إن من يتفرَّس في أمر هذا الإعلام الساري في هشيمنا اليوم، ويتأمل في شأن الثقافة الشائعة في المحافل والمنتديات والمتسللةَ ما بين السطور نَفْثاً في الصدور، والطالعةَ من تحت الأرض وما بين الدروب ومن أعالي السُّطوح إلى قرار النفوس وثنايا العقول، بل الكاشفةَ عن وجهها الكالِحِ يكتشف المؤامرةَ الرهيبةَ الْمُغَيِّـبَةَ الميثاقَ الناكثةَ العهدَ. لا يكاد ينقلك شيء من الخوض في أحاديث الدنيا ومشاغلها وصراعاتها ومباهجها وملاهيها إلى التفكر في الحياة الحقيقية في الدار الآخرة بعد الموت وما تقتضيه من استعداد يُصْلِحُ من شأن نفسي ومن شأن نفسك قبل اللقاء العظيم المحتوم بين يدي رب العزة جلَّ وعلا.

رسالةٌ واحدةٌ بسيطة واضحةٌ لها معنى واحد بسيط واضح هو مضمون ما تُلَقِّنُه ثقافةُ المتعةِ الغافلةُ المستغفِلَةُ الإنسانَ الْمُتَلَقِّفَ التّائهَ ويَبُثُّه إيّاه الإعلامُ المائعُ اللاَّهي: “لك الساعة التي أنت فيها، فاغنم من صنوف الملذات واغرف من بحر المتعة قَدْرَ ما تستطيع، فما يتَّسِعُ عُمُرُكَ لغير هذا”!

ولهذا تجد الرسالةَ ذاتَهَا مُوحىً بها إلى كل الناس، منثورةً في كل اتجاه مبثوثةً على أمواج كل محطة وقناة، منشورةً على كل صفحة معروضةً في كل مكان بين السماء والأرض، تَحْصُرُكَ وتتلَوَّنُ في عينيك بكل الألوان أغنيةً وإعلاناً وتمثيليةً ورسوماً وقصةً وقصيدةً وخَبَراً ولوحةً يتعوَّدُ عليها الصغار والكبار ويتطبَّعون. رسالةٌ واحدة وحيدةٌ ولكنها مُتَلَوِّنَةٌ تَلَوُّنَ الْحِرْباء؛ والحرباء هي الحرباء مهما اصطبغت بصبغة ما تَدِبُّ عليه.

ويكاد يكون الكل مُبَرْمَجاً على مضمون هذه الرسالة لاهجاً بها لاهثاً على كل أحواله محمولاً على موجتها مشغولاً منشغلا مشتغلاً داعياً مجيباً منهمكاً غارقاً طامعاً طامحاً كادحاً متلهفاً ناسياً غافلاً كأنه لا موت ولا آخرة ولا حساب ولا جزاء، حتى إذا حَلَّ على ابن آدمَ قدَرُ الله الذي لا يُرَدُّ قال وَلاَتَ حين ندم: “يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنتُ لمن الساخرين” .

شأن المؤمن

في فقرة مَضَتْ تساؤلٌ عن سِرِّ ومصدرِ المعاني الذي كانت تسكن الراحلةَ خديجةَ وتغتذي منها عزيمتُها الماضيةُ وتستمد منها -رحمها الله ورضي عنها- زادَهَا وقوتَها وثباتَها ويقينَها حتى أَضْحَتْ مثالاً لِمَا يستطيعه روحُ ابنِ آدم إن صانَ النَّفْخَةَ العلويةَ بمعاني الإيمان ورعاها بعين الإحسان مِنْ دَنَسِ النفس والهوى والشيطان وحَفِظَ عهد ربِّه وميثاقَه الذي واثقه به من قبل: “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا” .

فما حقيقة تِلْكُمُ المعاني وما حظِّي منها؟ وما هو المطلوب إلَيَّ أنا المخلوقَ الْمُمْتَحَنَ في هذه الدنيا؟ وما شأني أَعْظَمُ شأنِي فيها؟ إِذْ ما أشدَّ ما تضطرب نفوس العباد بين عناصر معادلةِ المطلوبِ إليهم في شؤون دينهم ودنياهم إن لم يتداركهم المولى تعالى بقبس من نور حبيبه صلى الله عليه وسلم.

ومما يُهْتَدَى به من أنواره صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن حديثٌ عريضُ المتنِ عظيمُ المعنى جليلُ الفائدةِ زاخرُ الوصية أَغَرُّ أَنْوَرُ هذه لُمْعَةٌ مِنْ لُمَعِه:

“وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه” .

