بعد جهد جهيد استطاعت إدارة بوش-أخيرا- أن تنجح في عقد ملتقى أنابوليس لبحث سبل انطلاق المفاوضات بين السلطة الفلسطينية ورئيسها عباس أبو مازن وبين “إسرائيل”، والغريب العجيب هو الاقتناع الضمني لدى جميع الأطراف: الولايات المتحدة الأمريكية الراعية للملتقى، و”إسرائيل” الطرف الملح على الملتقى، والسلطة الفلسطينية الباحثة عن الدعم الدولي، والدول العربية المرغمة على الحضور. الجميع مقتنع أنه لا طائل يرجى من الملتقى، وأكبر من ذلك أن “إسرائيل” لم تعد -وأنى لها- السلطة الفلسطينية بشيء، وقد تراجعت في آخر لحظة عن إطلاق سراح بعض السجناء الفلسطينيين تعبيرا عن حسن النية، وتخفيفا عن ضغط الشارع الفلسطيني عن رئيس السلطة عباس.

نستعرض في هذا المقال دوافع كل الأطراف، ما دام الإجماع حاصلا على أن الخاسر الأول هو القضية الفلسطينية، بما هي مأساة شعب يُقتل ويحاصَـر ويُجَـوع أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي، وأمام عالم عربي عاجز متفرج، وفي أحيان كثيرة لا تسمح أنظمته السياسية للشارع العربي بالتظاهر والتنديد، حتى ولو دنست مقدسات الأمة بما في ذلك التطاول على مقام النبوة، والسخرية من شخص الرسول صلوات ربي وسلامه عليه.

فالنسبة للولايات المتحدة، وأمام بوار مشروع الشرق الأوسط الجديد، في العراق و لبنان، و إيران، ومع اقتراب نهاية ولاية بوش، كان لابد من البحث عن إنجاز إنقاذا للفترة البوشوية الثانية، وحيث إنه تعذر تحقيق نصر ميداني يحسب لبوش وحزبه، اتجه اهتمام الدبلوماسية الأمريكية للملف الفلسطيني، -باعتباره الحائط الأقصر كما يقال- لعقد مؤتمر سلام دولي يناقش سبل التفاوض من أجل بناء دولتين مستقلتين، ونظرا لغياب شروط إنجاح المؤتمر لعدم جاهزية الطرف “الإسرائيلي” الخوض فيما قد يترتب عنه التنازل عن بعض الأرض المحتلة، تغيرت الصيغة وأخذت طابع ملتقى خريفي يدل من خلال تسميته ومكان انعقاده -مدينة صغيرة- على أن ما قد يتمخض عنه غير ملزم، لا سيما للطرف “الإسرائيلي”.

الطرف “الإسرائيلي” يتشابه مع نظيره الأمريكي في الانحسار السياسي لحكومة أولمرت، التي زادها اندحارها أمام المقاومة اللبنانية خلال حرب يونيو 2006 تأزما، وبالتالي راحت تبحث لها هي الأخرى عن إنجاز سياسي تعوض به وصمة العار التي لحقت جيشها الذي لا يقهر، خاصة والاستحقاقات على الأبواب. غير أن ما يسجل “لإسرائيل” هو وعلى الرغم مما سلف ثقتها في نفسها، فقد توجهت للملتقى دون أن تلتزم بأي تنازل على الأرض، بل سارعت وزيرة خارجيتها بعيد وصولها للولايات المتحدة مصرحة وبوضوح: “لا ينبغي للعرب أن يكونوا حالمين كثيرا”، مثلما صرح رئيس وزراء “إسرائيل” السابق نتنياهو مؤكدا فشل ملتقى أنابوليس.

أما السلطة الفلسطينية التي تتنازع الشرعية مع حماس، فلا حول لها ولا قوة، مضطرة للذهاب إلى أبعد من أنابوليس، فهي تلهث باحثة عن الشرعية لنفسها وبأي ثمن، وقد توجهت للملتقى الذي غدا هدفا في حد ذاته، لأنه -في تقديرها- اعتراف بحسن سيرة، ومجلبة للرضى الأمريكي و”الإسرائيلي”، وهو منتهى الغايات مرحليا، حتى لا يتكرر مسلسل تصفية رئيس السلطة السابق عرفات رحمه الله، والعاقل من اتعظ بنهاية رئيسه.

وأخيرا الطرف العربي ونقصد بوجه أخص ما يعرف بالدول الوازنة سواء برصيدها التاريخي كمصر، أو بثرواتها البترولية كالسعودية، أو بحكم علاقتها مع قوى معادية “لإسرائيل” وللولايات المتحدة الأمريكية كسوريا، دول مرغوب حضورها، أما الباقي فلملء الفراغ في الملتقى ويكتمل المشهد ويتوهم المتتبع أن الملتقى دولي.

راح الطرف العربي مكرها، وهو يعرف سلفا أن ذلك تعبير عن حالة من التطبيع المجاني مع “إسرائيل”، حضور عربي على مستوى سفراء الخارجية يعني حضورا رسميا لملتقى غير رسمي واقعا، إذ تعتبر توصياته غير ملزمة، وإلى حدود عشية الملتقى لم يتم الاتفاق بين الطرفين الرئيسيين على الوثيقة التي ستقدم للملتقى.

أرغم الطرف العربي على تلبية الدعوة الأمريكية للملتقى تعبيرا عن هشاشة الأنظمة السياسية العربية، أنظمة يمكن للولايات المتحدة أن تفتح عليها نار دبلوماسيتها، وتسلط الأضواء على مكامن الخلل فيها، والإصلاح السياسي قاعدة مشتركة بينها، فمن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتزوير للانتخابات، إلى التفاف على القوانين، إلى الانفراد بمقدرات البلد وثرواته، إلى دعم لأعداء أمريكا وعرقلة المخطط الدولي في لبنان، … مكامن خلل استحضرها الطرف العربي، فآثر سلامته وبقاءه في سدة الحكم على مصير قضية شعب ومقدسات أمة.

خلاصة القول: تراهن كل الأطراف على استثمار الملتقى تحقيقا لمكاسب سياسية خاصة، لا علاقة لها بموضوع الملتقى، وتكرس مأساة الشعب الفلسطيني، وتبرهن مرة أخرى على الهوة بين المواقف الرسمية للأنظمة العربية وبين انتظارات الشارع العربي الرافض لكل أشكال التطبيع والانبطاح أمام الاستكبارين: “الإسرائيلي” والأمريكي، مفارقة تزيد الأنظمة العربية عزلة عن شعوبها، وترشحها للمزيد من التنازلات السياسية، وتجعلها أكثر حرصا على الارتماء في أحضان عدو الأمة التاريخي.