مقدمات أساسية:في فهم التاريخ:

– إن معالجة التاريخ وقضايا التاريخ وإشكالات التاريخ أمر أساسي وضروري، أولا: لأنه هو التجلي الواقعي لأقدار الله عز وجل والتجسيد العملي لفعل بني آدم وإرادته وحركته في العالم الذي يحيا فيه، وثانيا: لأننا مدعوون للتأمل والنظر في سير الغابرين وأيام الماضين وحقائق الناس في دنيا الناس. يقول ربنا عز وجل:”قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين” الأنعام.

ويقول: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين” النحل.

– ثم إن قراءة التاريخ ضرورة ملحة لفهم ما جرى وكيف جرى ولم جرى حتى يضع المرء يديه على مكمن الداء وأصل البلاء، ويعرف كيف يستفيد وينظر ويأخذ ليفهم حاضره ويتجه نحو مستقبله.

– زد على ذلك أن تاريخ المسلمين قد تعرض لتشويه وتزييف وأغاليط وكذب وتزوير وبهتان وغير ذلك من أساليب النهب والسرقة الحضارية التي لها أثرها الجلل على عقول المسلمين وعلى نفسياتهم وعلى حركتهم المستقبلية: في كتب المدرسة الرسمية علمونا أن الأمويين والعباسيين والعثمانيين قد أقاموا خلافة عظيمة وماهي بذلك؟؟ فزرعوا فينا عقليات دين الانقياد وما يتبعها من خضوع وخنوع وضياع للإرادة الحرة والتفكير السليم إلا في دائرة يحصرها فعل العض والجبر المنيخ بكلكله على الأمة منذ قرون.

– إن المنظور القرآني للتاريخ من خلال قصص الأنبياء نموذج لانتصار الاستعلاء الإيماني على الاستكبار الشيطاني الفرعوني ونموذج للقدوة الكاملة في الدلالة على الله والأخذ بالسنن وكذا المثال التاريخي للقدرة الإنسانية على تأدية الواجب دون خضوع للتهديد متى وجد الحافز.

– فالحاجة إذن ملحة لقراءة التاريخ من أعاليه على ضوء عوينات الكتاب والسنة الشاهدة لإنجاز تحليل عميق لتاريخ المسلمين ولانكساراته التاريخية التي فصمت عرى الدعوة عن الدولة وما تلا ذلك من كوارث نحيا لظاها إلى الآن.

في فهم تاريخ المغرب:

إن الحوار بين ماضي المغرب وحاضره ضروري لأن:

– تاريخ بلادنا تاريخ مزور كتب في دهاليز البيوت الرسمية وبالنظرة المخزنية المعروفة، فحاجتنا إلى إعادة كتابته مدخل رئيس لفهم حاضرنا والتأسيس لمستقبلنا، إذ كما يقال من لا ماضي له لا مستقبل له.

– الكل يتحدث منذ مدة عن الماضي وما وقع في الماضي وعن طي صفحة الماضي وعن الإنصاف والمصالحة دون الوقوف عند ما وراء المصطلحات.. عن أي ماض يتحدث؟؟ ومن يتحدث عنه؟؟ وكيف نطوي ما لا نعرف أصلا؟ وننصف من ممّن؟؟ ويتصالح من مع من؟؟

من هنا تبرز أسئلة نريد أن نعالج بعضها في إشارات مضيئة نسهم بها في إعادة قراءة تاريخنا:

– هل حصلنا حقا على الاستقلال الذي نحتفل به كل عام في بهرجة فلكلورية غرائبية عجائبية تبذر فيها أموال الشعب، ويغنى فيها بالأمجاد الغابرة لورثة النضال والكفاح؟؟(أي نضال، أي كفاح”؟!!) نقصد بالاستقلال ما تعنيه المفردة من حرية الإرادة وحرية الاختيار.. أم أننا لم نعش سوى احتقلال منذ خمسين سنة خرجت به فرنسا من النافذة لتترك أبناءها المغربين من بني جلدتنا يمارسون علينا أشد أنواع الإهانة وأقساها؟!!..

