هذه خَطْرَةٌ أوحى بها رحيلُ إحدى إماء الله المؤمنات إلى دار الخلود، وقطرةٌ مما فاض به الصدر بعد أن غَيَّبَها عنَّا الثَّرَى، وعَبْرَةُ مَنْ لم يجد من سبيل إلى الوفاء إلا بِذَرْفِهَا، وزفرةُ مُحْتَسِبٍ يدرك مِنْ جَلَلِ فَقْدِ أهل الله وأحبابه ما يُدرِك، وعِبْرَةٌٌ وتذكرةٌ لكلِّ غافلٍ ناسٍ مثلي أننا -في هذه الأرض- عابرو سبيل: بين الدنيا والآخرة.

وقد كنت نشرتُ في 10/05/2006 مقالاً قدمتُ له بإهداء جاء فيه:

“أُهْدي هذه الحلقة إلى أختي في الله الأستاذة الفاضلة خديجة أُمِّ هُدى، عجَّلَ الله تعالى بشفائها شفاءً لا يغادر سقماً، وأَذْهَبَ عنها طولَ ووطأةَ ما تجد من لأْوَائِهِ وتكابد، وكتب لها محنتَها في صحائف الرضوان عنده سبحانه، وجَدَّدَ بها وبأخواتها مِنْ دعوة الله ما تَقَرُّ به عَيْنُ قلوبِ المؤمنين آمين آمين آمين”.

واليوم، استراحت “خديجة عطري” -رحمها الله- مِن لأْوَاءِ رحلتها في هذه الدنيا ومن كَبَدِهَا وبلائها وكدحها؛ أبدلها الله دارا خيرا من دارها وأهلا خيرا من أهلها آمين.

والمُصاب ليس فِرَاقاً يَحْتَزُّ من القلب بَعْضَهُ، وإنما هو -إلى هذا- يَدٌ تحسن البناء خَلاَ منها الميدان، وركنٌ شديد افْتُقِدَ في طرفة عين، وكفٌّ خَيِّرَةٌ انقبضت بعد بَسْط، وقلبٌ حانٍ جامعٌ مُتَهَمِّمٌ مضى، وعزيمة نافذةٌ فعَّالة لا غَناء عنها -إلا برحمة الله- غابتْ. إنا لله وإنا إليه راجعون. نسأل الله تعالى الْخَلَفَ والعوض.

وقد بَلَّغَ اللهُ أَمَتَهُ المجاهدةَ رمضانَ هذا العامِ (1428هـ)، واختارها إلى جواره في أيام المغفرة منه، وخَصَّهَا بلقائه -مع من خصَّ سبحانه- في يومٍ منها مبارَكٍ هو رمز للجهاد وللشهادة وللعطاء وللتمكين وللثبات وللوفاء. فقد كانت تتمنى وترجو  رحمها الله- أن تلقى ربَّها يوم ذكرى غزوة بدر -وقد أفلح مَنْ صَدَقَ- فحقق الله أملَهَا إِذْ لَقِيَتْهُ سبحانه عصر يوم الأحد السابع عشر من رمضان هذا العام 1428 للهجرة (30/09/2007). أسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياها مقام الشهداء آمين.

الجهاد الْخَفِيّأكثرُ شهداء هذه الأمة المباركة يموتون على فُرُشِهِم، وجُلُّ مجاهديها أخفياء لا يكادون يُعْرَفون؛ والمجاهد الشهيد الحي من يتأبط العزم ويلتحف بالصدق ويحفظ ما في صدره يستخفي بجهاده -إلا عن عين الله تعالى- أكثر مما يستخفي العاصي بمعصيته. ولا يضيره إن جهِلَه الناس ما دام الله يَعْلَمُ ما تحت الإبطِ وما خلْف اللحاف وما تُخْفِي الصدور. ولا راحة ولا أمْن للمجاهد إلا إن عافاه الرب من ظُلْمِ النفس وتَجَاوَزَ أولى عتبات الآخرة وعقباتها بسلام: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام 82)؛ وقد أفلح مَنْ عرف مِنْ ضعف نفسه ومن افتقاره إلى ربه ما هو أعظمُ من أن يقنع معه بغير رحمته سبحانه سُؤْلاً.

وتَحْجُبُنَا الخلطةُ فلا ننتبه إلى أهل العزم والصدق قبل أن يرحلوا عنا فنُحْرَمُ الأسوةَ بهم والتماسَ الدعاء الصالح منهم. ولو كُشِفَت عنا الْحُجُبُ لرأينا تحت أَسْمَالِ كل مؤمن سراجا وهَّاجا يَتَلأْلأُ نورُهُ أو كوكبا دُرِّيّاً في تمامه أو وهجَ شمس في كامل إشراقها؛ ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وتغيب عنا الفكرة أو تُنْسِينا العادة أو تُعْوِزُنَا الوسيلةُ فلا نُجَلِّي عَمَّا عَظُمَ وَخَفِيَ من جهادهم نوثِّقُه من أجْل الأجيال الحاضرة واللاحقةِ حتى تبشِّرَنا سيرتُهُم ومسيرتهم بأن وعد الله تعالى ووعد نبيه صلى الله عليه وسلم بانبعاث أجيال قرآنية جديدة من تحتِ ظلِّ النبوة في القرون الآخرة ليس حُلُماً بعيد المنال، بل هو شمسُ ضحىً لمن لم يُحْرَمْ نعمة البصر ونفاذ البصيرة.

