أخذت كلمة النظم في التراث العربي البلاغي والنقدي حيزا كبيرا وتداولتها ألسنة المفسرين والبلاغيين قديما وحديثا حتى غدا للكلمة استعمال خاص كاد يرتبط بالنص القرآني، لهذا ركز الجاحظ على نظم القرآن في كتابه المفقود، وأسهب من بعده من النقاد والمفسرين والكتاب في جمع الأدلة على أن ما يميز النص القرآني هو نظمه، تفاديا لكل انتصار للفظ أو للمعنى، وحسما لما قد وقع بين النقاد من جدل عن مردّ الإعجاز القرآني أمثال ابن قتيبة والرماني والباقلاني والقاضي عبد الجبار وعبد القاهر الجرجاني من خلال كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة.

والنظم في معناه اللغوي يدور حول ضم الشيء إلى الشيء وتنسيقه على نسق واحد، كما تضم حبات اللؤلؤ بعضها إلى بعض في سلك واحد. وهو أساس المعنى الاصطلاحي الذي ذهب إليه الجرجاني في كتابه الدلائل، فالنظم عنده: أن تضع كلامك الوضع الذي تقتضيه علوم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها، فهو خلاف النثر الذي:”يعني التشتت والتبعثر”1 وترتبط كلمة النظم بروح الجماعة لأن”كلمة النظم حين تومئ إلى نشاط روحي خاص لا تنسى بطبيعة استعمالها فكرة”الجماعة”… وإذا كانت كلمة “البلاغة تومئ إلى غاية الجماعة من بعض النواحي فإن كلمة النظم لا تفترق أحيانا عن روح الجماعة. روح الوثب والتطلع أو التحرر.”2

ونظم الأمة كالنظم البلاغي، يقوم على الجمع والتنسيق وضم الأفراد بعضهم إلى بعض حتى يأتلفوا على منهج قويم واحد، ويلزموا محجة لاحبة، ويسيروا في طريق واحدة واضحة. فالناس مختلفون في طبائعهم وأحوالهم، يحسن منهم ويقبح مثل الألفاظ تماما:”فكل لفظ دال على معنى، له مقامه الذي يحسن فيه، ومقامه الذي يقبح فيه، وشأن اللفظ في عالم البيان شأن المرء في عالم الإنسان، قيمته في سياقه وعلاقاته الاجتماعية بإخوانه، على قوانين الشريعة وأصولها ومناهجها التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت فلا تخلّ بشيء منها. فالأمة الإسلامية هي النص، وعمود جمالها وبلاغتها هو الشريعة، ونحن مفرداتها. والله لا ينظر إلى صورنا وأجسامنا، ولكن إلى أعمالنا وعلاقاتنا الاجتماعية، وأخذنا بقوانين ورسوم ومناهج الشريعة (نظم النص)، التي هي معاني الوحي/ النحو، فالدين المعاملة كما تقضي الموعظة النبوية، تعادلها أو تنبثق منها النظرية الجرجانية: البلاغة العلاقة. فبلاغة كل عنصر من عناصر البيان في علاقته بجيرانه في إقامة النص، مثلما بلاغة/ جمال المسلم في علاقته بإخوانه في إقامة الأمة المسلمة/النص.”3

وهذه الإقامة وهذا النظم يتطلب منظوما وناظما وأداة نظم وهدفا من النظم، فما حقيقة هذا كله؟

المنظوم: أفراد الأمة وشتاتهاعرفت هذه الأمة ذلة وهوانا واستضعافا وتخلفا لا يتناسب مع طبيعة رسالتها التي تدعو إلى العلم في غير جهل، والهدى في غير ضلال، والبناء في غير هدم، والحق في غير باطل، والقوة في غير تجبر، واللين في غير ضعف. فالأمة بلغت ضعفا لم تبلغه أمة من قبل، تكالب عليها أعداؤها من الخارج والداخل، بما أصابها من وهن حب الدنيا وكراهية الموت، فانتهت حالتها إلى ما هي عليه اليوم، وليس من سبيل إلى عزتها ونصرها إلا انتظامها من جديد في سلك جامع وخيط ناظم هو الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح، فلا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أمر أولها. فإذا كان:”أساس بيان لسان العربية وجماله من أساس جمال الأمة المسلمة وعزها. بلاغة الخطاب في تأليف عناصره وما يثمره ذلك التأليف، وبلاغة الأمة/النص وعزّها في علاقات أبنائها ومعاملتهم على قانون شريعتها، ومعاني الوحي/ النظم، ومعاني النحو التشريع.”4 فالأمة الدرر المنتثرة و”النظم بمثابة الخيط الذي يجمع الدرر ويحفظها من التبدد والضياع.”5

فمن ينظم شتات الأمة و يقيم أمرها اليوم بعد هذا التشرذم الذي أصابها؟

الناظم الوارث عن النبي صلى الله عليه وسلمهذا الناظم هو القائم بأمر الله الساعي إلى تحرير النفوس والعقول والقلوب من عبودية الأشخاص والأشياء والمظاهر إلى عبودية مالك الأشخاص والأشياء والمظاهر. هو الإمام المصحوب الذي ترجى بركته والأمير المحبوب الذي تطاع إمرته، وهو المربي الذي يربي الأجيال على المحبة والخير والصدق والتقوى، والمنظم الذي يهيكل صفها ويبني أعمدتها، هو الوارث للعلم الشرعي ولروح العلم عن رسول الرحمة ونبي الهدى، يسير على نهجه ويتبع طريقه، فيستعيد على بصيرة هذا النور وهذه الوسيلة، ينظم الأمة في سلك المحبة والإخاء والحق والعدل والرحمة بالرفق واللين، في سلك البناء المتين القويم الذي لا يتضعضع ولا ينهار بأمر العزيز الحكيم.

