ما من عبد مؤمن إلا ويلتاع لما آل إليه حال الأمة الإسلامية حاليا من الهم والحزن والعجز والكسل. فمليار مسلم يكاد يصبح كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة. طاقات مشلولة معطلة، أرقام مهملة، جوعى وصرعى، بؤساء ومرضى، حيارى في كل واد يهيمون، موزعون بين اليمين واليسار، مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. باختصار أمة تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. ليس من القلة بل من الغثائية والوهن: حب الدنيا وكراهية الموت.

لقد تكالبت الأمم  بشرقييها وغربييها على الأمة الإسلامية، فدمرت ديارها وقتلت إنسانيتها وشعورها وإحساسها. حيث استحوذوا  هم بدنيا “هنيئة”، بينما نحياها  نحن مرة مرارة مضاعفة بضعف الفقر والذل، ونغص بهذا الكئب غصتين، غصة الدنيا بما قعدنا وعجزنا عن الجهاد وغصة الآخرة بما ضيعنا من وحدة أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

هذه الحالة الغثائية التي تمر بها الأمة الإسلامية حاليا ليست وليدة العصر، ولكن هي إفراز لمجموعة من التراكمات التاريخية التي تمتد جذورها إلى ما يعرف بمرحلة “الانكسار التاريخي” أو “الانحراف الخطير”. وهي المرحلة التي تنبأ بها الصادق المصدوق عليه السلام في أحاديث كثيرة نذكر منها على وجه الخصوص قوله صلى الله عليه وسلم: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبت الناس بالتي تليها وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة ” رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان، وقوله صلى الله عليه وسلم كذلك: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك” رواه الإمام أحمد بسند صحيح. صدقت يا من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

وبالفعل، فبعد مرور ثلاثين سنة تقريبا على خلافة كل من أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعا، شهدت الأمة الإسلامية انحرافا خطيرا تمثل في انتقال الحكم  تحث تأثير السيف من الخلافة الراشدة المبنية على ثلاثي الشورى والعدل والإحسان إلى الملك العاض المبني على الظلم والاستبداد نتيجة سيطرة أغيلمة من بني أمية على الحكم فكان ذلك أولى عرى الإسلام نقضا.

وفي ظل هذا الحكم، تسلط السيف تسلطا عاتيا فأصبحت سياسة ضرب الأعناق هي الدواء الناجع لكل الأمراض! فكان من نتائج هذه السياسة إسكات الأصوات الناهية عن المنكر واغتيال الرأي الحر، كما تركت هذه السياسة بصماتها على الواقع الاجتماعي حيث انقسمت ذهنية الأمة إلى ذهنيتين: ذهنية يسوقها الحاكم المستبد سوق الأغنام فقبلت بالأمر الواقع، واستسلمت بل وساندت النظام في بعض الأحيان، وذهنية أخرى رفضت الاستسلام وتشيعت لآل البيت، فتحملت على إثر ذلك الاضطهاد والتعذيب والتقتيل، وفي صفوفها ظهرت عدة قومات إسلامية نذكر منها على وجه الخصوص قومة الحسين بن علي رضي الله عنهما الذي قام في وجه الظلم والاستبداد فقدم دماءه الزكية من أجل العدل والكرامة والحرية.

وقد شكل هذا الحدث المأساوي والشنيع بداية الزحف للعدوان الداخلي الذي ولّد واقعا فتنويا تميز باختلاط الحق بالباطل، فأصبح الناس حيارى من أمرهم. وازدادت هذه الفتنة يوما بعد يوم لتتعقد بشكل خطير خلال القرون المعاصرة خاصة بعد اصطدامها بالانكسار الثاني الناتج عن الاستعمار الغربي للبلدان الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لتنتقل الأمة من مرحلة العض إلى مرحلة الجبر. ونتيجة لهذين الواقعين أو الثقلين: الفتنوي على المستوى الداخلي والجاهلي على المستوى الخارجي فقد أصبحنا غثاءا كغثاء السيل بل أموات غير أحياء، فضاعت منا فلسطين، وضاعت منا القدس بل وضاعت الأمانة الإلهية التي من أجلها خلقنا وتواجدنا.

ذهبت العزة والكرامة وجاء الاستبداد، ومع الأيام استفحل واحتل الأرض كما احتل العقول.

