ويقولون: المال بين زيد وبين عمرو، بتكرير لفظة «بَيْن» فيوْهَمون فيه، والصواب أن يقال: بين زيد وعمرو، كما قال سبحانه: (من بين فرث ودم)(1)، والعلّة فيه أنّ لفظة «بين» تقتضي الاشتراك، فلا تدخل إلاّ على مثنى أو مجموع، كقولك: المال بينهما والدّار بين الإخوة.

ويقولون: ثَفَل في عينه، بثاء معجمة بثلاث، فيصحّفون فيه؛ لأنّ المنقولَ عن العرب تَفَل بإعجام اثنين من فوق. وحكى الفراءُ عن الكسائي أنّ العرب تقول: تفل في عيني ونَفَث، فالتّفْل: ما صحبه شيء من الريق، والنّفْث: النفخ بلا ريق؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: “إنّ روح القدس نَفَث في روعي أنّ نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب”(2).

ويقولون: أزْمعت على المسير، ووجه الكلام: أزمعت المسيرَ كما قال عنترة:إن كُنتِ أزمَعْتِ المسير فإنّما *** زُمّت ركابكمُ بليلٍ مُظْلمِويقولون: أُعْلِِفَت الدابةُ، والصواب عُلِفَتْ، قال الشاعر:إذا كنتَ في قومٍ عِِدًى لَسْتَ منهم.*** فكلْ ما عُلِفْتَ من خبيث وطيِّبِويقولون: ما آليتُ جَهْداً في حاجتك، فيخطئون فيه؛ لأنّ معنى آليت: ما حَلَفْتُ، وتصحيح الكلام فيه أن يقال: ما أََلَوْت، أي ما قَصَّرت؛ لأنّ العرب تقول: أَلا الرّجل يأْلُو، إذا قصّر وفتر.

ومن أوهامهم في التأريخ أنهم يؤرخون بعشرين ليلة خلتْ وبخمس وعشرين خَلَوْن، والاختيار أن يقال: من أول الشهر إلى منتصفه: خَلَتْ وخلَوْن، وأن يستعمل في النصف الثاني بقيتْ وبَقينَ؛ على أنّ العرب تختار أن تجعل النّون للقليل والتاءَ للكثير، فيقولون: لأربع خَلَوْن، ولإحدى عشرة خَلَت.

ويقولون: ما رأَيتُه من أمسِ، والصواب أن يقال: مُنْذُ أمسِ؛ لأنّ “مِنْ” تختصّ بالمكان، و”مُذْ” و”مُنْذُ” يختصّان بالزّمان.

ويقولون: تتابَعَتِ النَّوَائِبُ على فُلان، ووجه الكلام أن يقال: تَتَايَعَتْ، بالياء المعجمة باثنتين من تحت؛ لأنّ التَّتَابُعَ يكون في الصلاّح والخير، والتَّتَايُعَ يختص بالمنكر والشّر، كما جاء في الخبر: “ما يحملكم على أن تتايَعوا في الكذب كما تتايع الفرَاش في النّار”(3).

ويقولون: هو ذا يفعل وهو ذا يصنع، والصواب فيه أن يقال فيه: ها هو ذا يفعل؛ وكان أصل القول: هو هذا يفعل، فتفرَّع حرف التنبيه الَّذي هو: “ها” من اسم الإشارة الذي هو “ذا”، وصُدِّر في الكلام وأُقحم بينهما الضمير، ويسمّى هذا التقريب.

ويقولون: رَجلٌ متعوس، ووجه الكلام أن يقال: تاعس، وقد تَعَسَ، كما يقال: عاثر، وقد عَثَر، والتَّعْس الدعاءُ على العاثر بألا ينتعش من صَرْعته، وعليه فُسِّر قوله تعالى: (فتعسا لهم)(4). والعرب تقول في الدعاء على العاثر: تعْساً له! وفي الدعاء له: لَعاً!

ويقولون: ما شَعُرْتُ بالخبر، بضمّ العين، فيُحيلون المعنى فيه؛ لأنّ معنى ما شَعُرت بضم العين: ما صِرْتُ شاعرا، فأما الفعل الّذي بمعنى عَلِمْتُ، فهو شَعَرْت بفتح العين، ومنه قولهم: ليت شِعْري، أي ليت علمي.

ويقولون: نَقَل فلانٌ رَحْلَه، إشارة إلى أثاثه وآلاته وهو وَهْمٌ ينافي الصواب، إذ ليس في أجناس الآلات ما يسمّونه رَحْلاً إلاّ سَرْجُ البعير، وإنما رَحْل الّرجل منزله، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: “إذا ابتلَّت النعال فالصلاة في الرِّحال”(5)، أي صلُّوا في منازلكم عند ابتلال أحذيتكم من المطر. وقيل إنّ النعال هنا جمع نَعْلٍ، وهو ما صلب من الأرض.

ويقولون: يَوْشَك أن يفعل كذا بفتح الشين، والصواب فيه كسرها؛ لأنّ الماضي منه أوشك، فكان مضارعه يُوشِك، كما يقال: أودع يُودِع وأورَدَ يُورِد، ومعنى يُوشِك يُسرع لاشتقاقه من الوَشِيك، وهو السّريع إلى الشيءِ.

———————————

1- سورة النحل، الآية: 66.

2- أخرجه ابن حبان رحمه الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

3- أخرجه ابن جرير رحمه الله عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها.

4- سورة محمد، الآية: 8.

5- رواه أحمد والنسائي وأبو داود رحمهم الله عن أبي المليح عن أبيه رضي الله عنهما.