الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد، فقد ارتبط اسم المخزن في الأذهان بالبطش والغدر والظلم والكذب وقلب الحقائق… وكل وصف قبيح تشمئز منه النفوس. كما ارتبط بالمغرب دون سواه من البلاد. حتى إنه من الأشياء القليلة التي يمكنك أن تضع عليها عبارة “Made in Morocco”، وأنت على يقين تام بأنها لم تصنع في الصين أو تايوان. بَيْـد أن المخزن كفكرة وفلسفة للطغيان، وآلة تمتص دماء المستضعفين لِتـودِعها ذهبـًا ودولارات في الحسابات البنكية للمستكبرين، ليس حالةً مغربيةً فريدةً تماما. وبالتالي فإننا، ولله الحمد الذي لا يُحمد على مكروه سواه، لسنا نَـشازا. لأن شعوبا أخرى خلف الحدود ومن وراء الضفاف ترزح تحت نَيـر أناس يشبهون الجاثمين على صدورنا إلى حد بعيد…

الغريب أن هناك مخزنيين حتى في البلاد التي تسمي نفسها دول الشمال ترفّعا، وتسمّينا دول الجنوب “حرصا على مشاعرنا” أن تخـدشها مفردات من قبيل: عالم ثالث، دول متخلفة إلخ… فالقـوم أيضا، رغم سحناتهم المختلفة، رغم عيونهم الزرقاء وشعورهم الشقراء، رغم الهندام الحسن وربطات العنق المعقودة بإتقان، فالكثير منهم “مخزنيون”. الفرق الوحيد هو أنهم لا يُـبارزون مواطنيهم وبني جلدتهم بمخزنيتهم، وإلا أقام هؤلاء الدنيا ولم يُـقعدوها حتى يسقطوهم من على كراسيهم، ليحاكموهم ويزجوا بهم في السجون، بل يظهرونها لمن أَلِفهـا وعرفها من الأمم، أي لنا نحن معاشر الشعوب المتخلفة عامة والمسلمة خاصة.

الأمريكيون نموذج صارخ في محاكاة المخزن. فهم يجتهدون في تقديم أنفسهم على أنهم “رُعاة الحريات وحُماة حقوق الإنسان” لكن الواقع يُثبت يوما عن يوم أن الشيء الوحيد الذي يَبْرعون في رعايته هو البقر. ففضلا عن أنهم يحشرون أنوفهم في كل كبيرة وصغيرة في العالم فإن عَـْربَدَتَـهُم حولت الكوكب إلى بـؤر أزمات ملتهبة، لن تُطفأَ إلا بأنهار من دماء الأبرياء. باسم محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية احتلوا أفغانستان، لتصير ما نسمعه ونراه اليوم في الفضائيات. وأصرّوا على أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل (إصرار تاجر الأسلحة الذي ما زال يحتفظ بالفواتير). ثم غزوه ليفعلوا فيه ما لم يفعله هولاكو في بغداد أو نِـيرون في روما. وهاهم أولاء يهمّون بتقسيمه كما لو كان ولايتهم الواحدة والخمسين!!

أليس ضربا من المخزنية أن تملأ إدارة جورج بوش الدنيا ضجيجا عن “انتهاك حقوق الإنسان” في قطاع غزة، حسب زعمها، وعن الحالة المأساوية لأهل دارفور، وتدعو إيران وسوريا والسودان لـ”تطبيق الديمقراطية”، وتهددها بالويل والثبور وعظائم الأمور إن هي لم تـَـرْعَـِو..! وفي نفس الآن تغضّ الطرف عن أنظمة غارقة في الاستبداد حتى النخاع، فقط لأنها تُـَسبح بحمد أمريكا وتتودد إلى الكيان الصهيوني من تحت الطاولة! بل إن “الآنسة” كوندوليزا رايس كثيرا ما تشد الرحال إلى هذه البلاد، تجلس إلى الطغاة الذين يحكمونها، بابتسامتها الوديعة وتنّورتها القصيرة واضعة رجلا فوق رجل، لتنقل إليهم آخر إملاءات العم سام، دون أن تنسى عند الوداع أن تطبع قبلات حارة على وجناتهم، متمنية لهم التوفيق في “مسيرتهم الديمقراطية الرائدة”…أليس هذا هو الكيل بمكيالين الذي يبرع فيه المخزن أكثر من سواه؟

بعد رحيل توني بلير -التابع الوفي لبوش- ظهر في بلاد الغال رجل آخر يكادُ يقتفي أثر هذا الأخير حَـذوَ النعل بالنعل. إنه نيكولا ساركوزي، الذي جاء منذ أسابيع إلى المغرب، واستقبل استقبالا يليق بأحفاد نابليـون وجـوزيفيـن (مع أن ساركو من أب هنغاري وأم يهودية)& فُـرش له السجاد الأحمر، ونَزلت جميع أركان الدولة المغربية لتتملى ب”طلعته البهية”. حتى يخيل للمرء، من فرط طول الصفوف المتراصة لمصافحته، أن “المقدمين والشيوخ” فقط تخلفوا عن هذا “الموعد التاريخي”. ترى من كان يُسير البلاد عندما كانت شمس مراكش القائظة تلفح وجوه الوزراء والجنرالات والموظفين السامين، طوال ساعات من الانتظار المذل بعيدا عن مكاتبهم في الرباط؟