– من سرق تاريخ أمتنا غداة الاستقلال؟ من جاهد حقا وناضل صدقا لينال المغرب حريته ومن قطف الثمار ولبس الدثار ليحمل زورا وبهتانا ألقاب المقاومة ونياشين النضال متمتعا بالريع وغيره ممن جاهد غيب أو قتل ونسي؟

– من سرق تاريخنا أيها الناس أيها العاقلون الأذكياء؟؟ من هؤلاء المناضلون الزاعمون امتلاك الحقيقة والشرعية التاريخية؟ ومن هم هؤلاء المستضعفون المحقرون الذين لم ينالوا من بركات الاستقلال إلا الفتات أو على أكبر تقدير نالوا إهمالا في زوايا النسيان واحتفالات صورية من عام إلى عام وألقابا خاوية المعنى والمبنى..

سرقة المقاومة: نصوص للتأملكان مبدأ نشأة الحركة الوطنية إيمانيا وكان محفز جهادها وباعث نضالها هو الإيمان والإيمان وحده. ثم نشأ خلف غيّر الوجهة وبدّل السكة فزاغ عن النية والقصد فوقع الانحراف عن عمق الإيمان، وحصل التصدع والتشتت والتبعثر، وغير ذلك من أنواع الانحرافات التي نقرأ صداها في ما صرح به وصرخ به غير واحد ممن عاش تلك الفترة.

يقول عبد الكريم الخطابي متحدثا عن سر انتصاراته التي أبهرت العالم:

“لا ريْب أن الذي ساعدنا على محاربة الأعداء سنواتٍ لَم تمُرَّ فيها لحظة دونَ موقِعةٍ أو معركةٍ أو ضحايا هو الإيمان، والإيمان وحده. إن الإيمان هو العامل الأساسي، وهو السلاح الأقوَى في كل الحروب التحريرية. بل في كل عمل جدّيٍّ”. عبد السلام ياسين :”حوار الماضي والمستقبل” ص 32.

وها نحن نسوق نصوصا ندرك منها حجم التغيير والانحراف والتصدع الذي وقع في مسيرة الحركة الوطنية:

بعد وصوله إلى القاهرة في منفاه أسس المجاهد الريفي عبد الكريم الخطابي لجنة تحرير المغرب العربي”، وجعل لها بنود عمل قال في أولها: “المغرب العربي بالإسلام كان، وبالإسلام عاش، وعلى الإسلام يسير في حياته المقبلة”.

كتب في رسالته إلى أبناء المغرب العربي ما يلي:

“بلغني أن البعض منهم (من الموظفين) لا يُراعي في إخوانه الأهالي إلاًّ ولا ذِمَّةً (…) ولا شك أنهم إن لم يتُوبوا ويثوبوا إلى الاستقامة والنزاهة والعمل لرفع شأن الوطن بإقامة العدل في الأمة فسيجازَوْن عاجلا أو آجلا، إنْ خيراً فخيْرٌ، وإن شرّاً فشرٌّ. والله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ ((يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتُنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون)) ((ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبْلكم وإيَّاكم أن اتقوا الله)).

“والله أسألُ أن يوفقنا جميعا لما فيه سعادةُ الدارين ورفاهية الوطن وتحريره نهائيا.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.أخوكم عبد الكريم الخطابي 5-1-1948. المصدر نفسه ص 36-37.

لنتأمل هذا الحديث عن الإسلام وعن الإيمان وعن التوبة وعن خيري الدنيا والآخرة لنعرف من أي معين يغرف الرجل، وعن أي مصدر يصدر، ومن أين يبني تصوره وعلمه.

كان همه وحدة الأمة وجمع الأمة بينما كانت الزعامات السياسية تريدها تفرقة وتجزئة، لنستشعر هذا الألم الممضّ لجوانحه وهو يرى هذا الانفلات العجيب حيث يقول: “ومن سوء الحظ أنني عشت لأرى أفكاري هذه تشتَّتَتْ، ولأشْهدَ مَصارِعها واحدةً إثْرَ الأخرى. فقد دخلت الانتهازيّةُ، وحُمَّى المتاجَرةِ في قضيتنا الوطنية (…) ووُجد من بين أعضاءِ هذه اللجنة من يسعى لتفتيتِ وحدة قضيتنا وتجزِئتها. ففي الوقت الذي كنتُ أفكر فيه لإدماج بلدان المغرب العربي في مشكلة واحدة، نشأَ -ولا أدري كيف- اتجاه لتقسيم هذه البلدان إلى وحَداتٍ منفصِلَةٍ”. المصدر نفسه 174.