ومِنْ عباد الله الموفَّقين العارفين مَنْ أنعمَ عليهم سبحانه فرفع عنهم مِنَ الْحُجُب الْمُسْبَلَ على غيرهم، فأدركوا المرادَ منهم قبل أن تمتد إليهم يد القدَر بالعوَزِ الْمُقْعِد أو المرضِ الْمُعْجِزِ أو الموت المفجعِ الْمُنْتَظَر. وربما كانت “خديجة عطري” -وأحسبها كذلك ولا أزكي على الله أحدا- مِن هؤلاء الموفقين المنعَمِ عليهم إِذْ ألهمها سبحانه في حال الصحة والشباب والقوة ما أدعوه تعالى أن يكتبه لها في صحائف الرضوان عنده آمين؛ فلما نزل نَصيبُها من البلاء -وما كان أشدَّه- لَزِمَتْ ما عَرَفَتْ.

حلَّ السرطان على المجاهدة الراحلة وهي في الثامنة والعشرين من عمرها، وأقام بأجناده في رِئَتَيْهَا إقامةَ غازٍ محتلٍّ جاء لِلْمُكْثِ الطويل، ونشر أورامَه في ربوعهما فأَعْمَلَ في جسدها بأسيافه بعدما كانت تنعم بالصحة والعافية بين أهلها وأحبابها في عُنْفُوَانِ الحياة وبهجتِها، وما وَدَعَ هذا الغازي مَخْدَعَ نَفَسٍ في صدرها إلاَّ كَتَّمَهُ، ولا تَحَسَّسَ قطرةَ ماء واحدةً في مَسْلَكٍ إلاَّ خنقه وجَفَّفَها، حتى استحال على الطعام والشراب أن ينفذا إلى معدتها إلاَّ من خرطوم صغير كان يخرق الحصار إليها بعنتٍ شديدٍ.

وبعدما بذلَت الراحلة كلَّ نفْسِها وأنْفاسِها في حمل أمانة الدعوة مع الحاملين بحب وقوة وحماسة وعزم وثبات، وحين بلغت إحدى وثلاثين عاما من عمرٍ أنفقتْ عُشُرَه الآخِرَ في جهاد عظيم ما بين سرير آسِرٍ وهِمَّةٍ متوثبةٍ فاضت روحُها إلى باريها بعد أن علَّمنا حالُها ومثالُها أن الموت وإن كان قدراً موقوتا بأجله وحينه إلا أنه كأنه قرينٌ من قرناء الإنسان يولَدُ معه فَيَقْتَطِعُ من عمره ما يقتطعه المنشار من جذع الشجرة حتى تسقط سَقْطَتَهَا الآخرة.

وقد كتب الله تعالى لهذا العبد أن يتابع مِنْ قُرْبٍ حياةَ هذه الشجرةِ من أول يوم استوت على جذعها وَأفْرَعَتْ وأَوْرَقَتْ وأزهرت وأثمرت وأينعت إلى أن شَحَّ ماؤُها فبدأت تتساقط وَرَقَةً وَرَقَةً وزهرةً زهرةً وغُصناً غصناً حتى لم يبق منها إلا خَشَبَةٌ لا تسري فيها إلاَّ بقيةُ حياةٍ ولا يكاد يقيمُها إلا يسيرُ رَمَق.

ومع كل زهرةٍ تَتْلَفُ وورقةٍ تَصْفَرُّ وتتساقط وغصنٍ يجِفُّ ويَعْرَى كان المددُ الرباني يَنْعَشُ روحَها بضياء أَلْفِ فَجْرٍ ويغذِّيه برحيق ألفِ زهرة ويَمُدُّه بمددِ ألف جيش وينفخ فيه قوةَ ألفٍ من الْخَلْقِ الكريم كأنها كانت في حال الصحة والفراغ والشباب تُكَتِّبُ من جيوش العزم وتُعِدُّ من عُدَّةِ الصبر وتَدَّخِرُ من معاني الإيمان ليومٍ أضحتْ -وهي بعلَّتِها القاهرةِ تلك وبضعفها الظاهرِ ذاك- ظَهْراً وسَنَداً ورهطاً مُؤَيِّداً للعاجِزِ التَّلِفِ الواني، وَجَبْراً وعزاءً للمنكسر الشَّجِيِّ العاني، وركنا شديداً ورابطاً جامعا للتَّلِفِ الْمُعَانِي.

فأي معنىً من معاني الكمال كريمٍ كان يَتَتَرَّسُ بذلك الجسد العاجز؟ وأي روح عظيم تَلَبَّسَ به حتى ذَلَّلَ سلطانَ السرطانِ الغازي تذليلاً؟ وأي رحيق سرى في أوصال مَنْ أَنْسَلَ ضعفُها الْمُقْعِدُ ومرضُها العضالُ وَثْبَ غَضَنْفَرٍ وقُوَّةَ صنديد ما أكثر ما يخلو منهما الأصحاء القاعدون الطَّاعِمُونَ الْكَاسُون؟