الفصل الأول: في خضم التاريخ

بين النبوة والعض

الملك العضوضقومات

استقالت دولة العض من مهمة الدعوة، فكان أن قاومتها الدعوة في البدء، فكانت قومة الحسين عليه السلام. ثم عمت المعارضة؛ فشملت المعتزلة والزيدية وأئمة المذاهب الأربعة والشيعة والخوارج. وشذت طوائف؛ فركنت الجبرية إلى بني أمية، وناصرت الراوندية بني العباس، ووالت الإسماعيلية الفاطميين. عمت المعارضة وأجمعت المذاهب على جرح العض.

بعد مخاض معركة الجمل ثم معركة صفين، فمقتل علي رضي الله عنـه، ثم مآل الحكم إلى معاوية بن أبي سفيان؛ صار الأمر إلى الافتراق، فالأمراء والجند هنا، والعلماء والرعية هناك. وقامت المعارضة.

– الخوارج

الخوارج يعارضون بالسلاح وعقيدة التكفير؛ ثاروا على معاوية عام 41ﻫ (عام الجماعة)، بزعامة فروة بن نوفل. ذهبوا أن نصب الإمام واجب، ودعوا إلى الشورى وشرط العدل في الحاكم، وطاعته ما أطاع الله، فإن عصى وجب عزله، وأن اختياره يكون عن شورى، وأن مناط الاختيار الدين لا العصبية، وليست تجوز إمامة الجائر. ويقدمون الفاضل على المفضول والشجاعة على العلم. وذهبوا إلى تكفير مرتكب الكبيرة.

– جيل الصحابة

قام الحسين بن علي، وحُجْر بن عدي، وعبد الله بن الزبير. قاموا رضي الله عنهم واستشهدوا.

وممن اعتزل الفتنة واشتغل بالعلم، وكان منهم محدثون وقراء وعباد وزهاد، قاموا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ومنهم عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وأبو موسى الأشعري، وأصدق الناس لهجة أبو ذر الغفاري، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء رضي الله عنهم أجمعين.

– جيل التابعين

بعد جيل الصحابة هذا، أخذت الموالي زمام العلم، فكان منهم فقهاء مكة واليمن واليمامة والبصرة والكوفة والشام وخراسان، وشذت المدينة إذ كان فقيهها العربي سعيد بن المسيب رحمه الله. وهكذا كانوا فرسانا في ميدان اللغة والأخبار والمغازي والتاريخ. تملكوا سلطة العلم، وزاحم عددهم عدد العرب، وكان لهم الدور في المعارضة؛ فكانوا ثلث جيش قومة ابن الأشعث.

كانت المقاومة فكرية أكثر شيء مع معبد الجهني وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم. ثم صارت إلى الخروج مع قومة العلماء، وفيهم سعيد بن جبير، تحت لواء عبد الرحمن بن الأشعث، و مع قومة “الخليفة” المصلح يزيد بن الوليد الناقص، و مع قومات آل البيت عليهم السلام الإمام.

– الأئمة الأربعة

ثم جاء زيد بن علي قائما قومته سنة (122 ﻫ)، فمهدت هذه لثورة بني العباس. قام زيد، ومعه أبو حنيفة النعمان وسفيان الثوري وابن أبي ليلى، حتى عدت قومته قومة الفقهاء والمحدثين. وكان الإمام زيد موضع رضاء كل الطوائف الإسلامية  عدا الجبرية والمتطرفين من الكيسانة فالنساك والزهاد والمرجئة والمعتزلة والشيعة، كل هؤلاء وقروه وعزروه ونصروه.

ناصر مالك بن أنس قومة محمد بن عبد الله، وعارض المنصور أن عَرَّضَ بفتوى “ليس على مستكره طلاق”، وكان أن عذب وأوذي.

وذاد الشافعي عن آل البيت بلسانه وشعره حتى اتهمه الرشيد بالعلوية وعذبه.

أما الإمام أحمد، فلم يعمل للظلمة عملا، ولم يقبل لهم عطاء، وكان يرى عليا أول من قام ضد البغي وواجه أهله. وكان والشافعيَّ في حب آل البيت وذكر مناقبهم سواء. وهو الصامد في محنة خلق القرآن.

