الملك العضوضبقلم: محمد طهير الإدريسي / mlymohammed @yahoo.fr

لقد كسر من جناح صف المهاجرين والأنصار، ما كان من مقتلهم في حروب الردة والفتوحات والفتن، وما حدث من شتاتهم في الأمصار، وما كان من تطاول الزمن حتى دنوا من انقضاء أجل الجيل في زمن علي؛ فلقد بويع سنة 35 ﻫ، وما عمر الجيل على العادة سوى أربعين عاما.

ولقد كان انقضاء عمر الجيل أوان انتقاض عروة الحكم في الإسلام، وبداية الملك العضوض؛ فقد ملك معاوية في منتصف سنة 41ﻫ.

فكيف جاء الجيل الجديد: جيل المُلْك العضوض؟

الملك العضوض

انتقاض عروة الحكم

إنه لما استكمل الفتح زمن عثمان رضي الله عنه، ونزل العرب بالأمصار في حدود ما بينهم وبين الأمم من البصرة والكوفة والشام ومصر، دخل في الدين سائر العرب من بني بكر بن وائل، وكندة وتميم، وقضاعة وغيرهم. فلم يكونوا من تلك الصحبة التي كانت للمهاجرين والأنصار بمكان إلا قليلا منهم، وكان لهم في الفتوحات قدم. ولقد تم لأبناء الصحب السابقين ما تمّ لآبائهم من الشرف والدين والفضل، لأمر الرباية والاقتداء. لكن هذا لم يجاوز أبناءهم إلا قليلا؛ لشغلهم بحروب الردة ثم الفتوح ثم الفتن.

وجاء أجل الجيل الأول السابق بالخيرات، والجيل الخلف المقتدي قليل العدد والعدة. وأما أمر العصبية، فعليه سائر العرب؛ فاستفحل وبزل وتمكّن وقرح، وتأتّى إلى الملك. وتعين بنو أمية للغلب على مضر وسائر العرب، ومعاوية يومئذ كبيرهم، وهو أول ملك.

كيف كان هذا؟

بعث الحق عز وجل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فدعا إلى الله والاستعداد للقائه، ووعد الجنة من اتبعه، وأوعد النار من عصاه. فآمن به قوم وكذبه آخرون. وحمى دعوته قرابته من بني هاشم، أما بنو عبد شمس فلقيه أكثرهم بالعداوة. وكانت الشوكة في قريش لهذين القبيلين، غير أن بني عبد شمس كانوا أكثر عددا.

ولما ظهرت النبوة في بني هاشم، نَفَس عليهم ذلك بنو عمومتهم من بني عبد شمس؛ فكان ما كان من أذاهم واستهزائهم وحصار بني هاشم. وألّبوا عليهم قريشا، وأصبحت كلمتهم فيهم نافذة.

مات أبو طالب وكان سيد بني هاشم، وهو الذي لم يأل جهدا في الذود عن ابن أخيه، حتى إذا جاءه الموت اجترأت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، وبالغت في أذاه وأذى أصحابه، وكبيرهم في ذلك قبيل بني عبد شمس.

فلما حدث هذا، عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على القبائل في موسم الحج، حتى يقوموا له وينصروه، فجاء جوابهم على تفاوت بين الشدة واللين، حتى إذا أقبل من المدينة قوم من الأوس والخزرج، عرض عليهم أمره، فبايعوه الأولى اثني عشر رجلا ثم ثانية ثلاثا وسبعين.

ثم كانت الهجرة إلى المدينة، وقد سبقتها الهجرة إلى الحبشة. فكان أول عمل عمله النبي في المدينة أن بنى مسجد قباء. ثم آخى بين المهاجرين والأنصار أخوين أخوين، أخوة الدين والتباذل.

ولما كانت الهجرة خلا الجو لبني عبد شمس في قريش، فأصبح لهم الشرف والسيادة بلا منازع. وجاءت غزوة بدر الكبرى، فقتل رؤوسهم، ومنهم عتبة بن ربيعة والد هند زوج أبي سفيان، وابنه الوليد، وأخوه شيبة، ومنهم عقبة بن أبي معيط والوليد بن أبي سفيان وغيرهم.

بعد هذا، استقل أبو سفيان بشرف بني أمية والتقدم في قريش. وجاء رئيسهم في أحد، وقائدهم في الأحزاب وما بعدها. وكذلك استغلظت رياسة بني أمية.

