عَرَفْتَ فَالْزَمْلئن أَقَرَّ الصحابيان الجليلان بما كان لمعافسة الأزواج والأولاد والضيعات من أثر عليهما، عَدَّاهُ هُمَا نفاقاً، فإنما هو من شدة صفاء روحَيْهِما ومن فرط تعلُّقهما بالدار الآخرة ومن عِظَمِ أَثَرِ ما سُكِبَ في جَوْفَيْهِمَا من معاني حبه والتعلق به صلى الله عليه وآله وسلم. وليس يظهر أثر الشائبة اليسيرة كما يظهر على صفحة المرآة الصافية النقية. وإلاَّ فأي حظ من حظوظ الدنيا كان لِمَنْ لم يترك لأهله عند الهجرة إلاَّ اللهَ ورسولَه؟ وما أعظم ما تَرَك وأنْعِمْ بما تَرَك.

روى الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: “كيف أصبحت يا حارثة”؟ قال: أصبحتُ مؤمناً حقاً. قال: “اُنظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك”؟ قال: عَزَفَتْ نفسي عن الدنيا، فَأَسْهَرْتُ ليلي وأَظْمَأْتُ نهاري، وكأني أنظر عرشَ ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يَتَضَاغَوْنَ فيها (يتصايحون)؛ قال صلى الله عليه وسلم: “يا حارثة: عرفت فالزم”.

ما عاد العرشُ ولا الجنةُ ولا النارُ غيباً مُغَيَّباً عن قلبه؛ بل أصبح من شدة عزوفه عن الدنيا وإقباله على الآخرة كأنه من ساكنتها وأهلها. ولهذا أُثِرَ عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال: “لو كُشِف الغطاء ما ازددتُ يقينا”. ومَنْ كان هذا شأنَه كيف تَغَرُّهُ دنيا أو تتشوق إليه أو تتعرض؟ وأنى يحلو له شراب وقد حَلِيَ جوفُه ورَطُبَ لسانُه بذكر حبيبه؟ وهل يهنأ له جفن بغفوة بعيداً عن مهوى فؤاده وغايةِ مُراده؟

فماذا عرف حارثة حتى استوى به عنده التِّبْرُ والتراب؟

عرف ما لا مزيد على معرفته: “وأن إلى ربك المنتهى”1.

عَرَفَ اللهَ.

في الحديث الصحيح: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”2. والإحسانُ أعلى درجات الدين والقربِ من الله تعالى. والصحابي الجليل أدرك درجةً من الدين وارتقى مُرْتَقىً من القرب كان بهما كأنه ينظر إلى عرش الرحمن بارزا.

فَلِمَ أمره المعلم المربي صلى الله عليه وآله وسلم بلزوم منتهى هذه المعرفة؟ أليس من طبيعة المعرفة أن تَثْبُتَ لدى صاحبها وتترسَّخَ فتستعصِيَ على التَّفَلُّتِ والنسيان؟

تَفَلُّتُ المعانيليست المعاني الإيمانية والمعارف القلبيةُ التي حثَّ المعلم المربي صاحبَه على لزومها معلوماتٍ عقليةً مُجَرَّدة أو رصيداً ثقافيا يُخَزِّنُه الدماغ -أيُّ دِمَاغٍ- فَيَمْتَلِئُ جوفُ ابنِ آدمَ إِثْرَهَا إيماناً! أَبَداً.

وليست هذه المعاني والمعارف أفكاراً يستوعبها العقل ويجتهدُ يفكِّكُ عناصرها ويَكِدُّ يُحَلِّلُ مضمونَها ويُوَلِّدُ منها أفكاراً جديدة فيُكْشَفُ عنه الغطاءُ ويُفتَحُ له الباب! أنَّى له؟

وليست هذه المعرفة مضموناً يابساً جامداً ثابتاً لِلَفْظَةٍ أو مفهوماً فلسفيا هلاميّاً غامضاً تلعب الأسئلَةُ الْمُتَنَاسِلَةُ بصاحبه لَعِبَهَا، إِذاً لَكَانَ بُدِّلَ أَهْلُ المعرفة وقاموسُ الولاية ومعيارُ الإيمانِ في تاريخ البشرية تبديلاً!