“درء الفتنة الكبرى بالفتنة الصغرى”

ولما أعيتهم الحيلة، وتربص العدو الكافر الصليبي والتتري، وخافوا الفرقة ومغبة الحروب الأهلية؛ أفتوا بقبول الحكم على عضه، فذلك أهون الشر، سيما والعض لا يسمح بوجود معارضة منظمة. فكانت قاعدة “درء الفتنة الكبرى بالفتنة الصغرى” أساس فقههم في أمر الحكم.

استشهد علي، وحُجْر بن عدي، والحسين بن علي، وسليمان بن حرد، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن حنظلة قائد ثورة المدينة، ومعبد الجهني، وسعيد بن جبير في قومة “ابن الأشعث الهمداني”. وقتل غيلان على يد هشام، وذبح الجعد بن درهم على يد خالد القسري والي المدينة. وخرج الإمام زيد واستشهد وصلب وأحرق، ثم حمل الراية ابنه يحيى، حتى استشهد في رمضان، ثم النفس الزكية وأخوه إبراهيم وإدريس أبناء عبد الله بن الحسن.

قاموا في البدء، ولما أعيتهم الحيلة في القيام، عدلوا عنه إلى الترميم والإصلاح، والحفاظ على ما بقي من شأن الدين منوطا بذمة الأفراد.

العضة الكبرى

عض المُلك عضة معاوية بالوراثة وبيعة الإكراه. ثم عض بالفقه الديداني لما أقسم أربعون من أهله أنه لا حساب ولا عقاب على الخليفة الأموي. ثم عض بعد، بالفقه الحفاظي، فقه درء الفتنة الكبرى بالفتنة الصغرى. عض بشروط الماوردي زمن العباسيين. ثم عض كما أطلقه ابن جماعة من كل قيد زمن الممالك، وتمت كلمة المالكية: “من اشتدت وطأته وجبت طاعته”.

وفي كل ذلك عض العضة الكبرى بدين الانقياد وطوق التقليد.

كان معاوية أول من تكلم في الجبر، ففسر هزيمة علي على أنها إرادة الله، وأن نصره إرادة الله. وعلى ذلك برر أحد الفقهاء ل”عبد الملك”، قتله لابن عمه “عمرو بن سعيد”، أنه كان من القضاء السابق والأمر النافذ. وكان التضليل بالجبر، وتجريح علي كرم الله وجهه، وسبه على المنابر ستين عاما، حتى جاء “عمر بن عبد العزيز” فنهى عنه. وخلاصة مذهب الجبر أن لا مسؤولية على الإنسان؛ إذ هو المسير. ففعل الحكام من القدر؛ فلا اعتراض. كيف الاعتراض على القضاء والقدر؟. وهكذا دعم الجبر الاضطهاد والفساد؛ إذ الكل بقضاء الله وقدره.

– الفقه الديداني

ألزمت عقيدة الجبر في عهد الأمويين بالطاعة لهم. وخرجت عليها عقيدة القدر تعارضها، لتدين الناس بعد بدين الانقياد لاستبداد بني العباس. دعمت الراوندية بني العباس وذكرت أنهم أولى بالخلافة، وقالت بالوصية المتسلسلة من العباس، وعنها تفرع القول بالوصية بدءا بالنص على العباس حتى انتهت إلى أبي جعفر المنصور. وألغت الصفوية الشورى والانتخاب، ومنحت الإمامة الصفوية قداسة وعصمة. ومن قبل، أقسم أربعون عالما أن لا حساب على الخليفة الأموي ولا عقاب.

– الفقه الحفاظي

لم يحظ الأمويون والعباسيون بتأييد علماء الكلام حتى مجيء الأشاعرة. يكتب الماوردي في فقه السياسة ملخصا ماجاء عند الباقلاني والبغدادي؛ فالإمام ضرورة، وجبت طاعته، على شرط العلم والعدالة والنسب القرشي، فإن اختل شرط جاز العزل. وذكر أن الإمامة إنما تثبت باختيار أو بعهد إمام، يعارض قول الجعفرية الصفوية بالنص والعصمة. وإذ قالت الصفوية “بالنص النبوي”، قال الفقه الحفاظي “بالنص الملكي” لما أباح ولاية العهد، فالتقيا في القول بالنص.

