يخلد العالم في الخامس والعشرين (25) من نونبر من كل سنة، منذ العام 1991، اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء، الظاهرة التي تعرف تزايدا مستمرا في جميع أنحاء العالم مع اختلاف في النسب، والتي تأخذ أشكالا متعددة بين الجانب الجسماني والجنسي والنفسي..

ما هو العنف ضد المرأة؟ وما حظ المرأة المغربية من هذا العنف؟ وما أشكاله؟ وما السبيل لمحاربته؟ هذا ما سنحاول ملامسته من خلال هذا المقال.

تعريف العنف ضد المرأة: يعرف “الإعلان بشأن القضاء على العنف ضد المرأة”، الصادر عن الأمم المتحدة في دجنبر 1993، في مادته الأولى، “العنف ضد المرأة” بأنه:

“أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يُرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعالٍ من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة”.

وينص في مادته الثانية على أن: “العنف ضد المرأة يشمل على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

أ- العنف البدني والجنسي والنفسي الذي يحدث في إطار الأسرة بما في ذلك الضرب والتعدي الجنسي على أطفال الأسرة الإناث، والعنف المتصل بالمهر، واغتصاب الزوجة، وختان الإناث وغيره من الممارسات التقليدية المؤذية للمرأة، والعنف غير الزوجي والعنف المرتبط بالاستغلال.

ب- العنف البدني والجنسي والنفسي الذي يحدث في إطار المجتمع العام بما في ذلك الاغتصاب والتعدي الجنسي والمضايقة الجنسية والتخويف في مكان العمل وفي المؤسسات التعليمية وأي مكان آخر، والاتجار بالنساء وإجبارهن على البغاء.

ج- العنف البدني والجنسي والنفسي الذي ترتكبه الدولة أو تتغاضى عنه، أينما وقع.

العنف في أرقامتشير إحصائيات أعدتها جمعيات نسائية وحقوقية مغربية إلى أن أشكال العنف ضد المرأة تتخذ أشكالا متعددة من بينها العنف القانوني الذي يتمثل في عدم تنفيذ القوانين الخاصة بالإنفاق على المرأة والأسرة من طرف الآباء ويشكل هذا العنف نسبة 41 %. ويأتي في المرتبة الثانية العنف الجسدي بنسبة 30,8%، ثم النفسي بنسبة 18%، والعنف الجنسي بنسبة 2,9%. وللتذكير فهذه الأرقام تبقى نسبية لكون المرأة المغربية تتحفظ كثيرا في الإفصاح عن وضعيتها في هذا المجال.

وقد ربطت هذه الإحصائيات هذه النسب باشتغال المرأة وبمعدل العيش وبالظروف الاجتماعية والثقافية المحيطة بالأسر. فالنساء الفقيرات يتعرضن لعنف أكبر بنسبة ثمانية (8) من عشرة (10) يتعرضن للعنف، و75% ممن يمارسون العنف ضد زوجاتهم هم في الغالب أميون.

وتصاعد العنف ضد المرأة في المغرب رغم التعديلات التي شهدتها قوانين الأسرة من خلال إصدار مدونة جديدة للأسرة، بحيث لم تستطع تلك التعديلات تحسين وضعية المرأة أو وقف معاناتها على أرض الواقع.

وقد اقترحت بعض الدراسات إحداث شرطة نسائية تابعة للضابطة القضائية، تتلقى شكايات المرأة المعنّفة، وتشارك في مختلف قضايا الأسرة وتنظيم مؤسسة المساعدات الاجتماعية لإدماج المعنفات ضمن قضاء الأسرة.

أشكال العنف الممارس على المرأة المغربيةإن العنف ضد المرأة لا يقتصر فقط على الاعتداء الجسدى أو المعنوى على شخصها بل يقصد به كل سلوك، فردي أو جماعي، مباشر أو غير مباشر، يرمي للنيل من شخصية المرأة واحترامها وإحباط قدراتها وكسر ثقتها بنفسها وتقليل قيمتها كإنسان كاملة القوى العقلية والنفسية، وحرمانها من ممارسة حقوقها الدينية والدنيوية كاملة غير ناقصة.

