في أسلوب بالغ في العجرفة أقدمت السلطات المخزنية بمجموعة من المدن المغربية بداية صيف 2006 على اقتحام بيوت عدد من المواطنين المغاربة من جماعة العدل والإحسان وانتهاك حرمتها أثناء عقدهم لمجالس داخلية دأبت الجماعة على تنظيمها منذ ثمانينيات القرن الماضي ، أسفرت على اعتقال من فيها والتحقيق معهم في أوقات متأخرة من الليل ليسرحوا بعد ذلك ويتابعوا بتهمة عقد تجمعات عمومية بدون سابق تصريح.

وفي إجراء يفتقد إلى كل سند قانوني ،قامت السلطات الأمنية بتشميع مجموعة من البيوت التي اقتحمتها بلغ عددها ستة ، وقد نالت منطقتنا الشرقية الحظ الأوفر من كرم المخزن ، وهي حسب تاريخ التشميع الظالم : بيت عضو مجلس الإرشاد السيد محمد عبادي بوجدة في 26 ماي 2006 وبيت السيد جمال بوطيبي بمدينة الناظور في 7 يونيو 2006 وبيت السيد سعيد جناح بتمارة في 14 يونيو 2006 وبيت السيد فريد زروال بمدينة زايو إقليم الناظور في 15 يونيو 2006 وبيت السيد لحسن عطواني بمدينة بوعرفة في 13 شتنبر 2006 وبيت السيد الحسين مرجاني بمدينة العروي إقليم الناظور في 17 فبراير2007.

وفي محاكمات مارطونية يتابع فيها أزيد من أربعة آلاف عضو في الجماعة حملت كل الأحكام الصادرة في حقهم لغاية فاتح نونبر الجاري نياشين وأوسمة البراءة من تهمة عقد تجمعات عمومية بدون سابق تصريح وبالتالي قانونية الجماعة وقانونية اجتماعات أعضائها ومجالسهم. وبقيت البيوت التي شمعت على خلفية تلك التهمة على حالها دون أن تجد الطريق إلى الحل بسبب تجاهل المخزن للقضاء وعدم قيام السلطات بإنفاذ الأحكام الصادرة عنه كما ينص على ذلك القانون المغربي والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب.

صدرت الأحكام إذن وبرأت المتهمين لكنها لم تعدهم إلى مساكنهم لأنها مقفلة ومشمعة بأمر من لا أمر له سوى أن يأتمر بالتعليمات ، فماذا يظن المخزن الجماعة فاعلة إزاء هذا الظلم ؟

هل تنتزع حق أعضائها بالقوة وتكسر الأختام الوهمية اللاقانونية وتفتح البيوت لتعود إليها البهجة والفرحة ، وينعم أهلها بالراحة والاطمئنان و الدفء ، وتعطر جنباتها بنسمات تلك المجالس الإيمانية التي طالما افتقدتها بسبب التعسف المخزني ؟

هذا أراه حق مشروع خاصة وأن أمر التشميع غير مبرر وأصبح بدون قيمة ، كما أنه لم يصدر عن أية جهة قضائية بل يبدو الأمر وكأن لصوص ليل قاموا بذلك .. ونحن نشهد ونعرف مدى تخبط وحرج مختلف أجنحة المخزن بسبب هذه الورطة التي أوقعتها فيها حماقات غلمانها وظنهم السيئ الذي حاق بهم!

أم تتوجه الجماعة إلى القضاء مرة أخرى ليفصل في هذه النازلة ، وهي مدركة بأنه غير مستقل ولا يملك قراره وبالتالي لن يبث في ملف البيوت المشمعة إلا بما تمليه عليه تعليمات المخزن؟

تذكرني هذه الوضعية بحالة الحصار الذي كان مفروضا على الأستاذ المرشد حفظه الله ، فقد لقي فيها المخزن من الحرج والضيق ما إن لو اعتبر به لتحاشى الوقوع في مطبات مثلها. واليوم تستقبل الجماعة مرحلة جديدة وحصارا من نوع آخر سيغطي ما شاء الله من الزمان وسيبلي فيه المؤمنون البلاء الحسن إن شاء الله ، ليشهد العالم مرة أخرى وليشهد المغاربة أساسا كيف أن الجماعة لا ترغب ولا تريد ولا تحب أن تنزلق بالمغرب في أتون اضطرابات داخلية قد تؤدي إلى انفلاتات البلدُ في غنى عنها .

نعم تشميع البيوت هي حلقة أخرى ضمن سلسلة الانتهاكات الجسيمة التي يمارسها النظام الحاكم ضد جماعة العدل والإحسان ، وهي بالتالي عنوان لمرحلة تاريخية ستنقش في ذاكرة أعضاء الجماعة وفي ذاكرة المغاربة وسيشهد بها التاريخ على حلم الجماعة وعمق تبصرها وإدراكها لَما فوتت على أعداء هذا الوطن فرصة الإيقاع بها في دوامة العنف ومتاهات الفتنة . لقد سبق في مناسبة سابقة أن شبهتُ الجماعةَ في تعاملها مع ظلم وجبروت المخزن بخامة الزرع ، فهي بما تحمله من حبات الزرع النافعة للناس تنحني للرياح حتى لا تحطمها وتضيع ما تكتنز. والجماعة تستلهم في ذلك قوله تعالى ” وأنتم الأعلون إن كنتم مومنين ” “وقوله تعالى ” أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ”

نصبر في الجماعة على الفتنة التي لحقت بنا جراء ظلم الحاكم ، لكن لن نصبر على أن تتعدانا تلك الفتنة إلى أبناء الشعب المغربي . لن نصبر أن يتأذى الناس بسببنا . لن نصبر أن نكون نذير شؤم على هذه الأمة. وإن حفر لنا القوم الأخاديد وألقوا بنا في غيابات ودهاليز السجون ..فلن نصبر أن يهان أو تهدر كرامة مغربي واحد بسببنا.

