وضعت حرب الانتخابات أوزارها، وتناقلت ركبان العالم أخبارها، ثم كشفت حرب الاستوزارعن ساق، واستعد كل من هبّ ودبّ وطار وزحف وشمّر للسباق، واشرأبت للكراسي الوثيرة الأعناق، وتهاطلت طلبات الاستوزار من كل الآفاق، وهنا العجب لكن إذا عرف السبب بطل العجب خاصة إذا عشت رجب، وأما وقد بلغك الله -والحمد لله- رمضان وأحياك شوال فانتظر شعبي الكريم العجب العجاب، وعند الله العاقبة وحسن مآب.

العجب

أما العجب الأول:

إن تعجب فعجب هذا التسابق المحموم،على مناصب “أفرغ من فؤاد أم موسى” والمتسابقون إليها أول العالمين أنه لن تقدم ولن تؤخر في الحياة السياسية بالمغرب قيد أنملة، وأن مناصبهم شكلية وكل من يتذرعون ويتحججون قائلين إنما هي خدمة الشعب والصالح العام هي من سلك بهم هذه المسالك، وحملهم على خوض المهالك، هم أول من يعلم أنها كذبة لا تنطلي على أحد، وكم يتمنى هذا الشعب لو نفضوا أيديهم من خدمته فخدماتهم أخوت جيوبه.

وأما العجب الثاني:

فهذه الجرأة على تحمل المسؤولية واستسهال حمل الأمانة وقد كان من هم أكفأ وأكثر تجربة من “عباس وأصحابه وآله والتابعين له” يفرون منها فرار الناس من الأسد خوفا على دينهم وآخرتهم، وحتى من لاحساب عنده لدين أو آخرة فتمنعه حساباته السياسية وبقية رجولة وبقية من رصيد تاريخي ووطني من الخوض مع الخائضين في مهزلة لا يقبل بها حتى الصبيان.

وأما العجب الثالث:

كل من يملك ذرة احترام لنفسه أولا ثم لشعبه لا يمكن أن يتسابق للاستوزار في حكومة لا شعبية لها فأكثر من 70 بالمائة قاطعوا الانتخابات، أي أن الأغلبية التي يقودها حزب الفاسي لا تمثل حتى نفسها، ومنصب الوزير في المغرب شئنا أم أبينا منصب سياسي وإن كان يبدو تنفيذيا دستوريا وعمليا فالحكومات المتعاقبة وإن لم تكن تملك اتخاذ القرار فهي تتحمل المسؤولية السياسية دائما، ونتائج أحزاب الحكومة السابقة في انتخابات شتنبر خير دليل على ذلك.

السبب

أما أول الأسباب: غياب الحساب، فلو أن وزراءنا يحاسبون على أدائهم الحكومي وأخطائهم ومنجزاتهم وفضائحهم أمام ممثلي الأمة في برلمان حقيقي وأمام قضاء نزيه ويقظ، ويحاكمون إن تبث التقصير أو الخطأ، لحسب كل متقدم للاستوزار ألف حساب ولكن إذا اختير المتورط في أكبر فضيحة فساد ونصب واحتيال ليكون وزيرا أولا عرف السبب. وقد قال الشاعر قديما:

إذا كان رب البيت بالدف ضارباً *** فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

السبب الثاني: الوزارة أيسر السبل لملإ “الشكارة” فلم يعد خافيا على أحد في المغرب أن المناصب -علت أو سفلت- صارت من أربح الإسثتمارات وأقصر الطرق للإثراء بلا حق وبلا سبب، فقد صارت أموال الشعب المفقر نهبا على شكل إكراميات وهدايا وهبات و”فيرمات” وملكيات و”بونات”، ولكل منصب عائداته وامتيازاته من “قهيوة” عشرة دراهم في المقاطعات والجماعات إلى “قهيوات” التحويلات السرية لأبناك أوروبا وأمريكا، وشيكات على بياض التي تتنافس عليها الرتب الكبرى في المغرب مدنيين وعسكريين، فكل يوم تطالعنا الجرائد بفضائح فساد مالي يكفي عشر عشرها للإطاحة بحكومات في”دول أوروبا والعالم المتقدم”!!! على رأي القائل ولكن مادمت في المغرب فلا تتعجب.