ويمكن أن نصنف العنف الحاصل على المرأة في المجتمع المغربي إلى:

عنف جسدي:

يعتبر العنف الأسري الأكثر بروزا في المجتمع المغربي حيث إن 7 من بين كل 10 سيدات يتعرضن للعنف المنزلي. ذلك أن التركيبة الأسرية المغربية قائمة على تصنيف المرأة تابعة للرجل سواء في بيت أهلها أو في بيت زوجها، حيث للرجل سلط كثيرة لا تمتع بها المرأة. وكثيرا ما تتعرض النساء للإهمال وعدم الإنفاق، بل وحتى للضرب والجرح وفي بعض الأحيان الحبس، وما حكاية الرجل الذي حبس زوجه في آسفي سنوات عديدة عنا ببعيدة. ناهيك عن العنف من الأخلاء والعنف الناتج عن المشاجرات.

ونظرا للوضعية الاقتصادية المتدنية لدى فئات عريضة في المجتمع المغربي تتعرض الصغيرات إلى خروجهن للعمل في سن مبكرة، وهذا في حد ذاته عنف في حق الطفولة؛ فإذا كان العمل مضن للكبار فما بالك بالصغيرة التي لم يكتمل نموها الجسدي والذهني بعد، بالإضافة إلى ما يلحق الطفلات من سب وقذف وضرب وجرح بل وحرق كما هو الشأن بالنسبة لخادمات البيوت مثلا.

إلى هذه الأصناف أحب أن أشير إلى صنف آخر أهملته الدراسات والتقارير المغربية في هذا المجال، صنف المدمنات اللائي يصبحن في كثير من الأحيان جسدا ميتا يتنقل بين أجساد الرجال وقد يؤدي بهن الإدمان إلى ضرب وحتى جرح أنفسهن بأيديهن.

عنف جنسي:

هو كذلك ينتشر في المغرب بشكل كبير، ويزداد الأمر سوءا عندما يتعدى هذا النوع من العنف النساء الناضجات إلى القاصرات، ويزداد وحشية عندما يتعداهن إلى الطفلات الصغيرات. وإن ما نسمع ونقرأ في الجرائد اليومية عن هذه الحالات لمِمّا يدمي الفؤاد. ويكون الاغتصاب من الغريب والقريب، بل وحتى رب العمل والمدرس والطبيب. يشترك في هذا النوع المريض والجاهل والمتعلم.

ناهيك عن ظاهرة التحرش في الشوارع وهو مرض مستشر في المجتمع المغربي لا تكاد تنجو منه امرأة.

أضف إلى هذا العنف الممارس على النساء داخل السجون ..

عنف نفسي:

يدخل في هذا العنف التهديد والإهانة سواء في البيت أو الشارع أو العمل، بل وحتى على مستوى الدولة.

عنف اقتصادي:

ويكون بالاستيلاء على الأجرة والممتلكات من طرف الزوج أو الأقرباء.

عنف قانوني:

ويكون بغياب ترسانة قانونية تحمي حقوق المرأة، أو بعدم إخضاع القوانين الجاري بها العمل في هذا المجال إلى تطبيق صارم يحمي المرأة من التلاعب بحقوقها.

قضية المرأة والمدخل للإصلاحإن قضية العنف ضد النساء قضية مركبة ومعقدة، تتداخل فيها عدة عوامل: دينية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية. غير أننا نكون قد ساهمنا في ظلم المرأة إن نحن بحثنا أسباب الظاهرة دون الرجوع لجذورها الحقيقية الضاربة في التاريخ. ونكون قد جزأنا القضية إن نحن تناولناها بمعزل عن قضية المجتمع والأمة ككل، فجزء كبير مما يقع من عنف على النساء يطول الرجل أيضا. فلنلق نظرة سريعة من أعالى التاريخ على وضعية المرأة، علّنا نستشف بعض الحقائق المحيطة بالموضوع.

احتلت المرأة في الفكر الإسلامي مكانة مرموقة فهي الأم التي جعلت الجنة تحت أقدامها، وهي الزوج التي أوصى بها الله تعالى خيرا وما فتئ رسول الرحمة المهداة للعالمين يُذكّر بذلك حتى آخر لحظات عيشه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه وسلم تسليما، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أوصى وهو على فراش موته: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، وجعل يكررها ثلاثا. أوصى بالصلاة وهي عماد الدين، وأوصى بالمرأة وهي عماد الأسرة خصوصا والمجتمع عموما.