إن العالم يمر بمنعطف خطير ودقيق، وتزداد خطورته بما تلده الأيام من أحداث جسام، فسقوط بغداد وكابل بين براثين الاحتلال المباشر، وهرولة الأنظمة العربية لعقد اتفاقيات الصلح مع الكيان الغاصب، والتي تعني أمريكيا تصفية كافة الحسابات بين الأنظمة الجبرية والعدو الصهيوني في أفق خندقة العالم برمته محليا وإقليميا ودوليا في خندق واحد لمواجهة ما يصطلح عليه في الإعلام الغربي ب ” الخطر الداهم والمحدق” والمتمثل في هذا الزحف الإسلامي المتصاعد. كل هذه التطورات وغيرها تؤكد مما لا يدع مجالا للشك أن الأمة الإسلامية مقبلة على مرحلة خطيرة ودقيقة، لن ينفع معها سوى التوجه إلى الله عز وجل أكثر من أي وقت مضى مع توطين الأقدام على مواقف راسخة ورفع الهمة على هامة الزمان وذلك كي نكون في مستوى التحديات والعقبات المنتظرة.

فقد أجمع زعماء الغرب وجنودهم المنتشرون في العالم وأذنابهم إجماعا سكوتيا وتصريحيا أن المنافس الحقيقي للحضارة الرأسمالية هو الإسلام وجنوده المنتشرون في العالم باعتباره (أي الإسلام) معارضة “مطلقة” و “عائقا” في مشروع السلام العالمي لذا تجب محاربته وإقصاؤه من مراكز التأثير السياسية والإعلامية وغيرها ومباركة الاعتقال والتهميش والحصار، الذي يمارسه ورثة الغرب وأتباعه في بلاد الإسلام ضد الإسلاميين (تونس، الجزائر، المغرب، مصر، فلسطين…) وذلك بالسكوت والدعم الظاهري والخفي لهذه الأنظمة.

إن المتأمل في هذه الأوضاع والناظر إليها بمنظار مادي أرضي، قد يتبادر إلى ذهنه أن الوعد الإلهي والموعود النبوي ربما بعيد المنال خاصة في ظل هذا التباعد الواضح في ميزان القوى. ولكن متى كان هذا العامل المادي المحض هو الحاسم والمعيار الفاصل؟

إن عودة الخلافة الثانية في ظل هذا الخلل في موازين القوى وفي زمن بلغ الانكسار مداه عند المسلمين لشيء بعيد المنال في حساب العقلاني الذي يزن الأمور بالمقاييس المادية لكن متى كان العقل وحده معيارا. إن جل الحروب التي خاضها المسلمون عبر التاريخ وانتصروا فيها ولحد الآن كانت مخسورة في نظر العقل المادي.

إن المستقبل يبدو صارما وقاسيا وتحدياته تبدوا كالجبال، ورغم ذلك فلا نفقد الأمل والموعود النبوي بعودة الخلافة الثانية على منهاج النبوة لابد محقق. وما هذه الأحداث إلا تقلبات وهزات تدخل ضمن إطار هذا المخاض العسير الذي سيُتوج بحول الله بهذا المولود الجديد.

وعلى هذا الأساس، لابد لمن يحمل مشروع إعادة البناء على الأساس الأول لتحرير الإنسان -أي إنسان كيفما كان لونه وجنسه وعرقه- من عبودية العباد إلى عبادة الله رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، لابد له من النظر إلى الأمور بمنظار القرآن وعيون السنة لابد له أن يربط مآسي اليوم بمآسي الأمس في عهد أجدادنا الصحابة رضوان الله عليهم، لابد له أن يعمل على تحرير العقل والإرادة وتخليصهما من التفكير الفتنوي الذي ورثناه على مدى القرون الخالية وكذلك من التفكير الجاهلي المفروض علينا من طرف الدوائر الاستكبارية العالمية، مع تأسيسهما في المقابل على التفكير المنهاجي المبني على الوضوح والأصالة. كما ينبغي فحص هذا الإرث الثقيل الذي ورثناه عن أجدادنا مند الانكسار التاريخي إلى الآن وهذا لن يتأتى إلا بالنظر إلى الأمور من أعالي التاريخ فـ “بقلب مطمئن نقبل تاريخنا ولكن بعين فاحصة”.

إذاك سنعرف كيف نوطن الأقدام على مواقف راسخة، وبالتالي نغير الواقع بوسائلنا الخاصة. فكلما اشتدت المحنة إلا واقترب الفرج والنصر، فـ “بطاعة الله وسلوك منهاج نبيه ننتصر، وما موازين القوى التي تملأ الدنيا علينا، ونحن خواء وصفر على الشِّمال، بالتي تثبط عزائمنا” محنة العقل المسلم للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين.

{ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} سورة القصص الآية: 06.