بسم الله الماجد الواجد، البديع المانح النافح الواحد، سبحانه هو أذهب عنا الحزن بسيدنا محمد، ورحمنا بالرحمة المهداة سيدنا محمد، سبحانه له الحمد على نعمة آخر العهد وصاحب ميثاق الحب والوِد، نبينا المصطفى حامل لواء ذكر الرحمان والشوق والحمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعظًّم ومجًّد، صلاة القرب منك يارب والسعد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الصديقين المرضيين، وكل من تبع باحسان وايقان، وكل حزبه والإخوان، إلى يوم شفاعته والتنعم برفقته وملاقاته، اللهم آمين(1).

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ ِبحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ {48} وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ ـ سورة الطورـ. اصبر على ماإئتمنّاك به، فقد حكمنا لك بالخصوصية العظمى ومقام المحبة و القرب الأعلى، أنت أول محبوب، وأصفى مطلوب، وبأعيننا أقمناك، وبنورنا نشرناك، وجعلناك لسان ذكرنا، وأنت رسول الشوق إلينا، صلًّ الله عليك وسلم.

سيد أهل الشوق:

كل ماسوى الديًّان، كل مخلوق كل فانٍ هو متروك عند النشأة الأولى: ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ ـ سورة العلق، الآية: 19ـ، و ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً ﴾ ـ سورة المزّمِّل، الآية: 7ـ، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ ـ سورة الإنسان ـ، الآية: 26ـ، قومة الشوق هي المعراج، تفتح لها كل الأبواب، ولايمنعها حجاب، حتى يصل إلى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى {13} عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى {14}عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى{15}﴾ ـ سورة النجم ـ. روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا – صلى الله عليه وسلم- بالرؤيا، وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” رأى محمد – صلى الله عليه وسلم- ربه مرتين “، وروي عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قيل له : بم تجيب عن قول عائشة ـ أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت أول الصديقين في الأمة المحمدية-: “من زعم أن محمد قد رأى ربه… الحديث”، قال: بقول النبي – صلى الله عليه وسلم-: ” رأيت ربي “. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: ” فرجعت إلى ربي وهو في مكانه”(2) / ـ الامام البخاري والامام مسلم في الصحيحين ـ فسبحان الله وبحمده !، سبحان الله العظيم!، ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ {82}﴾ ـ سورة الزخرف ـ .

ليلة المعراج بالجسد الأطهر والروح الأزكى للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى {16} مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى {17} لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى{18}﴾ ـ سورة النجم ـ، مازاغ البصر ولاالفؤاد، فالقصد الله!، والحب الله!، والتعلق بالله!، والشوق كان لله ولاأحد سواه!، وإن رأى من آيات الله العظمى تشريفا له وتكريما صلى الله عليه وسلم، وفتحا لاشبيه له ولانظير، الروح والجسد يَعْلُوان السماوات السبع، ويفوتان سدرة المنتهى، ويتركان جنة الخلود، ليهنئان ويحطان الرحال عند المحبوب الأعظم والمطلوب الأكرم المولى سبحانه وتعالى، عندها يقف الروح الأمين، المَلَكُ والرفيق جبريل عليه السلام، يترجل أمين الوحي وأمين أهل السماء أدبا وحياءا، وزيادة إكرام وخصوصية وإتحاف للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولكلٍّ مقامٌ معلومٌ!، وكمالات الأدب المحمدي مع الحضرة الإلهية لم تكن لها نهاية أيضا، في الملأ الأعلى لاإلتفات ولاملكوت: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾، بل طلب رب العزة والجبروت، كمال الحب وكمال الشوق لوجه الله العزيز الكريم، طلب له سبحانه فحسب، لاغير ولاسوى، وحين يرجع للأرض تنفطر قدماه صلى الله عليه وسلم حبا وشوقا لمولاه، وهو واقف ببابه لاهج بذكره في كل أحواله(3)، يُسمع منه أزيز يخرج من صدره الشريف صلى الله عليه وسلم كأزيز المرجل(4)، عن أنس رضي الله عنه قال: تعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار كالشن البالي، قالوا: يا رسول الله، ما يحملك على هذا؟ أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: بلى أفلا أكون عبدا شكورا؟./ كنز العمال للمتقي الهندي، المجلد السابع، في العبادات.

