يقولون: جلستُ في فَيء الشجرة، والصّواب أن يقال: في ظلّ الشّجرة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلِّها مائة عام لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم: (وظل ممدود)”.

ويقولون: انساغ لي الشّراب، فهو منساغ، والاختيار فيه ساغَ، فهو سائغ. وفي القرآن: (لبنا خالصا سائغا للشاربين) .

ومن أوهامهم قولهم: تَبرّيَْتُ من فلان، بمعنى بَرِئْتُ منه، فيخطئون فيه؛ لأن معنى تبرّيت تعرّضت، مثل انبريتُ، فأما ما هو بمعنى البراءَة فيقال فيه: قد تبرّأْت كما جاءَ في التنزيل: (تبرأنا إليك) .

ويقولون: سُرِرْتُ برؤيا فلان إشارة إلى مرآه، فيوْهَمُون فيه، والصحيح أن يقال: سُرِرْت برؤيتك؛ لأن العرب تجعل الرؤية لما يرى في اليقظة، والرؤيا لما يُرى في المنام، كما قال سبحانه إخبارا عن يوسف عليه السلام: (تأويل رؤياي من قبل).

يجانس هذا الوهم قولهم: أبصرت هذا الأمر قبل حدوثه، والصواب فيه أن يقال: بَصُرْتُ بهذا الأمر؛ لأن العرب تقول: أبصرت بالعين، وبَصُرْتُ من البصيرة، ومنه قوله تعالى: (قال بصرت بما لم يبصروا به).

ويقولون: قال فلان: كَيْت وكَيْت، فيوْهَمُون فيه؛ لأنّ العرب تقول: كان من الأمر كَيْتَ وكَيْتَ، وقال فلان: ذَيْت وذَيت، فيجعلون كَيْت وكَيْت كناية عن الأفعال، وذَيْتَ وذيت كناية عن المقال.

ويقولون: كِلاَ الرّجُلين خرجا وكلتا المرأتين حضرتا، والاختيار أن يوحَّد الخبر فيهما، فيقال: كلا الرجلين خرج، وكلتا المرأتين حضرت، لأنّ كلا وكلتا اسمان مفردان وُضِعا لتأكيد الاثنين والاثنتين، وليسا في ذاتهما مثنَّين، ولهذا وقع الإخبار عنهما كما يخبَر عن المفرد. وبهذا نطق القرآن في قوله تعالى: (كلتا الجنتين آتت أكلها) .

ويقولون للدّاء المعترض في البطْنِ: الْمَغَص بفتح الغين، فيغلَطون فيه، لأن المغَص بفتح الغين هو خيار الإبل. فأمّا اسم الدّاء هو المَغْص بإسكان الغين، وقد يقال بالسّين.

ويقولون: قاما الرّجلان وقاموا الرجال، فيُلحقون الفعل علامة التثنية والجمع. ووجه الكلام توحيد الفعل، كما قال سبحانه في المثنى: (قال رجلان)، وفي الجمع: (إذا جاءك المنافقون).

ويقولون: امرأة شكُورة ولَجُوجة وصَبُورة، فيُلحقون هاء التأنيث بها، فيوْهَمون فيه؛ لأن هذه التاء إنّما تدخل على “فَعول” إذا كان بمعنى “مفعول” كقولك: ناقة رَكُوبة وشاة حَلُوبة؛ لأنهما بمعنى مركوبة ومحلوبة، فأمّا إذا كان فعول بمعنى فاعل، فيَمتنع من إلحاق التّاء به، وتكون صفةً مؤنّثة على لفظ مذكّره.

ويقولون: لمن يأتي الذنب متعمدا: قد أَخطأَ، فيحرفون اللفظ والمعنى؛ لأنه لا يقال: أخطأَ إلاّ لمن لم يَتَعمّد الفعل أو لمن اجتهد فلم يوافق الصَّواب، وإيّاه عنى صلى الله عليه وسلم بقوله: “إذا اجتهد الحاكم فأخطأَ فله أجرٌ”. أما المتعمِّد الشيء فيقال فيه: خَطِئ فهو خاطئ، والاسم منه الخطيئةَ، والمصدر الخِطْء بكسر الخاء وإسكان الطاء، كما قال تعالى: (إن قتلهم كان خطئا كبيرا).

ويقولون لمن بدأ في إثارة شرٍّ أو فساد أمر: قد نَشَّب فيه، ووجه الكلام أن يقال: قد نشَّم بالميم لاشتقاقه من قولك: نَشَّم اللحمُ، إذا بدأَ التّغيّر والإرْواح فيه.