ثم لنستمع إلى صرخة رجل الشورى والاستقلال محمد بن الحسن الوزاني وهو يورد ما حدث في دستور المملكة يتساءل عن المعنى والمبني، عن ما وراء المفردات، وما تحت الكلمات، ومابين النوايا، باحثا عن حقيقة الشعارات المرفوعة. قال في مقالته ينتقد الدستور الملكيَّ لسنة 1962 بتاريخ النصارى:

“أمَّا أن المملكة المغربيَّةَ دولةٌ إسلامية فلسنا ندري ماذا يُقْصَدُ به. هل إنّ المملكة بصفتها دولةً إسلاميةً ستلتزم في عهد الدستور اتباع تعاليم الإسلام، وتطبيقَ أحكامه، واتخاذَ أنظمته، حتى تكونَ دولتُنا الإسلامية دولةَ القرآن والسنة قولا وفعلا وشرعا ونظاما وحكما وسياسة. وبهذا يصبح للمملَكَةِ مفهوم ومدلول إسْلاميٌّ حقيقيٌّ. فتَكون بهذا دولة إسلامية هي الأولى من نوعها بعد دولة الخلفاء الراشدين”.

وأضاف رحمه الله: “فإذا كان هذا فإننا نحبذ، ونصفق، ونطْرَبُ، ونَفْخَرُ، ونفاخر. وإذا كان القصد من ذكر عبارة الدولة الإسلامية غيْرَ ذلك مما هو معهود في دساتير أقطار إسلامية أخرى، فإنّ وصْف المملكة بذلك الوصْف سيقوم في دستورها حُجّة على الدولة بقدر ما لا تتقيد بالإسلام في تشريعها وحكمها وسياستها”. المصدر نفسه 126.127.

وأخيرا لنقرأ ما سيصبح النداء الأثير والإيديولوجية الموجهة والنغمة المثيرة في ما قاله ابن بركة: “بالثورة أيها الإخوان، ثورةٍ في الاقتصاد، ثورةٍ في التفكير، ثَوْرةٍ في العمَل وفي كل ميادين الحياة ولن يقود هذه الثورة إلا الثوريون الحقيقيون، قلباً وقالَباً، روحاً ومعنىً، فعلا وقَولا، لا تزويراً وتضليلا وتغريرا. هذه الثورة تعترضها وتحول دونها الآنَ عوائقُ مختلفةٌ. ولا سبيلَ لنا للسيْر إلى الأمام دون التغلب على هذه العوائق وإزاحتها عن الطريق” المصدر نفسه ص 236.

ننظر في اللغة المتسللة والعقل المستعمر والنفس المسكونة بالآخر الملبوسة بأفكاره الممسوسة بخطاباته وثوريته.

تقف بنا هذه النصوص عند التحولات العميقة التي وقعت على مستوى العقليات والتبدلات على مستوى الخطابات والتصدعات على مستوى النفسيات:

– إذا كانت بداية الحركة الوطنية مؤسسة على الإيمان ومفاهيمه فإنه قد اندس وسطها واردون جدد سلبوا الزمام وحرفوا الوجهة تجاه مفاهيم الديموقراطية والثورة.

– إن تأسيس المقاومة كان من طرف الشعب والطبقات الشعبية المؤمنة المسلمة التي حافظت على دينها وإيمانها، ونظرت إلى المستعمر باعتباره كافرا روميا نصرانيا لا بد من جهاده. ساند الشعب في ذلك ثلة من المنظرين والمفكرين والمناضلين الذين أخلصوا الوجهة وصدقوا النية ثم حدث لبعضهم ما حدث بعد ذلك، والعودة إلى شهادات الذين عاشوا المرحلة من الرجال المعتبرين تكشف ما تعرض له الوطنيون الشعبيون من تعذيب في السجون والمعتقلات وقد أورد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين شهادة قيمة لفاضل فرنسي هو المحامي جان شارل لوكران يقول:

“لم يكن السياسيون، ولا المفكرون، ولا الخبراء في فنون الألاعيب السياسية والزيارات هم الذين أرجعوا سيدي محمد بن يوسف إلى عرشه ليصبح لقبه “جلالة محمد الخامس”. تلك القوى (السياسيون والمفكرون) كان وجودها ضروريا، لكنها كانت في مأمن. إنما اللذين جعلوا من السلطان محمد بن يوسف جلالة محمد الخامس هم العامل، والإسكافي، والخباز، وبائعو الثياب البالية، وبائعو النعناع هؤلاء المتواضعون هم الذين غادروا ذات يوم عملهم وأسرهم ونذروا أنفسهم للقتال في سبيل وطنهم وملكهم” المصدر نفسه ص183.