قد تحتاج بعض المعاني والمعارف الإيمانية إلى لغةٍ حاملةٍ وقاموسٍ شارح حاجةَ اللَّبَن إلى سِقاءٍ يستوعبه وأكوابٍ، ولكن اللغة البشرية لا تَصنع المعرفةَ مثلما لاَ يصنع السِّقاءُ لَبَناً خالصاً سائغاً للشاربين. إلاَّ لغة القرآن؛ فهي صانعة المعرفة، وهي هي ذاتُها عينُ المعرفة.

ولكن ما هي هذه المعاني الإيمانية والمعارف القلبية؟

المعنى القلبي الإيماني، إن مُثِّلَ، كائنٌ حي له روح: يَقْوَى ويضعف ويحضر ويغيب ويحيى ويموت بحسب ما يَرِدُ إلى القلب من أسباب قوةِ أو ضعفِ وحضور أو غياب وحياةِ أو موتِ تلك المعاني والمعارف. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي موسى: “مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت”، أي إن العبد يجتهد في ذكر الله تعالى فيَرِدُ إلى قلبه ويحيى فيه ويَقْوَى معنى مَعِيَّتِهِ سبحانه (أنا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بى شفتاه) 3، ويَغْفُلُ فيضعف هذا المعنى فيه أو يغيب أو يموت والعياذ بالله. لَكَأَنَّ الله تعالى نفخ في حَمَإِ كلِّ إنسان قابليةَ تَمَثُّلِ جملةٍ من المعاني والمعارف المتنوعة تَنَوُّعَ ما يطلب سبحانه إليه أن يَبْنِيَهُ في ذاتِ روحه من أركان الإسلام ويتشرَّبَه من شُعَبِ الإيمان ويرقاه من درجات الإحسان.

روى الإمام أحمد عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَلُّتاً مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْ الإِبِلِ مِنْ عُقُلِهِ”. شبَّه صلى الله عليه وسلم تَفَلُّتَ المحفوظِ من كتاب الله من قلوب من لم يتعاهدوه بالحفظ والمراجعة بِتَفَلُّتِ الإبل من عُقُلِهَا. وكذلك تتفلت المعاني الإيمانية من قلب العبد فتضعف أو تغيب أو تموت إن لم يتعاهدها بالصحبة الْمُذَكِّرَة ويجددْها بالتزكية المطهِّرة.

ولئن كانت الآيات والألفاظُ والْمَبَانِي القرآنيةُ تَتَفَلَّتُ تفَلُّتاً من قلوب من لم يأخذ بالوصية النبوية فإن تفلُّتَ المعاني الإيمانية والمعارف الإحسانية منها أسرع. ذلك أنك تجد من يحمل في صدره من كلام الله تعالى ما لا رصيد له في قلبه من معانيه ومعارفه الإيمانية إلا كما للقابض على الماء منه: حَمَلَ المباني وضَيَّع المعاني نسأل الله العافية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الاِنسلاخوأعظمُ وأشْأَمُ مِنْ هذا حالُ مَنْ أمر الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يتلو على بني إسرائيل نَبَأَه لنتفكَّر نحن وَنَحْذَرَ نحن ونتعظَ نحن:

“وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ”.

هذا هو نبأ “الذي” كان أسرعَ في انسلاخه من الحق من الأفعى من جلدها، وأسبقَ إلى إغواء نفسه من الشيطان ذاتِه إليها. وهذا هو نبأ ذاك “الذي” انقلب وهوى على أُمِّ رأسه من أعالي شَرَفِ حَمْلِ آيات ربه إلى هاوية التكذيبِ بها والعياذ بالله، “وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ”؛ سَكَنَ إليها سكون الحالِّ الخالد ولَزِمَهَا لزوم المقيم المطمئن ونسي أنه عنها من المرتحلين. وَمِنْ شدة تَمَكُّنِ الهوى من ذاك “الذي”، ما كان لديه استعدادٌ ليقتلع جُذُورَ ذاتِه من أرض الحظوظ والشهوات فيرتفعَ ويرقى. ومَنْ كان هذا حالَه فأي صفة أَنْسَبُ له وهو “الذي” لَمْ تَسْكُبْ عليه آيات الله تعالى -إذْ كان يحملها- من أنوارها ما يجعله قمينا إلاَّ بصفة واحدة: “فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث”؛ لا ينفع معه ترغيب ولا ترهيب ولا بشارة ولا نذارة ولا وعْد ولا وعيد وهو اللاَّهِثُ على كل أحواله.