ويقولون: ودّعتُ قافلة الحاجّ، فينطقون بما يتضادّ الكلام فيه؛ لأنّ التوديع إنّما يكون لمن يخرُج إلى السّفر، والقافلة اسمٌ للرفقة الراجعة إلى الوطن، فيكف يقرن بين اللفظتين مع تنافي المعنيَيْن؟ ووجه الكلام أن يقال: تلقيت قافلةَ الحاجّ، أو استقبلت قافلةَ الحاجّ.

ويقولون: فلان أَنصفُ من فلان، إشارة إلى أنّه يفضُل في النَّصفَة عليه، فيحيلون المعنى فيه، فأمّا إذا أريد به التفضيل في الإنصاف، فلا يقال إلاّ: هو أحسنُ إنصافاً منه أو أكثر إنصافا، وما أشبه ذلك.

ويقولون لمن أصابته الجَنَابَةُ: قد جُنِب، فيوْهَمون فيه، لأنّ معنى “جُنِب” أصابته ريح الجنوب، فأمّا من الجنابة، فيقال فيه: أُجْنِب.

ويقولون: عندي ثمان نسوة وثمان عشرة بطاقة وثمانمائة درهم. فيحذفون الياءَ من ثمان في هذه المواطن الثلاثة، والصّواب إثباتها فيها، فيقال: ثماني نسوة، وثماني عشرة بطاقة، وثماني مائة درهم؛ لأن الياء في ثمان ياءُ المنقوص وياء المنقوص تثبت في حال الإضافة وحالة النّصب كالياء في قاضٍ.

ويقولون: ابتعتُ عبداً وجاريةً أُخرى، فيَوْهَمون فيه؛ لأنّ العرب لم تُضِفْ بلفظتي “آخر” و”أُخرى” إلاّ ما يجانس المذكور قبلَه.

ويقولون: السّبْع الطِّوَل بكسر الطّاء، فيلحنون فيه؛ لأنّ الطِّوَل هو الحبل، ووجه الكلام أن يقال: السَّبْع الطُّوَل بضمّ الطاء.

ويقولون عند نداء الأبوين: يا أبَتِي ويا أُمَّتي، فيُثبتون ياء الإضافة فيهما مع إدخال تاء التأنيث عليهما، ووجه الكلام أن يقال: يا أَبَت، ويا أُمَّتِ، بحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسر، كما قال تعالى: (يا أبت لا تعبد الشيطان) .

ويقولون: عيَّرتُه بالكذب، والأفصح أن يقال: عيَّرتُهُ الكذِب بحذف الباء.

ويقولون: ابْدَأْ به أوَّلا، والصّواب أن يقال: ابدأْ به أَوَّلُ بالضمّ.

ويقولون لمن نبت شاربُه: قد طُرَّ شاربُه بضم الطاء، والصواب أن يقال: طَرَّ بفتح الطاء، كما يقال: طَرَّ وَبَرُ الناقة، إذا بدا صغارُه وناعِمُه. فأما طُرَّ بضم الطاء فمعناه قُطع. وأما قولهم: جاء القوم طُرّاً، فهو بمعنى جاء القوم جميعا، وانتصابه على الحال.

ويقولون: رَكَض الفرسُ بفتح الراء، وقد أقبلت الفرس تَرْكُض بفتح التاء، والصواب أن يقال: رُكِضَ بضم الراء، وأقبلت تُرْكَضُ بضم التاء، وأصل الرَّكْض في اللغة تحريك القوائم، ومنه قوله تعالى: (اركض برجلك).

ويقولون أيضا: حكَّني جسدي، فيجعلون الجسدَ هو الحاكَّ، وعلى التحقيق هو المَحْكُوك، والصحيح أن يقال: أَحَكَّنِي جسدي، أي ألجأَني إلى الحكِّ.

ويقولون: اشْتَكَتْ عَيْنُ فلان، والصواب أن يقال: اشتكى فلانٌ عينَه، لأنه هو المشْتَكي لا هي.

ويقولون في جواب مَنْ قال: سألتُ عنك: سأل عنك الخير؛ فيستحيل المعنى بإسناد الفعل إليه؛ لأن الخير إذا سأل عنه فكأنَّه جاهلٌ أو متناه عنه، وصواب القول: سُئِل عنك الخير، أي كان من الملازمة لك والاقتران بك بحيث يُسأل عنك.

ويقولون للاثنين: هاتا بمعنى أعطيا، فيخطئون فيه، لأنّ هاتا اسم للإشارة إلى المؤنثة الحاضرة. والصواب أن يقال لهما: «هاتيا» بكسر التّاء؛ لأن العرب تقول للواحد المذكر: هاتِ بكسر التاء، وللجمع هاتوا.