وكيف يكون للعاقل بَصَرٌ بزمانه إن لم يكن للتَّهَمُّمُ بأمر أُمَّتِه مَحَلٌّ في مجال حقله البصري البتَّة؟ وكيف يكون هذا العاقل “مقبلا على شأنه” إن لم يعرفْه أَوَّلَ شيء؟

جاء في لسان العرب في معنى الشأن: (الخَطْبُ والأَمْرُ والحال).

يقول عز من قائل في سورة يونس: “وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ، وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” .

ويقول تعالى في سورة الرحمن: “يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ” .

وفي تفسير ابن كثير: عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: “كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ”؛ قال صلى الله عليه وسلم: “يغفر ذنباً ويكشف كرباً ويجيب داعياً”.

فشأنُ العباد أن يَدْعُوا ربهم ويستغفروه ويعبدوه ويعرفوه ويحبوه، وكيف لا يكون هذا الشأْنُ الجسيم مطلوباً إليهم وما خَلَقَهُمْ سبحانه إلا من أجله. وشأنُه تعالى أن يغفرَ لهم ويرحَمَهم ويكشفَ عنهم البلوى ويجيبَ الدعاء، وكيف لا يكون هذا خَطْباً عظيماً وليس لهم إِلاَّهُ غافراً راحماً ومغيثاً مُجيباً سبحانه. وشأنه صلى الله عليه وسلم أن يَتْلُوَ هذا القرآن على عباد الله وَيُزَكِّيَهُمْ ويُعَلِّمَهُمْ الكتاب والحكمة ويأْخُذَ بأيديهم ويرقى بأرواحهم في مراقي الإيمان والإحسان، وكيف لا يكون هذا أمراً جَلَلاً وما بُعِثَ صلى الله عليه وسلم إلاَّ لذاك.

“وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه”.

وكما يكون من شأن العبد مع ربه في هذه الدنيا يكون شأنه تعالى معه في الآخرة. وشتان في دنيا الناس هته ما بين شأنٍ وشأن. وشأنُ العاقل وشاغِلُه في دار البلاء لقاءُ الله تعالى في دار الجزاء حين ترى الناسَ “سُكارى وما هم بسكارى” ، حيث يكون “لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ” .

ومَنْ أقبل على شأنِه هنا كُفِيَ شَأْنَهُ هناك.

“وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه”.

وفي هذا الحديث العريض الأغر وفي غيره يُعَدِّدُ صلى الله عليه وسلم من شؤون المؤمن التي لا يصلح أمر دنياه وآخرته إلا بِطَرْقِ أبوابها ويوجهه كيف يطرق وكيف يَلِجُ وكيف يصنع. غير أنه صلى الله عليه وسلم يوجه بَصَرَنَا نحن المؤمنين إلى زاوية النظر التي يَدْخُلُ في حقلها البصري الأفقُ البعيد والغاية السامقة التي ينبغي على العبد العاقل أن يَرْنُوَ إليها، ويدخلُ فيه المدى القريبُ والمجال المحيط والواقع الحاضر والناس المخالَطون. ومَرْكَزُ الحقل البصري للمؤمن هو “شأنُه” ومصيره في الأفق البعيد -بين يدي الله- تُقَرِّبُه سكراتُ الموتِ المنتظَر.

إنه لا يطول الأمد على عَبْدٍ في أَيِّ “شَأْنٍ” من شؤونه إلاَّ تأصل في نفسه بحكم الاِستغراق حتى إنَّه ليفيضُ بطبيعته على هذه النفس فتكاد تصيرُ كُلُّ ماهيتِها منه وحده، وتمسي كلُّ سجاياها نسخة من سجيته كأن طينَ هذا العبد عُجِنَ بماء هذا “الشأن” أوَّلَ ما خُلِق. فإن كان هذا “الشأنُ” جزءاً يسيراً من مراد الله تعالى مِنْ عبدِه لا كُلَّ المراد فيكاد يزيغ المستغرق فيه عن الغاية من خَلْقِهِ إن لم تتداركه العناية الربانية. وإن كان في هذا “الشأن” مرادٌ مما يريد الشيطان في ابن آدم وحظٌّ من حظوظ الهوى يُضْعِف ويُغَيِّبُ ويخنق المعاني الإيمانية في قلبه فيا مُغيثُ أَغِثْ. ونعوذ بالله مما يسمى في القاموس القرآني النبوي “الطّبعَ” و”الْخَتْمَ”. وهو انسدادٌ يحصل في منافذ القلبِ، مَحْضِنِ المعاني الإيمانية، وتَلَفٌ يصيب السُّبُلَ والقنواتِ السالكةَ بها إليه فلا ينتفع بها البتَّة.