وهذا ليس حالَ ومثلَ ذاك “الذي” وحدَه، بل إن “ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا” على مدى الأزمان؛ “فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”4.

وما كانت هذه دعوةً لِلتَّفَكُّرِ خاصةً بني إسرائيل، بل كانت دعوةً مُسْتَبْطَنَةً لعامَّةِ المؤمنين، والسَّعيدُ مَنْ وُعِظَ بغيره. بل لم يكن أحَدٌ أعظمَ فَهْماً للرسالة المقصودة في هذه الآيات من صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام. ولم يكن ولن يكون أحدٌ أعظمَ تفاعلاً بوحي الله تعالى وأكثرَ فهماً عن الله فيه وأشدَّ حرصاً على استمرار مَدَدِهِ وتَجَدُّدِ عطائه من المعلم المربي صلى الله عليه وآله وسلم.

استمع معي إلى هته الآية من سورة الإسراء: “وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً، إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ؛ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً”5. أنْصِتْ مع الْمُنْتَصِتِينَ واستجمع قلبَكَ وروحَكَ وخيالَكَ ومشاعرَك ولْنَتَفَكَّرْ معاً في حالِ قَلْبِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلقى من ربه هته الكلماتِ الثقيلةَ وفي طَرَفَيْهَا التذكيرُ القوي الشديد بقدرة الله المانع من ناحية ومَنُّ الملك الوهَّابِ المتفضِّل من ناحية ثانية، وبينهما رحمةُ الراحمِ الخاصَّةُ المطَمْئِنَةُ لقَلْبِ حبيبِ الله صلى الله عليه وآله وسلم. (ارجع إن شئت إلى سياق الآيتين الكريمتين من سورة الإسراء ابتداءً من الآية 73).

“وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ”، وسبحان من له القدرة على أن يذهب بما في الصدور وبما في السطور معاً فلا يبقى منه ومن بركاته ومن مدده ومن أنواره ومن خيره على الْمُوحَى إليه به وعلى المبعوثِ إليهم به من شيء؛ تماماً كما له القدرة سبحانه على الذهاب بما جعل منه كلَّ شيء حيٍّ: “وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ”6. فأي حياة بَعْدُ إن جعل الله ماءَنا غوراً؟ هو الموتُ عَيْنُهُ. وأي حياة بَعْدَ ذهاب الوحي لمن أُحْيِيَ به من موات وأَنِسَ به من وحشة وتَنَوَّرَ به من ظُلُمات؟ هما مِيتَتَان اثنتان.

صحبة الوحياُذْكُرْ معي وتَفَكَّر وتأمَّلْ كيف كان حاله صلى الله عليه وسلم إذ انقطع عنه الوحي في أول البعثة؛ أَلَمْ يكن يَهُمُّ صلى الله عليه وسلم بالتردِّي من على رؤوس الجبال لولا أن الله تعالى تدارَكَه بـ”الضحى” ومنَّ عليه فيها بالصِّلةِ والبشارةِ والرِّضا؟ وقد كان هذا في أول أيام البعثة وفي أول عهده صلى الله عليه وسلم بتذَوُّقِ الوحي، فكيف كان يكون حاله صلى الله عليه وسلم بعد أن استأنس بكلمات الرب واصطبغَ بصبغتها واستنار وتَنَوَّرَ بنورها حتى أضحى صلى الله عليه وآله وسلم كُلُّه كُلُّهُ نوراً من نور؟!

كان ذاك حالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما أصحابه رضي الله عنهم فقد شَهِدُوا الوحيَ يَتَنَزَّلُ بين ظُهرانيهم موجِّهاً مبشِّراً منذراً مذكِّراً معلِّماً حَكَماً مؤنساً مؤيِّداً مزهِّدا في الدنيا مرغِّباً في الآخرة، فارتبطت قلوبهم بآياته وتعلَّقَتْ أفئدتهم بأهدابه وتشرَّبَتْ أرواحُهم سَنِيَّ أشعته حتى إنهم كانوا ينتظرون في كل حادثة فَصْلَ الخطاب من آياته البينات. فلما التحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بربه وتَمَّتْ نعمة الله عليهم انقطع ما كان يوحى إليه من القرآن. مصيبتان اثنتان في واحدة: الوفاة وانقطاع الوحي. فَتَخَيَّلْ حالَ أبِي بكرٍ وعمر وجماعةِ المؤمنين وقد استأنسوا بالوحي وتنوروا به واصطبغوا بصبغته وكفاهم في ملمات الأمور بقوله الفصل!

روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلقْ بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها. فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: إني لا أبكي أَنِّي لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء؛ فَهَيَّجَتْهُمَا على البكاء، فجعلا يبكيان معها).

بكاءُ المؤمن الشَّيِّقِ إلى مَدَدِ القرآن، الْمُؤْتَمَنِ الْمُشْفِقِ على نفسه من أمانة أُمَّةِ القرآن.

في الحديث النبوي الذي مَرَّ بنا يوصينا المعلم المربي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أن نتعاهد القرآن لأنه: “أَشَدُّ تَفَلُّتاً مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْ الإِبِلِ مِنْ عُقُلِهِ”؛ وفي آيات الأعراف يتلو علينا المعلم المربي صلى الله عليه وآله وسلم من آيات الله ما يحذِّرنا به تعالى أن نكون مثل ذاك “الذي” آتاه الله آياته “فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ”. وفي آيات الإسراء يُذَكِّرُ سبحانه نبيَّه بعظيم قدرته وخصوص فضله عليه وبرحمته به صلى الله عليه وسلم.

ولعل في ما سبق من آياتٍ سِرَّ ما شَيَّبَه صلى الله عليه وسلم من أَمْرِ وَنَهْيِ سورة “هود”:

“فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا، إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ”7.

الاستقامة تَمَامُ الطاعةِ والاستسلامِ لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ودوامُ الْقَصْدِ في سلوك السبيل إليه سبحانه -في غير التفاتٍ- دَوَامَ النَّفَسِ الْمُلْهَم، ولُزُومُ الإخلاص لله عز وجل لزومَ الروحِ في البدن، وكمالُ الافتقار إليه تعالى في كل شأن، والدعوةُ إليه سبحانه على بصيرة، ولقاءُ العبدِ رَبَّه في دار الجزاء على العهد والميثاق غير مبدِّل ولا مُغَيِّر.

والطغيان أوَّلُهُ هَوىً فزَيْغٌ فاستغناء، وآخره عَمىً فعُدْوَانٌ فَكُفْر. نعوذ بالله من الحرمان بعد العطاء.

فَمَنْ للعبد يهديه في ظلمات الدنيا ويَسْلُكُ به بين شِعاب الهوى وخلال أودية النفس الأمارة سلوكاً إلى المقصد الأسنى والغاية الأسمى: معرفةِ الله تعالى؟

وهل بِمُكْنَةِ أَيٍّ كان أن يدل الناس على الله ويُعَرِّفَهم إليه سبحانه؟

ومن ذا الذي يستطيع أن يربط قلوب العباد بالله وبالدار الآخرة كأنهم “رأي عين” كما ربط المعلم المربي صلى الله عليه وآله وسلم قلوب أصحابه؟

وبأية بصيرة؟

وتحت أيِّ نور؟

“لا أحب الآفلين”وفي السماء من الكواكب المنظورة ما أَفَلَ في الزمن الغابر ولم تدرك الأبصار القاصِرَةُ أُفُولَه بَعْدُ، وفيها ما وُلِدَ آفلاً، وفيها ما خلقه الله تعالى نوراً نَيِّراً منيراً من أول ما خُلِقَ ولا أُفول له إلى قيام الساعة حيث “تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ”8، لا يفارقهم حتى يُشَيِّعَهُم إلى غايتهم ومُناهم.

وما النور الخالد الذي أْتَمُّوا به في الدار الدنيا واقتدَوْا فاهتدوا وامتدت به الحياة إلى الدار الآخرة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ليبلِّغَهم ما بُشِّرُوا به غيرُ النورِ التَّامِّ الكاملِ سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.

ربما وجد العبدُ شعاعَ جذوةٍ يستنير به، غير أنه لا يكاد يبرق حتى يخبو فلا يجد من أثره في نفسه سوى زادٍ ثقافي معلوماتي تحترق بعضُ تجلِّياتِه وصُوَرِهِ الروحيةِ في مُحَرِّكِ الحركة الميدانية والقلبُ من معاني الإيمان خالٍ وإليها صَدٍ، فما يسلك به في عتمة ليل طويل وبيداءٍ موحشة إلى غايته ومراده -إن كانت له غاية وكان له مراد!