لن نصبر على كل ذلك .. لكن في الوقت نفسه لن نعطي الدنية من أنفسنا ، سنحتج بكل السبل المشروعة وسنمارس حقنا الذي يكفله القانون ، المحجوز والمشمع بدوره، وسنطالب بتمتيعنا بحقوقنا المدنية والسياسية ، وسنرفع تظلمنا ضد انتهاك السلطة لحقوقنا وسنعتصم ونتجمع ونتظاهر وفقا للقانون ولن نسكت مادام فينا رجل حي يرزق.. لنقول بأعلى صوت ما تقش داري !

ماتقش داري ، حق تكفله كل الشرائع الدينية والدنيوية ، حق تحدث به الله جل وعلا في كتابه الحكيم لما للبيوت من حرمة لا ينبغي بأي حال انتهاكها إلا بحق . لكن المخزن لا يقيم وزنا للشرع ولا للقضاء ، ولا يعير اهتماما لحقوق المغاربة وكرامتهم. فلا غرابة ولا عجب أن تراه يضرب عرض الحائط بكل تلك الشرائع والقوانين ، ويدوس كل المواثيق والأعراف ما دام ذلك يحافظ له في ظنه على مكتسباته وتسلطه على رقاب الناس.

المخزن لم يمتثل لأمر الله سبحانه في كتابه الحكيم لما قال تعالى” يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ” النور 27- 28

المخزن لم يحترم الدستور المغربي في مادته العاشرة حيث نص: ” المنزل لا تنتهك حرمته، ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون ”

المخزن لم يراعي المواثيق الدولية التي وقع عليها كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية اللذان نصا كذلك على حرمة المسكن وعلى ضرورة كفالة الدولة لحق كل شخص في رفع تظلمه ضد أي انتهاك لحرمة بيته وأسرته ، وكذلك حقه في أن تنفذ الدولة الأحكام الصادرة لصالحه جراء الضرر الذي لحق به.

المخزن لم يحترم العرف والتقليد المغربي المتجذر في الناس والذي يجعل عابر السبيل يقف بعيدا عن البيت وهو يطلب من أهله ” ضيف الله ” حتى يؤذن له ، أو الذي يحمل الطارق أن يدير بظهره إلى الباب حتى يسمع صوت الرجل فيستقبله .

المخزن هو الآمر الناهي وهو الخصم والحكم وهو ” حاميها حراميها ” لذا فهو لو خالف الشرع وخرق صريح القانون وتنكر لكل المواثيق الدولية وانسلخ من كل عرف أو تقليد.. فلن تطال رجاله أية عقوبات وبالتالي لن يردعه اليوم ولا غدا أي رادع وسيظل المستبد بالبلاد والعباد ولا معقب لأمره.

المخزن لن يتغير إلا إذا أراد المغاربة ذلك، والمغاربة لا يحبون الفوضى ولا يسعون إلى الفتنة ، لكنهم يفوضون أمرهم إلى الله خالقهم فهو البصير بعباده العليم بخلقه وهو المدبر البالغ أمره!

في الأيام القليلة القادمة سيستقبل العالم ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان ذكرى يحتفل بها بحق من يطمحون إلى توسيع هامش تلك الحقوق لتشمل جوانب حياتية يعتبرها ويراها المحروم ترفا وبذخا في الحقوق وعبثا ومبالغة لا حد لها ولا معنى .أما من يشكو تخمة الحقوق فيعتبرها دائما دون المطلوب ودون تطلعاته. لتضل هذه الحقوق نسبية يتفاوت فيها الشمال عن الجنوب ، والأبيض عن الأسود، والغني عن الفقير ، وذو السلطة والجاه عن المقهور الضعيف.

في هذه الذكرى أقف وقفة إجلال وإكبار أمام أعضاء جماعة العدل والإحسان الذين شمعت بيوتهم وحوصروا في أرزاقهم وشرد أبناؤهم ومنعوا من متاعهم وحرموا الدفء والاطمئنان والأنس ..ولم يزدهم ذلك إلا تشبثا بما اقتنعوا به في صف هذه الجماعة المجاهدة وأبانوا على أنهم – عكس ما ينعق به الكثير- واعون ومدركون لتبعات اختيارهم وأنهم ليسوا مجرورين ولم يغرر بهم أحد.

أقف أمام هؤلاء لأحيي صبرهم وبذلهم وعطاءهم وأقول معهم للمخزن وللحاكم الظالم المستبد : ما تقش داري!