الشباب هم قاعدة التحول المجتمعي، وأعظم تحول يمن الله به على هذه الأمة، أن يغير سبحانه وتعالى ما بالنفس وما بواقعنا من غثائية وداء الأمم: حب الدنيا وكراهية الموت، لتحي الأمة من جديد وتنتقل من واقع الفتنة والتخلف والتشرذم إلى مستقبل الإيمان والعزة.

والشباب الصالح المفلح هم الطليعة المجاهدة الحاملة للواء التغيير والدعوة إلى الله عز وجل والدلالة عليه، بأفواههم الصائمة وسواعدهم المتوضئة الطاهرة وقلوبهم الذاكرة وعقولهم المنورة والمستنيرة بهداية الوحي وتوجيهاته والمتفقهة في الدين وللواقع وتموجاته وأحداثه.

فأي زاد يحتاجه هذا الغرس الطيب الذي أصبح حديث الناس وقد ملأ الدنيا جماحا وزاحم الناس في المساجد والمدارس والجامعات وفي كل مناحي الحياة، أي زاد يحتاجه شباب الدعوة اليوم ليزداد قوة وإيمانا وصلابة في الحق، وينمو ويكبر ويترعرع فيِؤتي أكله بإذن ربه، فإذا بالدعوة تتقدم رويدا رويدا إلى العمق الشعبي وتقوض حصون الفتنة وتبني غذ الإسلام المنشود، وعدا من الله غير مكذوب؟؟

الشباب والتربية الإيمانية

التربية الإيمانية المتوازنة الشاملة هي الزاد الحقيقي، بها تتنور القلوب وتحي، ويتجدد الإيمان ويقوى، التربية هي القمينة بتأهيل الشباب وتنمية قدراته وصقل مواهبه وتحرير طاقته واكتشاف مواهبه وتطوير كفاياته في شتى المجالات، فالأساس التربوي عليه تبنى الشخصية المتوازنة الحاملة لمشروع الدعوة، وبدونه يكون البناء على الرمل ليس إلا، سرعان ما ينهار ويتلاشى، فالتربية المشروطة بالصحبة الصالحة المذكرة بالله الصادقة مع الله الدالة عليه سبحانه وتعالى في ظل جماعة من المؤمنين المنظومين في سرب واحد بنواظم المحبة في الله والطاعة والتناصح وسياج الذكر والصدق مع الله عز وجل هي الكفيلة بتخريج أجيال من الشباب الصالح المقتحم القادر بعد الله عز وجل على مواجهة مقتضيات الجهاد بكل أبوابه ومعانيه.

فبدون التربية والتأطير والتكوين، تفقد الأمة شبابها فإذا بهم ينجرفون إلى واجهات مشوهة، يفقدون فيه الرجولة والفتوة، فيصبحوا لقمة سائغة في أفواه موجات الانسلاخ العارمة والمسخ الدوابي الجارف.

إن التربية الإيمانية وما تتطلبه من حكمة وأسلوب متميز، هي المسلك الناجع لإعادة صياغة الإنسان من جديد وإعادة إنتاج بناه النفسية والفكرية ليقوم قومة ذاتية شاملة تسبق التغيير الاجتماعي والسياسي، فهي الدواء الحقيقي لشباب يشكو الخواء الروحي والفتور الدعوي، وهي الحصن الاستراتيجي ضد الميوعة والاستلاب، ففي غياب هذا الورد الإيماني الأخلاقي لأبناء الدعوة، يكون شباب الحركة الإسلامية كما مهملا لا وزن له في عالم موار يعرف مخاضا خطيرا، فيصبح التيار الإسلامي رقما من الأرقام لا يتميز عن غيره من التنظيمات إلا بالشكل إن وجد له سمت في الأصل.

الشباب والعمل الدعوي

قبل وبعد وأثناء الممارسة الدعوية لابد من التربية الإيمانية فهي العاصمة من الانزلاق في اتجاه خط دعوي تغلب عليه الحركة الجوفاء، فالشباب اليوم في أمس الحاجة إلى التحريض على الدعوة لينهض ويستفيق من الخمول والركوض، فالفعل الدعوي للشباب تلمسه أجيال الحاضر من خلال المحاضن التربوية ومجالس الإيمان ومنتديات التواصل الدعوي لتبليغ المشروع الإسلامي لأبناء الأمة.

أكيد أن الدعوة بدون علم تخبط وارتجالية، فالعلم بالله عز وجل وبدينه وبالواقع الذي رشحتنا أقدار الباري تعالى للتحرك فيه مقدمات أساسية لتحميل الرسالة لعالم متعطش فقير إلى الرحمة الإحيائية، وهنا تطرح على أهل الدعوة في طريقهم مسألة بالغة في الأهمية: تخريج أفواج من الشباب الرسالي الدعوي الحامل لا المحمول، المتفقه في الدين والمتبصر للواقع وذلك من خلال تكوينه وتأطيره وتعليمه ليكتسب آليتي الرحمة القلبية والحكمة العقلية وهما مفتاحان أساسيان لإدراك النفوس البشرية والواقع الذي تتحرك فيه بغية التغيير الشامل.

إن الشباب الحائر اليوم في واقع يتسم بالاضطراب والانسياب والفوضى، يطلب الخلاص والنجاة وينتظر الفرج في لهفة، لكن حال بينه وبين الطمأنينة خطاب مكفر منفر، وأخر مهول، للحقيقة مبدل، وحصار للدعوة تحت عباءة محاربة الإرهاب والتطرف، وهي عقبات حقيقية تعترض العمل الدعوي اليوم، لابد لأهل الدعوة أن يجدوا لها أساليب إبداعية ليقتحموا العقبة إلى الله في يقين تام بأن عنايته سبحانه وتعالى ترعانا حتى يتم الله هذا الأمر أو نهلك دونه.

كلمة للشباب

يا معشر الشباب، إن الوظيفة العظمى أن نرث عن أنبياء الله ورسله مهمة تحميل الرسالة للعالمين، لنكون من المبلغين عن الله الموقعين عن أحبابه وأصفيائه، سائرين في درب المقربين، متشوقين إلى لقائه سبحانه وتعالى، متشوفين إلى مستقبل الأمة الإسلامية بقلوب زادها الفتح الرباني وعقول تهندس الاستفتاح الميداني، نسأل الله أن نكون كذلك أمين والحمد لله رب العالمين.