو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة. ولقد تحامق وتجاهل جداً من أراد أن يستنبط، بطريق العقل، لها حكمة، أو ظن أنها ذكرت على الاتفاق، لا عن سر إلهي فيها، يقتضيها بطريق الخاصية. وكما أن في الأدوية أصولاً هي أركانها، وزوائد هي متمماتها، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها، كذلك النوافل والسنن متممات لتكميل آثار أركان العبادات.

وعلى الجملة: فالأنبياء عليهم السلام أطباء أمراض القلوب، وإنما فائدة العقل وتصرفه أن عرّفنا ذلك وشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعجز عن درك ما يدرك بعين النبوة، وأخذ بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى القائدين، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين. فإلى ههنا مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك، إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب إليه.

فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة، في مدة الخلوة والعزلة.

ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة، ثم في حقيقة النبوة، ثم في العمل بما شرحته النبوة، وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق؛ فنظرت إلى أسباب فتور الخلق، وضعف إيمانهم، فإذا هي أربعة:

1 – سبب من الخائضين في علم الفلسفة؛

2 – وسبب من الخائضين في طريق التصوف؛

3 – وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم؛

4- وسبب من معاملة الموسومين بالعلم فيما بين الناس.

فإني تتبعت مدةً آحاد الخلق، أسألُ من أن يقصر منهم في متابعة الشرع واسأله عن شبهته وأبحث عن عقيدته وسره وقلت له: ما لك تقصر فيها فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا، فهذه حماقة! فإنك لا تبيع الاثنين بواحد، فكيف تبيع ما لا نـهاية له بأيام معدودة؟ وإن كنت لا تؤمن، فأنت كافر! فدبر نفسك في طلب الإيمان، وانظر ما سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطناً، وهو سبب جرأتك ظاهراً، وإن كنت لا تصرح به تجملاً بالإيمان وتشرفاً بذكر الشرع!.

فقائل يقول: إن هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه، لكان العلماء أجدر بذلك؛ وفلان من المشاهير بين الفضلاء لا يصلي، وفلان يشرب الخمر، وفلان يأكل أموال الأوقاف وأموال اليتامى، وفلان يأكل إدرار السلطان ولا يحترز عن الحرام، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة ! وهلم جراً إلى أمثاله.

وقائل ثان: يدعي (علم) التصوف، ويزعم أنه قد بلغ مبلغاً ترقّى عن الحاجة إلى العبادة!.

وقائل ثالث: يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة!

وهؤلاء هم الذين ضلوا عن التصوف.

وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول: الحق مشكل، والطريق إليه متعسر، والاختلاف فيه كثير، وليس بعض المذاهب أولى من بعض، وأدلة العقول متعارضة، فلا ثقة برأي أهل الرأي، والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له، فكيف أدع اليقين بالشك ؟.

وقائل خامس يقول: لست أفعل هذا تقليداً، ولكني قرأت علم الفلسفة وأدركت حقيقة النبوة، وإن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة، وأن المقصود من تعبداتـها: ضبط عوام الخلق وتقييدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات، فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف، وإنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة وأنا بصير بـها، مستغن فيها عن التقليد !.

هذا منتهى إيمان من قرأ (مذهب) فلسفة الإلهيين منهم؛ وتعلم ذلك من كتب ابن سينا وأبي نصر الفارابي. وهؤلاء هم المتجملون بالإسلام.

وربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن، ويحضر الجماعات والصلوات، ويعظم الشريعة بلسانه، ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر، وأنواعاً من الفسق والفجور! وإذا قيل له: إن كانت النبوة غير صحيحة، فلم تصلي؟ فربما يقول: لرياضة الجسد، ولعادة أهل البلد، وحفظ المال والولد!. وربما قال: الشريعة صحيحة، والنبوة حق! فيقال: فلمَ تشرب الخمر؟فيقول: إنما نـهي عن الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء، وأنا بحكمتي محترز عن ذلك، وإني أقصد به تشحيذ خاطري. حتى أن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها: أنه عاهد الله تعالى على كذا وكذا، وأن يعظم الأوضاع الشرعية، ولا يقصر في العبادات الدينية، ولا يشرب تلهياً بل تداوياً وتشافياً؛ فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان، والتزام العبادات، أن استثنى شرب الخمر لغرض التشافي.

فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم. وقد انخدع بـهم جماعة، وزادهم انخداعاً ضعف اعتراض المعترضين عليهم، إذ اعترضوا بمجاهدة علم الهندسة والمنطق، وغير ذلك مما هو ضروري لهم، على ما بينا علته من قبل.