جاهد هؤلاء وأولئك ممن كان الله غايتهم، والإيمان حاديهم، وحب الوطن حافزهم. وجاء بعدهم من استولى على الغنائم واقتسمها وذويه بدعوى المقاومة وبقي الرجال الصادقون على هوامش الذكريات.

– من سرق تاريخ أمتنا وزوره؟

إذا كان رواد الحركة الوطنية رائدهم الإيمان، فإنه اندس وسطهم واردون حولوا اتجاه هذه الحركة إلى اقتناعاتهم الثورية أو الليبرالية، وعلى هذا التقت عقليتان مختلفتان، واصطدمت نفسيتان متعارضتان. فهناك في مكتب المغرب العربي جلس عبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي مع بورقيبة وغيره من المتشبعين بإلحاد الغرب… بأية لغة سيتفاهم هؤلاء؟ أرادها الخطابي وحدة جامعة، وأرادها الزعماء المتغربون زعامات قطرية. لم يكن يؤمن بالتنظيم الحزبي المنسوخ عن الأجانب، كان يؤمن بالكفاح المسلح لتحرير الغرب الإسلامي، وكان السياسيون المرتبطون بقواعد حزبية يختارون المفاوضات، وكان المستعمر ذكيا:

رصد المسلمين الصادقين الأقوياء الثابتين، وصنفهم في لائحة الأعداء، فلما انقلبت أوضاع العالم بعد الحرب العالمية الثانية وحان حين الاستقلال اختار الساسة الأوربيون المعتدلين من الوطنيين المغربين جلسوا معهم على مائدة القسمة الضيزى.

لقد التقت إذن عقليتان بأفكار مختلفة وخطابات متباينة توزعت بين عقلية المجاهد المؤمن الراغب في تحرير الغرب الإسلامي كليا الرافض لنماذج التغريب الطامح لوحدة إسلامية جامعة المعتمد على الشرعية النضالية الشعبية التي ترى إمكانية لمّ شتات الأمة بناء على تعبئة إيمانية حول شرع الله، وبين عقلية السياسي التفاوضي الذي دخل في مفاوضات دبلوماسية مع المستعمر رافعا شعار “خذ وطالب” بسبب ضغط المستعمر والقواعد الحزبية، وبين هذه وتلك اندست وتدخلت عقلية الطفيليين ممن أسماهم الفقيه البصري ب”القوة الثالثة”.

انفلت الزمام إذن، وظهرت الطبقات الانتهازية في الأحزاب وبرزت العقلية الثورية وضعفت البواعث الإيمانية لصالح حب الرئاسات والصراع على المناصب.

لماذا إثارة هذا الموضوع؟ترى ما الغرض من الوقوف عند قضية تأسيس المقاومة وسرقتها واندساس الفكر الثوري وسط الرواد وتحولات الخطاب؟ يحدد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين جوابا عن هذه المسألة عناصر مهمة من قبيل:

– إن الوقوف عند تاريخ الحركة الوطنية وانحرافاتها وتصدعاتها وانشقاقاتها ومعرفة بداية منشئها ومفاصل انكساراتها مهم جدا في فهم حاضرنا وبناء مستقبلنا..

– إن انكسارات الحركة الوطنية بدءا من ظهور جيل المفاوضين السياسيين وانتهاء باندساس القوة الثالثة الطفيلية وانتهاء بنشأة فكر العنف الثوري له أثر على ما نحياه الآن في المغرب لأنه بنى: عقلية وأنشأ نفسية تعرض مشروعا للمجتمع وفهما لأسسه سوف يصطدم بعقلية أخرى ونفسية ثانية تقدم هي الأخرى مشروعا على الطرف النقيض.

– إن الوقوف عند تاريخ العقلانية الملحدة اللائكية اللادينية وعند تاريخ اصطدامها بعقلية الإيمان ونفسية الجهاد والإحسان ضروري لإعادة بناء تربية الأمة عقلا ونفسا.

– إن بناء المستقبل يقتضي الحوار الآن بين هذين المشروعين المجتمعيين وبين هاتين العقليتين المتقاتلتين.

——————–

* هذه المقالة جزء من مقاربة تحليلية نصية تعرض لقراءة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين لتاريخ المغرب من خلال كتابه “حوار الماضي والمستقبل” دار الأفق 1997.