1- بين يدي الكتاب:

يعتبر كتاب “مقدمات لمستقبل الإسلام” امتدادا لكتابات الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين وتوسيعا لمشروعه المنهاجي. ذلك المشروع الذي تسنده رِؤية تربوية ودعوية عميقة وتؤطره دراية واسعة ومنفتحة على حقول معرفية وفكرية تخص مجالات التربية والدعوة والفقه والتاريخ والاقتصاد والسياسة والواقع وقضايا الأمة.. وهي مجالات تتناغم وتتكامل فيما بينها في إطار من التعاضد الذي يشد بعضه بعضا في بناء مرصوص يختزل فهم الأستاذ المرشد للمنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا.

2- السياق العام للكتاب:

تسير كتابات الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في اتجاه قاصد، يتجلى أساسا في توضيح مشروع “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا” والإقناع بنجاعته في التغيير. وفي هذا السياق العام يأتي كتاب مقدمات لمستقبل الإسلام. يقول الأستاذ المرشد: “وقد كتبنا في الموضوع ما شاء الله من فهمنا “للمنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” في كتابنا الذي يحمل هذا العنوان. فليكن هذا مقررا. فإن هذا الكتاب مبني على ذلك. يشرحه ويكمله” (مقدمات لمستقبل الإسلام ص43).

ورغم عودة زمن تأليف الكتاب إلى بداية الثمانينات (1403/1982)، فهو ليس من قبيل الكتب التي تفقد قيمتها بتقدم تاريخ التأليف أوالصدور. وذلك لاعتبار كونه: “دليلا متواضعا إلى منهاج الدعوة والبناء ونصر كلمة الله” (نفسه ص3).

3- خطبة الكتاب ومقدمته:

يقول الجاحظ رحمه الله: “إن لابتداء الكتاب لعجبا” (كتاب الحيوان ج1/88)، في إشارة منه إلى وعي المصنفين عربا ومسلمين أشد الوعي بأهمية المقدمة ومنزلتها في التأليف وسلطتها الخطابية في الإقناع. لذلك اجتمعت مقدماتهم على احترام كثير من الأساسيات، ننظر بعضها من خلال هذا الكتاب ونقتصر منها على ثلاث نقط:

– حسن الصياغة باعتماد أسلوب بلاغي أخّاذ، حيث سيادة المحسنات البديعية من جناس وسجع وطباق واقتباس.. وحسبنا شاهدا على ذلك من خطبة الكتاب:”الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أبرز الخلق من وجود لعدم، وجعلهم شعوبا وقبائل وأصناف أمم، وفضل على العالمين أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير من سعى على قدم..” (ص2).

– الإشارة في المقدمة إلى موضوع الكتاب، وهذا ما عبر عنه العلماء بقولهم:” الإشارة في الصدور إلى الغرض المذكور”. وإلى هذا يشير الأستاذ المرشد بقوله:” مطمح هذا الكتاب الأول أن نحافظ في هذه الرفقة على ذكر الله وما يقربنا إليه، بل أن يوقظ في أنفسنا همَّ الله ولقائه لكيلا يغلب جسم الحركة والفكر على روح طلب رضى الله عزوجل. والمطمح الثاني التابع هو أن نرسم في هذه الفصول والأبواب منهاج عمل يتجاوز همّ الساعة إلى التطلع لغد الإسلام” (ص8-9).

– إثارة ومناقشة بعض الانتقادات التي قد تمسّ مشرع الكتاب من خلال التنبيه إلى أن: “من بيننا من يرى، وله رأيه، أن الحركة الإسلامية ينبغي ألا تفكر لغد لا يزال في طي الغيب. ينبغي لها أن تركز الجهد على الحاضر، تاركة فضول الترقب لمراحل تأتي. بل الأدهى من ذلك أن من بيننا من يكتب هذا الكلام المذهل الذي مؤداه أن الحركة الإسلامية غير مسؤولة عما آل إليه أمر المسلمين، ومن ثمّ فلا داعي لحمل همّه”. (ص9).

من هذه الإشارات الثلاث ننتهي إلى نتيجتين: الأولى أننا أمام مؤلف محترف ومتمرّس يعرف صنعته جيدا. والثانية أن خطبة الكتاب ومقدمته ليستا بالنص الذي يمكن تجاوزه لتضمنهما مقصد الكاتب من جانب، وتكثيفهما لمضمون الكتاب من جانب آخر.

4- مقدمات الكتاب ومداخله:

المقدمة لغة أول الشيء، وهي ما يتوقف عليه الشيء توقفا عقليا أوعاديا أوجعليا (المنجد في اللغة، الأعلام مادة “قدَّم”). ومن الناحية الاصطلاحية وردت هذه اللفظة متداخلة مع عدة مصطلحات أخرى كالتمهيد والفاتحة والمطلع والاستهلال والمدخل.. وهي لا تكاد تخرج في مضمونها عن مفهوم المقدمة. (عتبات النص، ذ.عبد الرزاق بلال).

