الفصل الأول: في خضم التاريخ

عاديات الجبر

ثم أظلنا زمن الجبرجاء الاستعمار الأوربي، وتولت كبره كل من فرنسا وإنجلترا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، حتى زمن الحرب العالمية الثانية. وأظهروا في البلاد الإسلامية الفساد، وبخاصة بعد الحرب العالمية الأولى. وتخذوا لفسادهم ستار الإصلاح، وسموه حماية وسموه انتدابا، وهم في كل ذلك مفسدون.

ثم تولت كبره كل من أمريكا وروسيا بعد الحرب العالمية الثانية، فسعيا في الأرض ليفسدا فيها ويهلكا الحرث والنسل، وسموه حربا باردة. ولما آذن الله بزوال ملك الاتحاد السوفيتي، انفردت أمريكا بالمجد. وتولت كبره، فهي إلى اليوم تعيث في الأرض فسادا، رسالتها القهر والفقر والكفر والتفريق بين الناس.

إنها حرب صليبية ضروس، بدأتها نصرانية بيزنطة، فكانت واقعة العسرة ومؤتة واليرموك، حتى سقوط قسطنطينة على يد محمد الفاتح. ثم تلتها نصرانية روما، فكان فتح الأندلس، وحروب الركنكستا حتى سقوط غرناطة، والحروب الصليبية اصطلاحا حتى حطين وفتح القدس على يد صلاح الدين. ثم حمل لواءها الاستعمار الحديث، وجاء بخاطئة القهر والفقر والكفر والتفريق، يغذوه الحسد والطمع وحب الانتقام، عدته الآلة والثقافة ورأس المال. وهي في كل ذلك تبغي تفسد على المسلمين دينهم ومعاشهم.

وأصبح العدل والإحسان والشورى بلا راع في الحكم، بلا راع في المجتمع وحياة الأفراد. نبذتهم دولة العض نبذ النواة، وجاء الاستعمار ودولة الجبر تجبر الناس أن يكفروا بدين الشورى والعدل والإحسان. مزقوا بلاد المسلمين تمزيقا قوميا علمانيا لا شأن فيه للدين ولا لرجاله. ولئن كانت مجزأة زمن العض عسكريا ومذهبيا، فلم تكن لتخرج عن دائرة الإسلام وسيادته.

إنه لم يعد للدعوة ورجالها، حق حفظ الدين ومقاصده، حتى في خاصة حياة الأفراد. كيف لا والتفوق لم يعد إسلاميا بل أصبح صليبيا، والهيمنة لم تعد إسلامية بل صارت لاييكية في الفكر والحكم. فالدعوة ما بقيت مدعومة أو متروكة لشأنها؛ بل محاربة بحد السيف والقلم.

النهضة الصليبية اللاييكيةكيف كان التفوق صليبيا؟

نهضت أوربا لما أسقطت غرناطة، آخر معقل من معاقل المسلمين فيها، سنة 1452 للميلاد. بدأت نهضتها علمية من إيطاليا وريثة المعارف الإسلامية في صقلية والأندلس وغرناطة.

ثم نهضت بفعل الإصلاح الديني، وقد رادته ألمانيا في القرن السادس عشر الميلادي، إذ خلصها من براثين الكنيسة البابوية. ثار القس الألماني مارتن لوثر في ألمانيا، ويكليف في انجلترا، وزونغلي فـي سويسرا، وكلفن في فرنسا؛ ثم في سويسرا حيث أسس جمهورية بروتستانتية في جنيف.

ثم نهضت بفعل الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي إذ أطاحت بالاستبداد الملكي. ثم نهضت بفعل الثورة الصناعية، وقد انطلقت من إنجلترا في القرن التاسع عشر الميلادي.

نهضت إذ تحررت من ربقة التبعية الاقتصادية للعالم الإسلامي، إثر اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح سنة 1449م، وإذ اشتد عود اقتصادها، لما اكتشفت القارتين الأمريكيتين، وشقت قناة السويس في القرن التاسع عشر الميلادي.

وقبل هذا وذاك أنهضها قرع خطر المد الإسلامي؛ وبخاصة من بعد إسقاط دولة بيزنطة بسقوط عاصمتها قسطنطينة في يد الدولة العثمانية، ثم محاصرة فيينا بعد. فلما أحست بأس المسلمين أجمعت أمرها وأتت صفا، حتى أسقطت غرناطة.

هذا بعض ما جعلها تنهض.

فكيف كان التفوق لاييكيا حربا على الدين؟

كانت الأمة الإسرائيلية تحت وطأة الاستعمار الروماني. ولما ظهرت الدعوة العيساوية، انزوت عن المجتمع الوثني الروماني، واعتزلت ثقافته، وكانت المقاومة، ورد عليها القمع الوحشي. دامت المجازر ثلاثمائة سنة. ذكر القرآن منها مأساة أصحاب الأخدود.