وهو الأشعري، لا يجيز الخروج على الحكام بالسيف، ويدعو إلى ترك القتال في الفتنة. وأقر إمارة الاستيلاء. ورأى رأيه الغزالي. شرطها بالعدالة، فإن خرمت بطلت. والذي جاء من بعده، بل حتى الذي عاصره، أثبتها طليقة من كل شرط إلا شرط التغلب؛ فعند معاصره الفراء، أبو يعلى، لزمت الطاعة للإمام، وإن سقطت الشروط المذكورة. واستدل بالإمام أحمد في إقراره ولاية المستولي بالسيف.

تمكن هذا الرأي الأشعري وقرح خاصة بعد القرن الثامن؛ أقر إمارة الاستيلاء ابن تيمية وكذا ابن القيم. وقال ابن حزم الفقيه بولاية العهد، وكذا ابن خلدون المؤرخ، والباقوري المحدث. اعتذروا لانحراف الحكم والملك العضوض. وضرب الأمر بِِجِرانه عند محمد بن إبراهيم ابن جماعة قاضي القاهرة في عهد المماليك، وقرر شرعية التغلب. ودعم هذا، الكلامي الحنفي سعد الدين التفتزاني، وذهب أنه لا يجوز أن يعزل الإمام نفسه إلا لعجز.

وهكذا سار الرأي الأشعري أطوارا؛ عشش في قلب الفقه السلطاني، ثم باض وفرخ في القرن الخامس، حتى ضرب بجرانه ومكن لعروقه في القرن الثامن.

– في دين الانقياد وطوق التقليد

في وجه الإمامة الشيعية، قامت الأيديولوجيا السلطانية، تحمل الدخيل من سياسة فارس. وهي السياسة في خدمة الأمير وأهوائه وخاصته، وليس للعامة سوى ذل الطاعة. إمبراطور فارس، إله أو ظل إله. والمماثلة بين الإله والملك، قديمة قدم السياسة والدين في تاريخ الإنسانية، ومثل فرعون ظاهر.

وأول من قال في الإيديولوجيا السلطانية ابن المقفع الفارسي الأصل، وكان اسمه رزبه، توفي سنة 142ﻫ، عاش في عهد أبي جعفر المنصور.

الملك مظهر إرادة الله، وليس أمام إرادته سوى الطاعة والتسليم. نجد هذا مقررا في كلام الجاحظ المتكلم، والماوردي الفقيه والطرطوشي، والفارابي الفيلسوف.

وفي أواسط القرن الثالث انقلب المتوكل العباسي على القدرية، وحصر المذاهب في أربعة، وقد كانت تسعة عشر مذهبا، وأقفل باب الاجتهاد المطلق. وفي القرن الخامس منع القادر العباسي الكلام، وأمر بلعن المعتزلة على المنابر. وصدر في بغداد كتاب سمي اعتقاد القادري سنة 433ﻫ كتب فيه الفقهاء خطوطهم، وذكروا أنه اعتقاد المسلمين ومن خالفه فسق وكفر.

وبعد

فلئن كانت النبوة والخلافة، روحها الإيمان بالله واليوم الآخر والاستعداد للقائه، ودستورها القرآن، ونظامها الشورى وحرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغايتها العدل والتسوية بين الناس في الحكم والرزق، والإحسان والأخوة بين الناس.

فلئن كان ذلك كذلك؛ فإن روح العض نخوة الجاهلية في خدمتها المال، وأهله أهل عصبية وسيف، ونظامه استبداد فردي عصبي مطلق، ودستوره الفقه الديداني يعلم الناس دين الانقياد للمستبد بالحكم والرزق، وحاديه الهوى والغضب والشهوة، يعض على الأمة بالسيف والوراثة وبيعة الإكراه، ويعض على الدين يسخره لخدمة أهوائه، يعد الناس القهر والفقر والجهل والتفريق والحروب الأهلية.