من هذا التحديد يتبلور مفهوم “المقدمات” التي يعرض لها الكتاب، وتعني -حسب التقدير- معنيين أساسيين: بشائر المستقبل الإسلامي وبداياته من وجه، والمداخل التي تؤدي إليه من وجه آخر. ولعل نظرة عجلى في الكتاب تكشف لنا عن هذه المقدمات ذات الجانبين:

– الجانب الأول: طلائع الفتح الإسلامي وبشائره:

أ- بشارة عودة الخلافة على منهاج النبوة: وذلك من خلال عرض أحاديث الخلافة التي تبشر بالمستقبل للإسلام، وبانقشاع عهود العض والجبر بعودة الخلافة الثانية على منهاج النبوة. ومن هذا الإخبار النبوي الشريف- يقول الأستاذ عبد السلام ياسين-: “يبدأ تحركنا استجابة لموعود الله، واستقبالا للخلافة الموعودة”. (مقدمات لمستقبل الإسلام، ص42).

ب- بشائر النصر والتمكين: يعرض الكتاب نصوصا نبوية كثيرة تبشر بالتمكين والظهور للإسلام في المستقبل، ممَّا لم يحدث بعد في تاريخ المسلمين. منها حديثا المقداد بن الأسود، وثوبان رضي الله عنهما، اللذان يبشران بانتصار الإسلام وبلوغه ما بلغ الليل والنهار وانتشاره انتشارا يعم العالم بأسره” وهذا لمَّا يحدث. لمَّا يبلغ سلطان الإسلام  بعز عزيز أو ذل ذليل- مشارق الأرض ومغاربها. وسيحدث. وعد من الله ورسوله غير مكذوب. وينفسح أمام المؤمن المستقبل مشعا”. (م.س ص33).

ج- الصحوة الإسلامية: مما يمثل بداية لخلافة الأمة على الأرض صحوتُها العامة وعودتُها إلى إسلامها. “لا يُغني الوصف -يقول الأستاذ عبد السلام ياسين- لولا صحوة الأمة على عتبة القرن الخامس عشر قرن الإسلام. فهي تزداد تلهفا لمعرفة دينها وتزداد استعدادا لتحمل أعباء الجهاد، وتزداد بتردي أوضاعنا وفشل سياسة الطاغوت تلهفا وترقبا ليوم تخفق فيه راية الإسلام على ربوعها”. (نفسه 10). ولعل من ثمار هذه الصحوة تنامي العمل الإسلامي الحركي في معظم دول العالم، وقيامه بوظيفة بارزة في نشر رسالة الإسلام والإعداد لدولته المنشودة. ومن ثمارها كذلك ما رآه العالم بدهشة: “كيف هب إخوتنا الشيعة في إيران، وكيف صال أسد الله في أفغانستان” (ص11)، إبَّان الغزو السوفييتي لبلادهم في ثمانينيات القرن الماضي.

د- ظهور واجهات الجهاد وسط الأمة في مواقف مؤثرة في الواقع، ومغيرة أحيانا للتاريخ، مقدمة بين يدي الفتح المنشود، وتحقيقا لوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي “بُعث بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له” (رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما). والحديث فيه إشارة- والله أعلم- إلى ما يتقدم بين يدي الساعة وهو الخلافة الثانية على منهاج النبوة من حركة جهادية شاملة، حتى تدين الأرضُ كلها لله وحده لا شريك له.

ولطريق الجهاد إلى مستقبل الإسلام معالم ومنارات يُجْملها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين فيما يأتي:

* صحبة في الله تعين بمثالها على السير القاصد لتحقيق حُسنى المعرفة بالله، وحسنى النصر الذي وُعدت به الطليعة المؤمنة المجاهدة. يقول الأستاذ المرشد: “شمس الإسلام دَرَّ شعاعها، وقافلة الجهاد يتوالى سيرها، وعلى الطريق لابد من رفيق”. (ص3).

* بذل الثمن بتقديم المال والنفس بين يدي نصر الله عزوجل، ذلك “أن دولة القرآن ليست شعار حماس وإنما هي وعد الله ووعد رسول الله. وأن لا سبيل إلى إقامتها إلا ببذل النفس والنفيس في سبيل الله”. (ص4).

* رسم منهاج عمل ترتكز على مساره واجهات العمل الجهادي،”وإنما رفقة الجهاد لرسم المنهاج (..) وخَطّ الطريق لجند الله القائم، فإن العلم إمام العمل، والعلم النافع ما أخرجك من ظل الكسل ونهض بك لتسلك إلى الله تحت ظل القنابل والأسل” (ص4). هذا المنهاج ينبغي أن يكون أصيلا باستناده إلى “العلم القرآني، والهدي النبوي”، وبقطيعته الفكرية والحضارية عن نموذج الآخر حسّا معنى ووسيلة إذ “لا مستقبل للإسلام إن سقط في فخ المواجهة الفكرية والجهادية بسلاح مستعار من غيرنا، فلا بد من انقطاع معرفي وحضاري. لابد من قطع حبال الجاهلية اليوم كما قطعها سلفنا الصالح” (ص18).