لقد مرت النصرانية، بعد رفع سيدنا عيسى عليه السلام، من أيدي دعاة إغريقيين، فامتزجت فيهم بالفلسفة الأفلاطونية الجديدة، وتلبست بالجمالية الوثنية اليونانية. تبلور هذان أثناء عهد الوصال الأنكد بين كنيسة مؤسسية وبين قيصرية حاكمـة؛ فأعطيا للنصرانية البابوية روحها وجسمها: تأليه المسيح عليه السلام وعبادة التصاوير.

أظهر الإسلام فسق النصارى، لما اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وحرفوا الكلم عن مواضعه.

في البدء، اندس التحريف تحت أرض الاضطهاد، الذي أناخ بكلكله على ظهر المسيحية طيلة ثلاثة قرون. اندس يغتذي من الهوى والجهل والأعجمية والأسطورة والسرية وضعف التواصل.

ثم رتع في أرض الاستبداد القيصري يظاهره. كانت المهادنة والتفاهم وتبادل المصلحة بين كنيسة مؤسسية وبين قيصرية حاكمـة. وحيثما تم هذا الزواج الغاشم، استُغل الدين وحُرّف الكلم عن مواضعه. حدث هذا في بني إسرائيل وفي مهاد النصرانية وفي تاريخ المسلمين.

ثم صال بعد ذلك وجال، يتعاطى صولة السلطان، سلاحه حد السيف وحد المنطق الأرسطي؛ حتى إن الإمبراطور هنري الرابع مَثَل بين يدي البابا، في قلعة كانوسا، متضرعا مستغفرا.

ثم علا في أرض المعارف في التاريخ والجغرافيا والفلك والطب وقال “أوحيت إلي” ولم يوح إليه شيء. ثم استضعف العلم لما أظهر عواره، فذبح أبناءه وحرق. عالم الطبيعة برونو حرق، وغاليليو أقر أن الأرض لا تدور اتقـاء البطش الفاتك.

فإذا رجال النصرانية على وجهين: وجه الراهب الفار من دنيا الناس، يعذب جسده فهو رجس ونجس. ووجه البابا والقس المترف، يبيع هذا “مغفرة الذنوب” والبركة والسمعة الاجتماعية بالأصفر الرنان، ويبيع ذاك الإمبراطورية سندا، ويقتضي مالا ونفوذا.

وإذا النصرانية عقيدة استدرت فلسفة أرسطوطاليس، وشريعة تأزرت بقانون الرومان. وإذا الكنيسة تحمل أثقال التحريف وأثقال العدوان، فكان ما أنقض ظهرها من الإصلاح الديني في القرن السادس عشر الميلادي؛ فكان ما أنقض ظهر الكنيسة البابوية والقيصرية الثيوقراطية، فذهبت قداستهما جفاء، ونقض ميثاق دين الانقياد في نفوس المجتمع النصراني.

فلما نفخت فيها فلسفة الأنوار نار الثورة والتحرر، واستوقدتها الطبقة البورجوازية وقد تضلعت علما وثروة، واتخذت أوراق الطباعة وقودها، ومـؤسسات التعليم أفرانها؛ جاءت الثورة الفرنسية ثورة على الاستبداد والدين جميعا.

وإذا الدين عند القديسة اللاييكية خديعة اصطنعها المستبدون للسيطرة على الشعوب فهو أفيون، قاله فولتير وددرو، وهو الوهم الناشئ عن الجهل وبدائية التفكير، قاله أوكست كونت، وهو انعكاس لشقاء الإنسان واحتجاج على الشقاء، قاله ماركس. وهكذا تربعت القديسة اللاييكية على عرش الحكم والإفتاء تظاهرها الثورة والثروة والعلوم والتقنية.

وإذا النفس الغربية تغضب من رجال الدين ثم تلحد في الدين. أو ليس قد ورد عليها أجنبيا عن فلسفتها؟. وإذ لم يكن صاحب الرسالة منها، ولم يكن الدين ملاك حياة جدها الإغريق ولا أبيها الرومان، تمردت وتذرعت بأبيها وجدها.

وجدت في خضم الصراع، في ثقافة الأجداد اليونان والرومان، ما يبشرها بالعدل في الحكم؛ بالديموقراطية، فاستجابت ردا على الاستبداد. ووجدت فيها ما يمجد حقها في الطبيعة، والسيطرة على الطبيعة، فاستجابت ردا على الرهبانية. ووجدت ما يمجد العقل واستعماله، فاستجابت صدا لخرافات الدين النصراني.