وما يسري حُكْمُهُ على الفرد الواحد من الناس يسري على الأُمَّةِ منهم؛ إذْ لا يطول عليها أمدٌ في الانشغال بالشأن العارضِ عن الشأن الثابتِ، وبالاِشتغال بالحركة الميدانية محجوبةً منقطعةً عن النَّبَإِ العظيم، ولا تستغرق استغراقاً في ما يتصارع حوله الناس من حظوظ لاهثين أَبَداً تائهين غافلين عن الله وعن الدار الآخرة إلا انقلبت أشرعتها من مدفوع بها برياح الإيمان الطيبة إلى مَلْعُوبٍ بها بقوة ريح الهوى في محيط لُجِّيٍّ لا شعاع في سمائه لِفَرْقَدٍ يُهْتَدَى بنوره. والمحبوبون المحظوظون من عصمهم الله تعالى بِحَرِيصٍ رَؤُوفٍ رَحِيم.

لا عجب أن وصف الله تعالى حبيبَه صلى الله عليه وسلم إذ قال: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم” ، ولكن لِمَ كل هذا الحرص منه صلى الله عليه وسلم على شأنِ المؤمن، أَعْظَمِ شأنِه؟

فُطِرَ الإنسان على النسيان، وابتُلِيَ بشيطان مُسْتَغْفِلٍ مُغْفِلٍ عن ذكر الله وعن الموت وعن الدار الآخرة، وامْتُحِنَ بِنَجْدَيْن وأُيِّدَ وعُضِّدَ بِمُبَلِّغٍ عن ربِّه هادٍ مُذَكِّرٍ ناصحٍ أمينٍ، فوجب أن يُقْبِلَ هذا العبدُ بِعَيْنَيْ قلبِه على شأنه يتعاهدُه بالمجالسة الربانية وبذكر الله. والعبد بهذا في جهادٍ عظيمٍ بين ساعتين:

ساعة وساعة

يوصي ربُّنا سبحانه نبيَّه الحبيبَ الطبيبَ صلى الله عليه وسلم: “وذكِّر، فإن الذكرى تنفع المؤمنين” . وذِكْرَى الْمُذَكِّرِ الناصحِ الرَّبَّانِيِّ تمسح بيد من نور على القلب الغافل الغافي فتوقظه من غيبوبته وغفوته، وتفتح منافذ الخير إليه وتوسِّعُ مَجَارِيَه تتعهَّدها بالصيانة اللازمة. ولا ذكرى نافعة تُلْتَمَسُ عند غير الصحبة الربانية الذاكرة المذكِّرة.

روى مسلم عن أبي عثمان النهدي عن حنظلة الأسيدي قال: وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما ذاك”؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة”. (ثلاث مرات).

بذكر الله تعالى تُشفى القلوب وتحيى وتطمئن. وقد ساوى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف بين أَثَرِ صحبتِه صلى الله عليه وسلم: “عندي” وبين أثرِ ذكرِه تعالى: “وفي الذكر”. ومن آثار الصحبة والذكر أن تصفوَ الروح وتَرِقَّ وترقى إلى درجة تكاد تُعَايِنُ “ما هنالك” فتصْبِحَ -وهي تَدِبُّ على الأرض- من أهل الآخرة. بل إنه صلى الله عليه وسلم أقسم إنه لو ندوم على ما نكون “عنده” “وفي الذكر” لرُفِعت السُّجوف فَشارَكَنا “مَنْ هنالك” مِنَ الْمَلإِ الْخَيِّرِ الطاهرِ العلِيِّ حياتَنا على الأرض قبل يوم العرض، وَلَكُنَّا مِنْ معاني الإيمان ومِنْ معارف الإحسان في أعلى درجات الإشباع الروحي حتى على فُرُشِنَا ونحن نعافس الأزواج وحتى في طُرقاتنا ونحن نمشي في مناكب الأرض ونأكل من رزقه ولكن: “ساعة وساعة”. وإن حركة القلب المؤمن ما بين هتين الساعتين لهو الجهاد الأكبر الموصل إلى رضا الله تعالى. رضي الله عنا جميعا، آمين.