السبب الثالث: شاءت حكمة الله وسنته في خلقه أن يجعل لكل شيء سببا، ولعل ما وصل إليه المغرب الآن من انحباس سياسي كارثي يشهد به أهل الدار قبل الجار يشكل بوادر تحرك شعبي، يتجاوز النخب والأحزاب وحتى النظام المخزني القائم، ومن لا يفهم الرسائل، ولا يعتبر من دروس التاريخ ولا يحس بنبض الشعوب عليه أن يبتعد عن ممارسة السياسة، فنسبة المقاطعة رسالة قوية ينبغي الوقوف عندها طويلا يضاف إلى ذلك حركة الاحتجاجات الاجتماعية في كل المناطق، وهي احتجاجات ليست تعبيرا عن الفقر والحاجة والغلاء وحسب، بل هي احتجاجات ضد الفساد والظلم الاجتماعي والتفسخ الأخلاقي، احتجاجات ضد الإذلال والاحتقار الذي يشعر به المواطن وهي رسائل موجهة لمن تسلطوا على رقاب الناس بلا كفاءة ولا سابقة ولا اختيار، وصدق الحبيب المصطفى إذ يقول في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) صحيح البخاري.

ولأن لكل ساعته فلا أظن ساعة هذا الظلم إلا قد أوشكت على الانتهاء هكذا تقول سنة الله في كونه، وهكذا بشر حديث المعصوم صلى الله عليه وسلم، فنحن ننتظر ساعة هذا العبث السياسي المخزني المذل وهذا أوانها. نقولها بيقين المؤمنين -جعلنا الله منهم- ونقولها من مجريات الأحداث ومعطيات الواقع المعيش الذي نكابده، مع فقراء الشعب وكادحيه وكادحاته مع إطلالة الشمس إلى مغيبها في الحافلات والمعامل والمصانع والورشات وعلى جنبات الشوارع وبين “الكريانات”، حاضرين شاهدين معانين مواسين مشاركين.

فنحن لم نكن مبالغين ولا واهمين ولا حالمين حين وصفنا الانتخابات في المغرب بـ”الوهم” ولم نكن عدميين حين كررنا دائما أن لا جدوى من انتخابات لا أثر لها فعليا وسياسيا على أرض الواقع، ونحن أيضا لم نشمت بخصومنا ومخالفينا السياسيين، ولم نفرح بعدما صدق الواقع صحة اختيارنا وأخرست النتائج ونسبة المشاركة الضئيلة جدا جدا لسان كل بليغ من أبواق المخزن وحتى بعض المتفائلين من النخب السياسية لأننا، ومرة أخرى ومن موقع المسؤولية المتعالية على كل الحسابات الحزبية الضيقة، نضع أيدينا على قلوبنا خوفا على مستقبل هذا البلد وأمنه، ونقول مجددا إن إحدى أهم الخلاصات التي ينبغي أن ننطلق منها جميعا هي أن المغرب يعيش اليوم” انحباسا سياسيا” ينذر بكوارث غير متوقعة وإن المجتمع لا يثق في العملية السياسية برمتها رغم الضمانات التي قدمتها أعلى سلطة في المغرب، وأن الحكومة لن تفشل بعد سنتين -أو أنها لن تكمل ولايتها لخمس سنوات كما يزعم البعض- بل هي فاشلة منذ الآن، لأنها:

1- فاقدة للسند الشعبي والعمق المجتمعي :بسبب البلقنة وعدم امتلاك أغلب الأحزاب المشكلة للحكومة لقاعدة شعبية،.فالجميع يعتبرها حكومة المخزن لا حكومة الشعب، فالمخزن من اختارها ومن نصبها ومن له حق تعديلها أو إقالتها

2- فاقدة للخبرة السياسية: فحكومة التقنوقراط -مع احترامنا للكفاءات التنفيذية  لا يمكن أن تدير الملفات السياسية بكفاءة لأن الأمة ليست مقاولة تدار بحساب الربح والخسارة، فبعض الملفات لا يمكن التعامل معها بمنطق السوق، وقد كشف تدبير ملف الصحراء جزء من انعدام الخبرة والخلفية التاريخية وستكشف ملفات أخرى عن ذلك خاصة على مستوى العلاقات الخارجية والسياسات الاستراتيجية.

3- فاقدة للمصداقية السياسية فهي لا تمتلك مشروعا مجتمعيا قادرا على تعبئة الشعب وطاقاته ودعونا من خرافة المجتمع “الديمقراطي الحداثي” التي أوجعوا رؤوسنا بها، فالمجتمع المغربي مجتمع مسلم أمازيغي عربي محافظ وأي مشروع لاينبع من هوية الشعب الإسلامية فهو ردّ على صاحبه ولا يمكن أن يكون محل إجماع.

إن المدخل الحقيقي للإصلاح السياسي ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا البلد -على الأقل كما أراه- هو الشروع في حوار جدي بين كل مكونات المجتمع وحساسياته بروح من المسؤولية والأمانة والوطنية الكبيرة المتعالية حتى لا تفوتنا فرصة الإنقاذ وحتى نفوّت الفرصة على من يريدون “مغرب خمس سنوات” لأننا نريد مغربا دائما لكل السنوات ولكل الأجيال.