في الجاهلية كانت المرأة تعتبر عارا يسعى القوم للتخلص منه منذ الولادة بوأدها، وكان يتم توريثها مع الأشياء في نظرة دونية تحقيرية لها، وغير هذا الفعل في الجاهلية كثير. ثم جاء الإسلام فسما بالمرأة إلى مكانة تضاهي أخاها الرجل، بل وزادت بالتكريم الإلهي النبوي لها .. لا يكرم المرأة إلا كريم.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) (البقرة 228)، وفي سورة النساء: (وعاشروهن بالمعروف) (النساء 19).

ولقد جاء الخطاب الإلهي في القرآن الكريم بصفة المسلمين والمؤمنين والناس …. كلمات جامعة يدخل فيها الرجل والمرأة على حد سواء (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء) (النساء1).

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اتقوا الله عز وجل في النساء فإنهن عوان (أي أسيرات) بين أيديكم، أخذتموهن على أمانات الله)، وعنه عليه الصلاة والسلام: (ما زال جبرائيل يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه سيحرّم طلاقهن).

توالت على الأمة الإسلامية الشاهدة بالحق بعد عهد النبوة والخلفاء الراشدين فتن وانكسارات مع عهود العض والجبر تغيرت معها معالم العيش الكريم الذي حظي به الصحابة والصحابيات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقع الظلم على الرجل والمرأة معا؛ غير أن المرأة عانت الأمرّين، فقد عانت مما كان يعاني منه الرجل سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وزادت عليه بمعاناتها من الرجل نفسه. وما ابتعدت الأمة عن التربية الإسلامية الربانية التي أرادها لها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا وزادت معاناة المرأة.

إننا إذ نتكلم في الموضوع لا نبغي إلا وضع الأصبع على جرح من جراح الأمة ما يزال مفتوحا، لنذكر أن قضية المرأة لا ينبغي أن تعالج إلا انطلاقا من قضية أمتها ككل، فالتاريخ يشهد أنه كلما كان الظلم أعتى كانت معاناة المرأة أشد. وليكفّ من بيدهم الأمر عن إعطاء حلول جزئية لم ولن تنفع القضية في شيء، فبالأمس هلّل وصفق الكثير للتعديلات التي أدخلت على مدونة الأسرة، وكثر الكلام حول كونها ستخرج المرأة المغربية مما تعيشه من واقع مزر، واليوم يكشف البعض عن عدم جدوى هذه التعديلات على أرض الواقع في حين يسكت الباقي، وهو الأكثر، حتى لا يدخل نفسه في منطقة الحظر. وفي محاولة يائسة لإنقاذ الوضع تقترح بعض الدراسات الرسمية إحداث شرطة نسائية ضمن جسم الضابطة القضائية لتلقي الشكايات.. تمخض الجبل فولد فأرا.

إن قضية المرأة تضرب جذورها في التاريخ ويتداخل فيها ما تعيشه البلاد من مشاكل كلية، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. قضية أمة مكلومة مظلومة غاب عنها الحق واحتل مكانه الباطل. إننا اليوم لأحوج ما نكون إلى البحث عن حلول جذرية عميقة تخرج الأمة، رجالا ونساءا، شيبا وشبابا، مما يعيشونه من ظلم؛ وهذا لن يحدث إلا بتكاثف جهود كل الفاعلين في البلد، المنافحين عن قضاياه، ذوي المروءات والغيرة والنوايا الحسنة وما أكثرهم، من ذوي الاختصاص، يدا في يد ويد الله مع الجماعة. وما دمنا نُصرّ أن نكون في منأى عن ذلك فإن قضية المرأة، كغيرها من قضايا هذا البلد الحبيب، ستظل معلقة إلى حين.

نسأل الله تعالى ألا نجد أنفسنا في السنة المقبلة، في ذكرى مثل هذه، نجتر الكلام عن نفس المآسي. وكل عام والمرأة المغربية بخير.