الملك العضوضأحصى التابعي الحسن البصري رضي الله عنه موبقات دولة معاوية، وذكــر انتـزاءه على الأمة بالسيف، حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة. واستخلاف ابنه وهو سكير خمير، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير. واستلحاقه زياد. وقتله حُجْر، وأصحاب حجر (انظر ابن الأثير، ج3، ص242، البداية والنهاية، ج8، ص 130).

ومهد للأمر عمرو بن العاص لما أشار برفع المصاحف يوم صفين، والمغيرة بن شعبة لما وطأ البيعة ليزيد الفسق.

وهكذا آلت، خلفا بعد خلف، قواعد دولة القرآن في الشورى والعدل والإحسان إلى الانتقاض.وقليل من الملوك الصالحون.

انفراط عقد الوحدة

فلم تعد دولة العض تعنى بهذه القواعد، فأنيط شأنها بذمة الأفراد، يرعاها الدعاة في خاصة أنفسهم وخاصة أمصارهم وقراهم. وكان من ذلك مظاهر القوة في الحضارة الإسلامية رغم فساد الحكم. استقالت الدولة شيئا فشيئا من مهمة الدعوة، ورعاية قواعد الإسلام الثلاثة في الشأن العام. لقد أصبحت قواعد الشورى والعدل والإحسان منوطة بذمة الأفراد، وكان الفقه فيها فرديا، لا متصلا بالشأن العام.

وآل أمر الملك إلى قوة العصبية وكثرة المال، وكلما نخر فيهما ناخرا الانفراد بالمجد والترف، سيق الملك إلى الانقراض.

لقد بقي سلطان الدعوة في أهل العلم والصلاح، لكنه سلطان ضعيف، فقد كان سلطانها والدولة في يدها سلطانا واحدا موحدا، وسيدا سائدا، وكاملا مكملا. فلما أبعدت عن سلطان الدولة، وزويت عنه أو انضوت تحته، صار أمرها إلى الشتيت والنقصان. تشتتت الدعوة بشتات أهلها، فظهرت المذاهب واستعرت نيران الخلاف، وجزء التخصص نظرتها في الدين فذهب الفقه الجامع. قُطعت الدعوة مذاهب، فكان من ذلك نقصانها. فاندس بينها أصحاب الأهواء العصبية والمذهبية والشعوبية والهوى المتبع، والإعجاب بالرأي، فاحتوشوا ربانيتها.

فسد الحكم فأفسد العقيدة، وجاءت الجبرية دعما لحكم بني أمية، وثارت عليها القدرية. ومدت هذه دولة بني العباس في غيها. وفار تنور الانحراف في عقيدة بعض من انتسبوا إلى الشيعة، وتولى كبره عبد الله بن سبأ اليهودي والمختار بن أبي عبيد الثقفي، وغلاة الشيعة؛ فكانت عقيدة الوصية والغيبة، والرجعة، والعلم السري، والبداء، وادعاء النبوة، ثم التقية والعصمة… كل ذلك سوغه “الطلب بدماء أهل البيت” والدفع عن الضعفاء. وأشهر الخوارج سيف عقيدة التكفير دعما لسيف التقتيل في صفوة بني أمية. وظهرت عقيدة الإرجاء ردا عليها.

وتسرب الفكر الدخيل من طريق الترجمة. ومن وراء الترجمة أهواء السلطان، وصراع الحكم، وحاجة الإدارة، وكيد العقيدة، وفضول العلم، وضرورة الجوار. فكان من هذا ترجمة الملل والنحل يهودية ونصرانية، ومجوسية مانوية، وصابئة هرمسية، وفلسفة سقراطية وأفلاطونية جديدة وأرسطية. وكان من هذا الذي دخل فساد؛ إذ هو الشرك والتثنية وإنكار النبوة عند المجوس. وعند الصابئة نفي الصفات، ونسبة الفعل للكواكب واستغناء عن النبوة.

مستنقعات مشرقية وأخرى يونانية. عقائد فاسدة بدت شظايا في عصر التدوين وقبله بقليل، ثم تضلعت فصارت نظريات لما نقل “مجلس التعليم” بأساتذته وكتبه الأفلاطونية، أفلاطونية الحكماء السبعة، إلى حران الشام ثم إلى بغداد العراق. اداركت في التأثير فمست غلاة الشيعة الأوائل، ثم الرافضة والجهمية وبعض التيارات المجسمة. واستحكمت في متصوفة الاتحاد والحلول وإخوان الصفا. ثم تربعت على عرش الفلسفة الإسماعيلية وفلسفة الإشراق تنصرها الفرق الباطنية.

ولقد قامت الدعوة تذب عن الدين لما ران الفكر الدخيل على صفائه ووضوحه. وما طلع عصر التدوين إلا ذبا عن الدين. فقعد الشافعي للفقه في “الرسالة” لما انحرف الرأي ووضع في الحديث واستحسن ما خرج عن الأصول. وقعد سيبويه للغة في “الكتاب”، والخليل للمعجم في “العين”، والجاحظ للبلاغة “في البيان والتبيين”. فعلوا هذا لما فشا اللحن من دخول لغات أخرى. وقعد الأشعري للكلام “في الإبانة عن أصول الديانة” ذبا عن العقيدة أن تغتالها العقائد الفاسدة، الواردة من أمم دخلت الإسلام وفيها بقايا جاهلية.

ولئن كان شتات الدعوة، تحت وطأة الدولة العضوض، أزرى بشمول النظرة في الدين، ولئن كان نقصانها أزرى بربانيتها ووضوحها؛ فإن طوق التقليد، وسد باب الاجتهاد، حجبها عن الأصل القرآني النبوي.

كل أولئك ران على صفاء الدعوة وأضعف قوتها. ثم إنها وردت بعد على نفوس أعجمية وأخرى عربية قد غشاها رفه الحضارة، ودخلت الإسلام تحمل أوزار إرثها القديم، وتحمل عجمتها واختلاط ألسنتها، مطوقة بعد ذلك بدين الانقياد ونحلة الغالب. فكان من كل ذلك أجيال شتى؛ بالية الإيمان، ضعيفة العلم، رقيقة الدين لا كالأول زمن النبوة والخلافة.