فهل يكفي أن يكون للحديثِ أو للعملِ أو للحركة أو للمشروعِ الذي أنضوي تحت لوائه عنوانٌ ربَّانِيٌّ حتى أضمن لنفسي سلوكاً على بصيرة إلى معرفة الله على عين نبي الله وتحت ظل حبيب الله وعلى منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

وهل يَصْلُحُ أمرٌ من أُمُور الدين أو الدنيا إن دخله العبد من غير باب الإقبال على شَأْنِ ذات النفس في سياق المشروع النبوي الكامل؟

ما خلق الله الخلق إلاَّ لغاية واحدة وحيدة: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”9، ولا بُعِثَ صلى الله عليه وسلم إلاَّ ببرنامجٍ واحد وحيد: “إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”10؛ فكلُّ حديثٍ وكل عملٍ وكل حركة وكل مشروعٍ لا تكون عبادةُ اللهِ والاعتصامُ بحبله ومعرفتُه ومحبتُه غايتَه ومُرادَه ومَدَاهُ ومنتهاه وتربيةُ النفسِ وتقويمُها وتزكيتُها والإقبالُ على شأنِها برنامَجَه وذكرُ اللهِ والدارِ الآخرة دَأْبَهُ ودَيْدَنَهُ وَنَفَسَهُ وهَوَاهُ وَهَوَاءَهُ ولُبَّهُ ومَرْكَزَهُ ومِحْوَرَهُ فلا أصل له إلى سُنَّةٍ ولا نَسَبَ له إلى كتاب. أبداً.

ومن سلكَ سبيلاً مَدَاهُ ومُنتهاه معرفةُ الله وبرنامَجُهُ التمثُّلُ والتأسي بِخُلُق نبيِّ الله كان حظُّه من معاني الإيمان ومعارف الإحسان أكبر، وكانت روحه أصفى وأنقى وأرقى، وكان أحرى أن يجذب بحياتها وعلى قدْرِها الأرواحَ إلى الغاية السامية كما يجذب المغناطيسُ المعادنَ، وكان لنجمه بَريق ونور يهتدي به الناس -على قَدْرِه- في ظلمات الدنيا كما يهتدون بالنجم في ظلمات البر والبحر. فإن كان لهذا النجم أصل وَوَصْلٌ وصِلة ونَسَبٌ وسَنَدٌ إلى النور النبوي الكامل فلا خوف على الْمُدْلِج حتى يبلغ المنزل بإذن الله.

المعاني الإيمانِيّة سراجُ القلب، فَتِيلُها الصحبة الرَّبَّانيَّة الذاكرة المذكِّرة، وزَيْتُها وَوَقُودُها ذِكْرُ الله ودوامُ الافتقارِ إليه جلَّ وعَلاَ، وزجاجتُها ومُكَثِّفُها وحَامِيها خُلُوصُ الصدقِ والقصدُ في طلب وجهه سبحانه. فعلى قَدْرِ قوةِ الفتيلِ ومتانته وامتداده ومَدَدِ الزيتِ الْوَقُودِ وإمدادِه وصفاءِ الزجاجةِ وصلابتها يكون وهج النور وهو المطلوب ليُدْلِجَ العبد إلى الغاية العظمى على نور من ربه وعلى بصيرة.

ولِمَنْ أَدْلَجَ من ربه نفحات وبركات يُنَزِّلُهَا عليه كلما سار مهتديا مقتديا مؤْتَمّاً بالنور الكامل الهادي، مستغرقَ الْفِكْرَةِ والْخَطْرَةِ والنظرةِ في المنزل المقصود والواحد المعبود واليوم الموعود.

اللهم بَلِّغْنَا المنْزل. آمين آمين.

——————————

1- النجم 42.

2- رواه مسلم.

3- رواه الامام احمد وابن ماجه والحاكم عن ابى هريرة رضى الله عنه.

4- الأعراف 175/176.

5- الإسراء 86/87.

6- المؤمنون 18.

7- هود 112.

8- الحديد 12.

9- الذاريات 56.

10- رواه البيهقي.