2- قبل القومة: رهان البناء

إذا كان الرهان على سند الشعب، بعد سند الله عز و جل، في التغيير قبل القومة أمر حاسم فإن الرهان عليه في عملية البناء بعد القومة أشد منه وأقوى لاعتبارات كثيرة منها:

1- مشروعنا الخليفي الراشد رسالة عالمية إلى الإنسان ويتجاوز حدود القطر والقومية.

2- طبيعة التغيير المجتمعي العريض والشامل الذي ننشده يحتاج، بل يفرض فرضا مشاركة عريضة للقاعدة الشعبية وإلا فهو من قبيل الحلم والخيال. يقول المرشد الحبيب: “لا خلاص للأمة إلا بإشراك قاعدة عريضة في الزحف” (العدل، الإسلاميون و الحكم، ص533).

3- ارتهان نجاح البرامج والمشاريع الجذرية والمصيرية بعامل الجماهيرية والمشاركة الشعبية المكثفة والواسعة: “بعد القومة نجد أنفسنا إن شاء الله أمام واجب تحرير الأمة من كابوس الاستكبار خارجيا كان أو داخليا. ونجد أنفسنا وجها لوجه مع واجب التنمية الاقتصادية، وإعادة توزيع الثروات، ومع التخطيط اللازم، وواجب التنفيذ لمخططات التعليم والتقويم، وإعداد الأطر وتنسيق الجهود.

إن هذه المهمات الضخمة لا سبيل إلى انجازها بمجرد تقنيات الدولة، وإملاء إرادة الحاكم على أمة مستسلمة لكيد أعداء الإسلام.

إن لم يشارك الشعب المستضعف والتائبون من كل الطبقات في البناء مشاركة صادقة مخلصة فعالة مهتمة فلا سبيل” (المنهاج النبوي، ص405).

4- استحالة القيام بالبناء، بناء الدولة، بمجموعة محدودة العدد والطاقات، ضعيفة هزيلة مشتتة “ولا نقدر على مواجهة العدو وتهيئ مستقبل القومة الإسلامية بعناصر فاترة قليلة المشاركة تسمع وتطيع، دون أن تكون على بينة من أمرها” (المنهاج النبوي، ص88).

5- الرهان على الشعب في عملية البناء وتصوره مادة العملية ومحركها الفعلي والقوي يتيح تغلغلا أكبر في الشعب بعد القومة. وهذا أمر أساسي ومهم في ضمان استمرارية القومة ونجاحها وتوسعها وتجنيبها خطر النخبوية والعزلة عن الشعب: “لا ينبغي للتنظيم الإسلامي أن يكون فئة مغلقة، ونخبة خارج صفوف الشعب ومن فوقه” (المنهاج النبوي، ص 110).

6- وعي الشعب ويقظته التامة في متابعة الشأن العام للبلاد ومراقبة الحكام كفيل بتجنيب البلاد والعباد مآسي الظلم والاستبداد الذي يضل خطره قائما محدقا إن عاد الشعب إلى ذهنية القطيع ودين الانقياد و ارتكس من جديد إلى الاستقالة من الشأن العام. نعود مرة أخرى إلى الطاغوت. والشعب هو من يصنع طواغيته. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “نسعى قبل القومة وبعدها لإيقاظ الشعب وإشراكه في أمره حتى يحيى حياة الكرامة والمسؤولية، وحتى يصبح رفض التعسف والاستبداد والاستكبار ملكة لديه وحتى يصبح القيام الجماعي الصلب ضد كل انحراف عن الشورى في الحكم، والعدل في القسمة، والمسؤولية في التطبيق، حركة طبيعية عند كل رجل وامرأة.

ولترحيل الذهنية الرعوية البليدة، وتوطين عقلية وإرادة السلوك الشوري لا بد من تربية. وتدريب. وإشراك الشعب في تحمل المسؤوليات” (المنهاج النبوي، ص 428).

7- وعي الشعب ويقظته التامة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (بلسان العصر واجب المعارضة والمشاركة في الحياة العامة) بين الأوساط الشعبية يعين الدولة في أداء مهماتها ويخفف من مسؤولياتها الكبيرة والثقيلة. إن الدولة الإسلامية ترى في الشعب يدها اليمنى في القيام بمهمة البناء والتشييد ودعم وتنفيذ برامجها ومشاريعها. دولة بدون شعب له حضور دائم وفاعل في الحياة اليومية دولة مقطوعة الأطراف مشلولة. الشعب هو عضد رجال الدعوة، هو “مادتهم التي لا تنضب بعد تأييد الله، وسندهم على الأرض بعد سند الله” (المنهاج النبوي، ص 200).