هذا سيد أهل الشوق يعلمنا كيف نشتاق لربنا عزوجل، كيف نتعلق بالجناب الأعلى المولى سبحانه، فأي نور هذا أنار قلب حبيبنا المصطفى!؟، وأي حب لله تعالى سكن فؤاده الشريف!؟، صلى الله عليه وسلم!، ومن ينظر في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنته، يرى صورة الشوق لله تعالى في أجمل وأكمل ماجعله الله عزوجل لعبد من عباده الكرام، وماأشير له هنا هو للعبرة والتذكير فحسب لا للعد أوالحصر، وإلا فمن يقدر أن يحصي أنفاس الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم ويعدها علينا بعطرها ونورها وبهجتها وألقها حتى آخر أنفاسه الشريفة!!؟، من ينسى آخر أنفاس الحبيب: ” في الرفيق الأعلى” قالها ثلاثا /ـ أخرجه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ـ، اختار الرحيل ورفقة الربِّ الجليل، بعد أن أدًّى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى لم يبق أحد لايعرف الله، صلى الله على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذربته وآل بيته وسلم.

وصدق سبحانه الخبير بعباده: ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ـ سورة سبأ، الآية: 13ـ، القليل من يطلبني!، القليل من يرجوني!، القليل من يريدني!، القليل من يشهدني في نعمتي عليه!، يسعون لفضلي ويتنكبون عني، وأنا العاطي!، يبغون القليل الفاني وينسوني، وأنا المنعم!، وأنا النعيم الحق المقيم!، وأنا الغني الباقي!: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ـ سورة فاطر، الآية:16ـ.، هو غني عن عملك، غني عن عبادتك، غني عن ذكرك وشكرك: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ـ سورة النور، الآية:21ـ .فسبحان الله الحنّان المنّان الكريم!.

* قال الحبيب المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين: ” لَبِيسَ عبد شغلته النعم يرجوها ويدعو بها عن المنعم، وألهته محبوبات النفس عن محبوب القلب، وبدَّد شمله هم المكان والزمان عن استجماع همته في ذكر مولاه ” (5). من شغل عن طلب المحبوب الحق وجه الله الكريم ليس له غير حصاد البؤس وطلع الشقاء ونتيجة الخسران، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من جعل همومه هما واحدا كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به في أي أودية الدنيا هلك ” ـ أخرجه الحاكم في المستدرك والنسائي في المقدمة ـ

* قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: ” من دلك على الدنيا فقد غشك ومن دلك على العمل فقد أتعبك ومن دلك على الله فقد نصحك “. نعم إن أردت بالعمل نفسك فقد أجهدت نفسك وماعملت إلا لنفسك، وإن نظرت إلى ربك وافتقرت لمولاك ومانظرت لشيء سواه واشتقت له فحسب في ذكرك ودعائك في عملك وعبادتك، فأنت قد سلمت وغنمت، وفزت وهنأت.

* قال الإمام الغزالي: “اعلم أن الناظرين بنور البصيرة علموا أن لا نجاة إلا في لقاء الله تعالى، وأنه لا سبيل إلى اللقاء إلا بأن يموت العبد محبا لله وعارفا بالله سبحانه، وأن المحبة والأُنس لا تحصل إلا من دوام ذكر المحبوب والمواظبة عليه، وأن المعرفة به لا تحصل إلا بدوام الفكر فيه وفي صفاته وفي أفعاله(…) وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار والأفكار.” (6) الحياة كلها رحلة شوق وطلب رجاء وطمع أن يقبلك الله فيمن ارتضى.

* قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: “اذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصل والقربة. اذكروني بالمجد والثناء أذكركم بالعطاء والجزاء. اذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوْبة. اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء. اذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال. اذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة. اذكروني بالندم أذكركم بالكرم. اذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة. اذكروني بالإيمان أذكركم بالجِنان. اذكروني بالقلب أذكركم بكشف الحجْب. اذكروني بصفاء السر أذكركم بخالص البِر. اذكروني بالصفو أذكركم بالعفو. اذكروني بالجُهد فِيَّ أذكركم بتمام النعمة.” (7) .

اللهم أدخلنا حضرة قدسك بسلام آمنين، اللهم “وأسألك لذة النظر الى وجهك الكريم، وأسألك الشوق الى لقائك في غير ضراء مضرة، ولافتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الايمان، واجعلنا هداة مهديين.” اللهم آمين. / ـ دعاء نبوي محمدي، رواه النسائي، والترمذي والحاكم في المستدرك عن عمار ابن ياسر رضي الله عنهما ـ.

سيد الوجود أنار الوجود وتبسما * * * * *لحبيب طال موعده فواطربا

واطرباه بها ترنم بلال وتهلـــلا * * * * * هذا نسيم محمد حبي واطربا

هذا شوق أفناني وزاد ني جـوى * * * * * وهذي غربتي ولت فواطربا

هوامش:

(1) ـ ‏ حسن الثناء على الله عزوجل مفتاح القرب والوسيلة لرضى الرب عزوجل والتجلي لمقام الشوق والوجد، وهو سنة نبوية محمدية مهجورة، ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏ ‏إذا كان يوم القيامة ‏ ‏ماج ‏ ‏الناس بعضهم في بعض فيأتون ‏ ‏آدم ‏ ‏فيقولون اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم ‏ ‏بإبراهيم ‏ ‏فإنه ‏ ‏خليل الرحمن ‏ ‏فيأتون ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏فيقول لست لها ولكن عليكم ‏ ‏بموسى ‏ ‏فإنه كليم الله فيأتون ‏ ‏موسى ‏ ‏فيقول لست لها ولكن عليكم ‏ ‏بعيسى ‏ ‏فإنه روح الله وكلمته فيأتون ‏ ‏عيسى ‏ ‏فيقول لست لها ولكن عليكم ‏ ‏بمحمد ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فيأتوني فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقول يا ‏ ‏محمد ‏ ‏ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع. /أخرجه الامام البخاري رحمه الله تعالى. اللهم صل على الحبيب المصطفى وعلى آله وسلم.

(2) الحديث عن الخلاف في موضوع رؤية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لربه تعالى ليلة الإسراء والمعراج يتشعب ويطول، وأجمع ماوجدت في هذا الموضوع ماجاء في شرح رسالة الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله: ( الاقتصاد في الاعتقاد )، ذُكِر أن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله قالوا: إن الجمع بين النصوص هو هكذا، النصوص والآثار الواردة عن السلف في بعضها أنه رآه، وبعضها أنه لم يره فيجمع بينهما بأن النصوص التي فيها أنه رآه تحمل على رؤيته بقلبه، والنصوص التي فيها أنه لم يره تحمل على أنه لم يره بعيني رأسه، وبهذا تجتمع الأدلة ولا تختلف.انتهى/ ومع ذلك نقول: الله ورسوله أعلم، حتى سيدنا جبريل عليه السلام وقف عند هذا المقام وأطرق حياءا ولم يتقدم ولاخطوة واحدة، نقول الحمد لله على نعمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

(3) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه” أخرجه الإمام مسلم : 2/30/373، والإمام أبو داود : 1/9/18، والإمام الترمذي : 49/9/3381، والإمام ابن ماجة : 2/11/303.

(4) عن عبد الله بن الشخير رضي الله قال: ” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء” ـ رواه الإمام أحمد والإمام أبو داود والامام النسائي ـ .

(5) كتاب الإحسان ج:1 ص: 295.

(6) الاحياء ج 1 ص 299، نقلا عن الإحسان ج:1 ص:297.

(7) الغنية ج 2 ص 43 نقلا عن الإحسان ج:1 ص:300.