وجاء فتح مكة، فأسلم بنو أمية فيمن أسلم، ورئيسهم أبو سفيان. لكنهم لم ينسوا أمر العصبية والتغالب. ظهر ذلك منهم أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده. واستفحل الأمر أيام عثمان رضي الله عنه؛ إذ اتخذهم وزراء ونصحاء، فتسلطوا وأثاروا نعرة العصيان في القبائل العصبية، حتى قتل عثمان رضي الله عنه. ولقد كان مقتل عمر رضي الله عنه كباب كسرته عبيّة الجاهلية، فتسللت منه عصبياتها، التي استوقد نارها تسلط بني أمية.

وتلخيص الأمر، أنه لما اغتيل عمر، وانحلت جماعة المهاجرين والأنصار، والتف حول عثمان عصبية بني أمية، فظلموا في القسمة والتسوية بين الناس؛ زحفت عبّيّة الجاهليّة، واستفحل أمر العصبية وبزل.

وما أمر الفتن من مقتل عمر وعثمان، وحروب الجمل وصفين، إلا من قوم لم يتهذبوا بآداب النبوة، ولمّا تخالطْ بشاشة الإيمان قلوبهم، ولا تزال عبّية الجاهلية قارحة في صدورهم. فكان منهم غوغاء وأعراب، وكان منهم دهاة أهل مكيدة وخديعة. كل أولئك قتلوا الصحب، وأوضعوا خلالهم يبغونهم الفتنة. وكان غالب الغوغاء من سائر العرب، ومعظم الدهاة من بني أمية.

وقد أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم بذلك فقال:

‏‏ “هلاك أمتي على رؤوس غلمة أمراء سفهاء ‏من ‏قريش”. (رواه أحمد في مسنده)

تمالأ الغلمة مع الغوغاء فكان ما كان من الفتن والحروب. غلمة دهاة وأعراب غوغاء، إن خرجوا في صف المؤمنين أوضعوا خلالهم الفتنة. من يهذّب الغلمة ويربي الأعراب؟ هلم التربية الإحسانية. هي الجامعة من حيث العصبية فرقت.

لقد صار الأمر بعد الجمع إلى الشتيت. فطائفة شايعت عليا، وثانية خرجت عليه، وثالثة اعتزلت فهي مع من غلب، ورابعة باغية غالبة.

ولما جاء عام واحد وأربعين من تاريخ الهجرة، الذي سمي عام الجماعة، كان الحسن رضي الله عنه نزل عن بيعته وسلّم لمعاوية رضي الله عنه، وانضم الفريقان، واجتمعت الطائفتان بعد افتراق وحروب، فسمّوا بعد ذلك بأهل السنة والجماعة. منهم بل صفوتهم ممن شايعوا عليا، وكانوا على بيعته، ثم على بيعة ابنه الحسن السبط رضي الله عنهما. ومنهم من بغى، ومنهم من اعتزل. وانفرد عن هؤلاء طائفة لا ترى حق الخلافة إلا لعلي وبنيه من بعده، وهم من سمّوا شيعة بعد. وطائفة أخرى خرجت على الطوائف كلها، وهم من سمّوا خوارج.

هي التربية الإحسانية جامعة من حيث العصبية مفرقة.

جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله: “لم اجتمع الناس على عمر واختلفوا عليك؟، فقال علي: لأن عمر كان أميرا على مثلي، وأنا أمير على مثلك”.

مثلك لم يتشرب تربية الإيمان، كما تشربها أمثال علي، أخذا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قتل عمر، وقتل عثمان، وقتل علي، وأحيط بالحسن فتنازل عن الخلافة حقنا لدمـاء المسلمين، وتولاها معاوية بالسيف، من غير مشورة المسلمين ولا رضاهم، وحوّلها إلى ملك عضوض، يعضّ على الأمة بالسيف والوراثة وبيعة الإكراه.

أحصى التابعي الحسن البصري رضي الله عنه موبقات دولة معاوية، وذكــر انتـزاءه على الأمة بالسيف، حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة. واستخلاف ابنه وهو سكير خمير، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير. واستلحاقه زياد. وقتله حُجْر، وأصحاب حجر (انظر ابن الأثير، ج3، ص242، البداية والنهاية، ج8، ص 130).

ومهد للأمر عمرو بن العاص لما أشار برفع المصاحف يوم صفين، والمغيرة بن شعبة لما وطّأ البيعة ليزيد الفسق.فعضّت دولة بني أمية بالوراثة وبيعة الإكراه.

وهكذا آلت، خلفا بعد خلف، قواعد دولة القرآن في الشورى والعدل والإحسان إلى الانتقاض.وقليل من الملوك الصالحون.