المهم أن الرجل جاء ليبرهن أنه “مخزني بلا حدود”. ألقى في البرلمان خطابا لم يـعِ مضمونه سوى ثلة من النواب الذين خالطوا مدرجات الجامعات. أما الأميون وأنصاف الأميين، فقد ظلوا يُحَملقون فيه، محاولين التقاط كلمة أو كلمتين بالفرنسية من رواسب أيام التعليم الابتدائي، لمن أكمله منهم، بدون جدوى. لكن العَتب على إدارة البرلمان، التي لم تفكر في اعتماد خدمة الترجمة الفورية (من الفرنسية إلى الدارجة) أو على الأقل في وضع “منجد عربي فرنسي/فرنسي عربي” بجوار كل برلماني لكي تزيل الحرج عن أصحابنا، ويعرفوا على الأقل لماذا يضطرون لإحماء أيديهم بالتصفيق، كلما أتم ساركوزي فقرة من خطابه ورفع رأسه ليرمقهم بعينين كالصقر وشبح ابتسامة ساخرة مرسومة على شفتيه.

امتدح ساركو “النموذج المغربي” ولم يَفُتـهُ أن يُملي علينا كيف نعيش إسلامنا، بقي فقط أن يعيد تعليمنا مبادئ الوضوء والغسل وأحكام الصلاة !!…وتماما كما يفعل عَـرابو المخزن ودَهَاقِـَنتُـه، فاخر بـ”مغرب اليوم الذي تغير-على حد قوله-، المغرب الديمقراطي، التعددي، المتصالح مع ماضيه والواثق في مستقبله”. ترى هل تثـق الـ80 في المائة من المغاربة الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء الذهاب لمكاتب التصويت…هل تثـق هذه الملايين في مستقبل المغرب؟! ثـم عن أي تعددية يتحدث الرجل ونخبةٌ من خيرة رجال الوطن ونسائه مُضيق عليهم، قد سخر المخزن منابر السوء لتخلط على الناس أمرهم، وزبانيته لحصارهم… ؟! لسان حال المغرب اليوم يقول: كفى كذبا، لأن المغرب لم يتغير. فلا تحاولوا إقناعنا بأن الديمقراطية المغربية مشربها فكر مونتيسكيـو وجان جاك روسـو، وجَعْـلنا نُصدق أن ثريا جبران هي جـان دارك وأن عباس الفاسي هو فيكتور هيجـو وأن “العهد الجديد” هو عصر الأنوار.

ولعل معظمنا فَغَـَر فاه من الدهشة وفًـَرك عينيه غير مصدق أن ساركوزي الذي يقول إنه يريد “إقامة علاقة مع المغرب بدون تكبر” والدموع تكاد تقفـز من مقلتيه، هو نفسه وزير الداخلية المتعجرف في حكومة رافاران التي سنت “قانون حظر الرموز الدينية”، والرجل الذي قمع أبناء المهاجرين قمعة مخزنية في الضواحي الباريسية ونعتهم بـ”الرعاع”، والذي وصف الأفارقة منذ أشهر (ونحن منهم) بالكسالى الذين يهيمون في الأرض على وجوههم بلا هدف، وصاحب قوانين الهجرة العنصرية الذي قال “لا” لتدفق ذوي السواعد المفتولة والرؤوس الفارغة إلى فرنسا. المهندسون والأطباء والعلماء نعم، أما “الرعاع” فـلا!

من يجرؤ على لوم رئيس دولة منتخب ديمقراطيا على قول أو فعل ما يراه يخدم مصالح مواطنيه؟! من يستحق اللوم هم أولئك الذي تركوه يستخف بعقولهم بخطاب، هو نفسه لا يصدق حرفا واحدا منه، كذلك لا يصدقه أي فرنسي قرأ كتاب نيكولا بـو وكاترين غراسيي “Quand le Maroc sera islamiste” (عندما يصير المغرب إسلاميا) أو شاهد تحقيقا عنوانه “Maroc: voile ou bikini” (المغرب: حجاب أم بيكينـي) في القناة الفرنسية الثانية…أما الأغرار الذين سمعوا “مسيو ساركوزي”، الخطيب المفوه، يتحدث عن علاقة الغرام بين المغرب وفرنسا وهُـيَام الفرنسيين بالمغاربة فقد تصوروا أن قصة الحب هذه ستنتهي بـ”زواجٍ أبيض”، يجعل المغاربة يغرقون في العسل بعد أن ينهي خطابه…لكنه قال كلمته ومضى، بعد أن باعنا لعبة لسنا بحاجة إليها اسمها “TGV”، ووقع عقودا بملايير الدراهم، لن ننتفع بسنت واحد منها ككل مرة، إذ ما أسرع ما ستتلقفها أيدي اللصوص لتعيدها لمصارف سويسرا…و”فرنسا الحبيبة”.

الظلم والاستكبار هما روح المخزن، وهما كذلك سمة العالم اليوم وطابعه الغالب. من هنا جاز القول بـ”عولمة المخزن”، والحديث عن “المخزن العابر للقارات”. ولأن الظلم مؤذن بالخراب، فإن دولته زائلة لا محالة. فَقـدَر المستضعفين في الأرض أن يتحرروا من ِربقة أي مخزنٍ أينما كان. تلك سنة الله. من أراد أن يبصرها، فليقف عند قوله عز من قائل: ” أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً ” (فاطر-45). سيروا في أرض التاريخ، وتأملوا كيف أن الله عز وجل يمهل المستكبرين، ولا يهمل سبحانه…