– الجانب الثاني لمقدمات الكتاب: يتمثل هذا الوجه في إشارة الكتاب إلى المداخل الأساسية التي تعتبر شرطا رئيسا يتوقف عليه انفتاح المستقبل الإسلامي للإسلاميين توقفا ضروريا.

ولعل تناول هذا الجانب من مقدمات الكتاب سيساعد بلا ريب على إدراك وفهم الطريق المنهاجي الصاعد إلى مستقبل الإسلام، وتبيّن معالمه ومراحله:

* صياغة خطة إسلامية مستقبلية دعوة ودولة تمهيدا لقيام دولة القرآن الخليفية على منهاج النبوة، ومدخلا لإنجاز ما عندنا من مهمات وغايات. خطة هي في جوهرها “التطبيق العملي للشريعة، وإنزالها على أحداث التاريخ في الإطار الزماني والمكاني والاجتماعي الاقتصادي المتغير المتطور، الذي تمثل السيرة النبوية نموذجا فذا له، لكن نموذجا حيا قابلا للتجدد في روحه وإن تنوع الشكل”.(ص25). وهذا ما تؤديه عبارة “المنهاج النبوي” المُفَضَّلة لدى الأستاذ عبد السلام ياسين في وصفه لمشروع العمل المستقبلي الذي يلقي بظلاله على آفاق هذا القرن وأنوار الهدي القرآني والنبوي إعدادا واستعدادا للخلافة الثانية على منهاج النبوة.

* تأليف جند الله وتربيتهم، يقول الأستاذ المرشد: “لا ننسى أن تربية جند الله، وتأليفهم مقدمة لكل عمل جهادي ينبري للعظائم”. (ص43). ويقول في موضع آخر:”يكون تجديد الإيمان وتربيته وتقويته وتعميمه وتكوين جند الله المقاتلين عن الإسلام الخطوة الحاسمة”.

* ضرورة الاهتمام بالحاضر لفتح النظرة المستقبلية: فإذا كان لابد من وقفة مع الماضي للاعتبار والاستفادة، ومن نظرة إلى الغد للإعداد وتهيئة الزاد، فإنه لابد من توجيه اهتمام خاص إلى الحاضر، باعتباره البوابة التي تؤدي إلى المستقبل. فابتداء من الواقع الحاضر يبدأ التغيير، إذ “لا معنى للجهاد إن نفض جند الله أيديهم من الحاضر المكروه، ولم يعنوا العناية التامة بتركيبه ودقائقه وحركته والقوى المهيمنة عليه. من هذا الواقع الحاضر تبدأ الحركة وإياه نقصد بالتغيير. زمانا تتوالى فيه النكبات علينا (..) وعلى من يريد فتح باب مستقبل الدولة القرآنية أن يزاحم ويصابر ويتصدى لكل التحديات” (ص20).

5- قبل الختام:

قبل طي هذه الصفحات أختم بخلاصتين، هما مطمحا الكتاب وفكرتاه المركزيتان:

* تتجلى الخلاصة الأولى في اقتباس الكتاب لطريقته في الكتابة من القرآن الكريم، ذلك الينبوع الذي يفيض ماؤه، والشجرة التي لا ينقطع ثمرها، والكتاب الذي لا تنقضي عجائبه، والمائدة التي لايَشبع منها العلماء.. حيث يلح الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين على ذكر الله وما يقرب إليه. على اعتبار أن التأليف لا يكون إسلاميا إن لم يحقق في نفس القارئ الرغبة في الله، والتحفز للسباق إلى مغفرته. وفي هذا الصدد يؤكد الأستاذ المرشد على “أن مطمح هذا الكتاب ألأول أن نحافظ في هذه الرفقة على ذكر الله وما يقربنا إليه” (ص8) وأن”مطمحنا الأول والأساس أن تكون كل كلمة نخطها ونقرؤها تذكرنا بالله” (ص12). وذلك لتحقيق حُسنى الزلفى عند الله، التي هي أصل وفَصُّ حسنى النصر والخلافة في أرض الله.

* أما الخلاصة الثانية فتتجلى في سعي الكتاب لاكتشاف الطريق النبوي لرأب صدع الماضي، ومداواة الحاضر، والتطلع إلى غد الإسلام ومستقبله. لأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها (وهو التأسي والاتباع). وفي سياق هذا الاكتشاف سرد الأستاذ المرشد بعض ما جاء به التعليم النبوي من نبوءات مستقبلية. منها ما يشخّص حاضر الأمة وواقعه، ومنها ما بدت علائمه ومقدماته، ومنها ما ينفعنا في إدراك كنه المنهاج النبوي ومشروعه العملي، ومنها ما زال مستقبلا غيبيا. ومن خلالها كذلك نستطيع “رسم المعالم، وخطّ الطريق لجند الله القائم” (ص4). ومن خلالها أيضا نستطيع أن نحلل ونصور ونستنتج حقيقة السير إلى الخلافة الثانية على منهاج النبوة.