8- بديهي أن مجاهدين ربانيين صادقين جعلوا من انتشال الشعب من الظلم والاستبداد إلى العدل والشورى قضيتهم الكبرى قبل القومة أن يجعلوا رهانهم عليه في البناء بعد القومة وإلا فهو النفاق برأسه وعينه. وتلكم آفة الأحزاب المبيرة التي ملأت وتملأ الساحة هرجا ومرجا بالديمقراطية والحرية والعدل وحقوق الإنسان وما إن تصل إلى سدة الحكم والمسؤولية، أي مسؤولية، حتى تتنكر للوعود وتخون الأمانة. يقول الأستاذ ياسين: “مع الشعب المستضعف نكون. وفي سبيل الله نقاتل وفي سبيل المستضعفين.

نقولها قبل القومة ونحققها أثناءها، ونطرد الكفر مع الفقر بعدها بإنصاف المظلوم وغسل أقذار البؤس عن وجه الأمة. إن شاء الله العلي القدير» (المنهاج النبوي، ص 424).

خاتمةحضور واستحضار دائم للشعب في جميع مراحل القومة في فكرنا المنهاجي. تلكم هي الخلاصة الكبرى والجلية من هذا البحث.

وما معنى وما الفائدة من تغيير وبناء الشعب فيه، وهو عنصر الإصلاح ومادته، غائب مغيب لا يحسب له حساب ولا يقام له اعتبار؟!

نظرة الديكتاتوريات الرقمية القطيعية إلى الشعوب المستضعفة إلى زوال. والطلائع الإسلامية المجاهدة المنبرية إلى الإصلاح والبناء في بلاد الإسلام أشد ما تكون معية والتصاقا بشعوبها. وهو ما أثمر ويثمر بحمد الله تعالى ثقة وتعاطفا عريضا وعميقا برهنت عليه بجلاء ولازالت صناديق الاقتراع الزجاجية متى فسح المجال الديمقراطي النزيه لجند الله.

ولعل أكبر وأخطر وأعمق أزمة عرفها الفكر المادي بشقيه الليبرالي والاشتراكي عبر التاريخ ولا زال يعانيها هي أزمة الجماهيرية والثقة الشعبية. بؤس يعكسه تمسحه اليائس وهوسه البئيس بشعارات الشعبية والجماهيرية السحرية الرنانة. وأنى له ذلك وهو ليس من ليلا و ليلا ليست منه عقيدة وتفكيرا، وأملا وطموحا!!

فطن المغربون المستلبون بنظريات الفكر المادي الدوابي لهذا الخطأ القاتل فهرعوا إلى لبوس الإسلام ومسوح الإيمان تحايلا على المخزون النفسي الديني للشعوب المسلمة والتفافا على قضيتها وتعتيما عليها. لكن هيهات! هيهات! وقد بعث الله تعالى في الأمة، فضلا منه تعالى ومنة، مجاهدين صادقين يحيون ويجددون الإيمان في قلوبها والحكمة في عقولها والإرادة الجهادية في حياتها ويفضحون الأفاكين والدجالين، من أحزاب وحاكمين.

كلمتنا إلى الشعب، كل الشعب، ورسالتنا السامية إليه أن ارجع إلى ربك الكريم وأخلص الوجهة والعبودية له فما من إله إلا هو وما من معبود بحق إلا هو. تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره ولا أرحم بك ولا أضمن لحقوقك ومصالحك من دينه الحنيف الذي ارتضاه لك فقال عز من قائل: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” (سورة المائدة، الآية 3).

ودعوتنا لك يا شعوبنا المسلمة إلى التمسك بالعروة الوثقى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

دعوتنا لك يا شعوبنا المسلمة أن التفي حول الصادقين الداعين إلى الله عز وجل على بصيرة وأن احذري واعتزلي المتنكبين عن جادة الدين، خونة أمانة سيد المرسلين سيدنا محمد صلوات الله عليه التامات وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.

انتهى المقصود من هذا البحث. فاللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم. وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وآخر دعوانا أن رب العلمين الحمد لله.