نعرف جميعا الأدب في حال المصيبة، إذ يقول الله تعالى: “وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المفلحون”. ولكن قد تغيب عن الكثيرين والكثيرات منا آداب النبوة والتعليم القرآني الرباني في حال النصر. ولقد كان علماء التربية رضي الله عنهم يحذرون أيما تحذير من سوء الأدب عند حالة “البسط”، حسب تعريفاتهم، أكثر مما يحذرون من ذلك عند “القبض” والانقباض، دائما حسب اصطلاحهم.

ذلك أنه تحت تأثير الفرح، قد يصعب ضبط المشاعر واندفاعها فتصدر عن المرء تصرفات لا تراعي الذوق ولا تتسم بالحكمة، فيسوء الأدب مع الخالق والمخلوقات.

كم رأينا من مرة تصرفات طائشة لمسلمين، قد صدرت تحت تأثير الفرح بنصر ما، أحيانا ما يكون مؤقتا أو كاذبا أو شكليا، فتسيء إلى سمعة الأمة أو حركة اجتماعية ما، وتسقط هيبتها في عيون محبيها وأعدائها. وكم سمعنا من مرة تصريحات عنترية تبالغ في الافتخار المختال عند أول إرهاصات نصر لما يكتمل بعد، فتضعف التماسك في صفوف العاملين على تحقيق هذا النصر، أو تؤدي إلى حالة من ضعف التركيز وتشتت الانتباه والغفلة، الشيء الذي يعطي للأعداء وأهل الحقد فرصة للتقليل من كل ذلك أو للمحاولة اليائسة لتحويل النصر إلى هزيمة. ولهذا يعاتب الله تعالى من يتسرعون في إذاعة حالة الخوف وحالة الأمن معا. هذه تؤدي إلى اليأس وفقدان الثقة وتلك إلى الإفراط في الثقة والارتخاء والكسل. قال تعالى: “وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وأولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم”. ولعل في ما وقع في غزوة أحد رادع للمتسرعين بالاحتفال بالنصر، الذين يتركون مواقعهم في الدعوة وعملها انجرارا وراء متاع الدنيا أو تأثرا مفرطا بظواهر الأمور.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم إسوة حسنة في انتصاراته، فبخلقه العظيم، وبقلبه الرحيم، وبشكره العميم لربه سبحانه وتعالى كان يستقبل الأمر، في تواضع مع الناس وانكسار أمام ربه سبحانه جل وعلا.

ويمكن أن نستنبط من هذا الخلق العظيم الأسس التالية:

الأساس الأول: شكر الله على عطائه.

قال تعالى: “شكرا، وقليل من عبادي الشكور”. عادة ما ننسى بسرعة أن العبد لا حول له ولا قوة، وأنه لولا فضل الله تعالى على المؤمنين لما نصرهم. فهو صاحب النصر سبحانه. قال تعالى: “وما النصر إلا من عند الله”. هذه الجملة القصيرة تكتنز معاني عظيمة ومسؤولية جسيمة تتمثل في الاتجاه إلى الله سبحانه وتعالى بالشكر لما يغذينا به من النعم. لأن الشكر مظن للزيادة في النعم. قال تعالى: “لإن شكرتم لأزيدنكم”. ولأن كفر النعمة مظن لزوالها والعياذ بالله.

الأساس الثاني: العفو عن من أساء بالأمس أو على الأقل الإعراض عنه.

فهو صلى الله عليه وسلم جعل دار أبي سفيان مأمنا لمن دخلها من الناس إكراما لأبي سفيان رضي الله عنه، رغم أن هذا الأخير كان من أكبر الحاقدين على الإسلام وأهله وممن ألبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبائل العرب، وممن آذوه وأساؤوا إليه. إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يرد على الإساءة بمثلها بل بالإحسان والإكرام، تأليفا للقلوب، وتقوية لسمعة الدعوة وجذبا لقلوب الناس إلى الإسلام ومعتقداته وشرائعه. فبهذه الكيفية ولهذه المقاصد مطلوب منا أن نفرح بقدرتنا على العفو أكثر من قدرتنا على تحقيق النصر.

الأساس الثالث: التواضع

لقد دخل الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى مكة يوم الفتح محنيا رأسه كأنه في حالة سجود على ظهر ناقته. فهو عليه الصلاة والسلام يعطينا بهذا دروسا في التواضع والتمسكن بين يدي الله والناس عند ظهور الحق وانتصار أهله. هذه الدروس طبقها الجيل الأول من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وآل البيت عليهم السلام. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يرفض إنكار أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، عليه لباسه الرث ومشيه راجلا وهو في طريقه إلى تسلم مفاتيح القدس، فيجيبه بقولته الشهيرة: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله”. فالنصر ليس فرصة للتكبر وإظهار الأبهة في اللباس أو الكلام وغيره، ولكنه مناسبة للتواضع تأليفا للقلوب، وتثبيتا للمهج التي تكاد تصاب بعمى الفرح فتنسى ما ينتظرها من مهمات في الطريق.

الأساس الرابع: المداومة على أعمال الخير.

وأقصد هنا بالخصوص تلك التي كانت سببا من أسباب تحقيق النصر في هذه المحطة. لأن الجهاد محطات متتالية، الواحدة تلو الأخرى، لا تنتهي إلا بلقاء الله عز وجل وبالانتصار الكبير على النفس والشيطان، بعد أن يكون العبد قد حقق بإذن الله الثبات على الحق حتى فاضت الروح طاهرة مطمئنة. ولهذا لما قال الأنصار بعد ظهور الدعوة أنه آن الأوان ليتفرغوا لأمور دنياهم ليصلحوها بعد أن كانوا مشتغلين بكليتهم بنصرة الدين الجديد، أنزل الله تعالى فيهم: ” وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ “. قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: إنـما نزلت هذه الآية فـينا معشر الأنصار. إنا لـما نصر الله نبـيه، وأظهر الإسلام، قلنا بـيننا معشر الأنصار خفـيًّا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقـيـم فـيها ونصلـحها حتـى نصر الله نبـيه، هلـم نقـيـم فـي أموالنا ونصلـحها، فأنزل الله الـخبر من السماء: ( وأنْفِقُوا فِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلـى التَّهْلُكَة ) الآية، فـالإلقاء بـالأيدي إلـى التهلكة: أن نقـيـم فـي أموالنا ونصلـحها، وندع الـجهاد. قال أبو عمران: فلـم يزل أبو أيوب يجاهد فـي سبـيـل الله حتـى دفن بـالقسطنطينـية.

نسأل الله أن يقدرنا على المداومة على الخير كما قدر أبا أيوب على ذلك! هكذا إذن! فبعد النصر تكون المداومة على الأعمال التي ترضي الحق سبحانه، ومعالجة أمراض النفس وإصلاحها، ومصاحبة المؤمنين والعمل بعملهم، لا أن نظن أن الوقت قد آن لنعود إلى أمورنا الشخصية ومصالحنا الضيقة.

فهو شكر عند صدمة النصر، وعفو وتواضع بُعيْده، ومداومة على القربات بعد كل ذلك.