فالأمة اليوم في حاجة إلى من يلم شتاتها ويجمع شملها ويعيد لها سابق عهدها النير المؤتلق الوضاء، وفق نواظم ثلاث: الحب في الله، والنصيحة والشورى، والطاعة. وهذه مهمة من لا يخاف في الله لومة لائم ولا يخشى إلا الله، يبذل من دمه ووقته وعلمه وفكره وبدنه. وقد كثر من حولنا من يخشون الطواغيت ومن يوالونهم ويعتصمون بهم بل ويجعلونهم أربابا من دون الله. يبيعون دنياهم بآخرتهم والعياذ بالله.

مهمة الناظم / المصحوب هو تأليف الأمة:” فالتأليف الذي هو إقامة علائق الألفة بين الكلم، وهي علائق ليس مناطها أصوات الكلم، فهذه تشاكل لاتآلف، بل هي علاقات جُوّانيّة روحانية بين الكلم، أي: علائق في معاني نحوها، لا المعاني الوضعية لها: ((الأرواح جنود مجندة& )) الحديث. هذا التأليف بين معاني الكلم هو مناط الفضيلة؛ لأنه من هذا التأليف يكون المعنى البياني، لا المعنى الإفرادي الوضعي للمفردات، والمعنى البياني هو الضالة المنشودة والبغية المرغوبة”6.

فافهم عني ولا تجهدني!

أداة النظم ووسيلتهتحتاج الأمة إلى ما يجمع شتاتها (الأداة) كحاجتها إلى من يلم تفرقتها (الناظم) ولعل هذه الأداة هي المنهاج القويم الذي حدد معالمه الرسول صلى الله عليه و سلم، وحافظ عليه الخلفاء الراشدون، وجدده المجددون من بعده عبر العصور والأزمنة، فقد كانت نبوته منهاجا قويما، وكانت خلافة الراشدين على هديه سائرة مكملة لما بدأه من بناء للعمران الأخوي.

فها هو القرآن اليوم بيننا، وسنة المصطفى بين دفات المجلدات وفي ثنايا الكتب منثورة، فبأي فهم نفهم القرآن اليوم. وهو هو لم يتغير في معناه ولا في لفظه؟ وما السبيل إلى إدراك مرامي السنة وقد تعددت المدارس والمذاهب والفرق، كل يأخذ من القرآن ما يؤول به رأيه ويبرر حكمه على الآخر المخالف بغير تبصر، وكل يدعي الانتساب إلى السنة المطهرة، ويجري منها ما يخدم آراءه؟

لابد إذن من أداة طيعة تسهل فهم القرآن بعد عصور العض والجبر والاستبداد، تجمع ما تشتت وتلمّ ما تبعثر. لا بد من وسيلة فعالة نستلهم منها ما يعيد للأمة رباطها القويم ونهجها السديد. إنه المنهاج الذي بواسطته يسترشد المسلمون اليوم في ظلام النظريات والأفكار والآراء والإيديولوجيات. منهاج يتطلع إلى بعث روح الجماعة في الأمة التي فقدت روحها وكيانها وكليتها في زمان الظلمات.

إنه المنهاج / الأداة المساعدة على شق الطريق، وإزاحة العقبات، وتذليل الصعاب، وعلى التربية والتنظيم والزحف، فيا له من منهاج هذا الذي ينظم الأفراد في سلك واحد، و يعبر بهم في سفينة النجاة بحر الظلمات المائج الهائج!

الهدف من النظم وغايتهتحرير الأمة من كل أشكال العبودية لغير الله هو المقصد، ورفع الظلم والحيف عنها،وملء الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، وتبويئها مكانة عالية في رحاب الإحسان هو الهدف من النظم عبر تربيتها وتنظيمها والسير بها نحو التحرر: “إن نبرة كلمة النظم تحمل التعجب والتحرر من التبعية الغليظة والاتصال الآلي… كأن النظم حرية تنال في لحظة قصيرة. إذا استعمل عبد القاهر كلمة النحو فهذا هو النحو البادي في الكتاب (دلائل الإعجاز). نحو البحث عن الحرية.” و: “النظم إذن يعني البحث عن كلمة تضيء وسط جمع محشود من الكلمات. لهذه الكلمة إمامة غريبة… النظم حلم الإفاقة العظمى أو هو نشاط الروح المفاجئ يجتمع في كلمة واحدة. كلمة تعلو على سائر الكلمات”7.

فالإفاقة العظمى هي القومة بما تحمله من معاني القوة والرحمة والتبصر،هي القومة التي تتوج مسيرة الناظم / الوارث في عمله الدؤوب الساعي إلى بناء مجتمع العدل والحق والإحسان. فلكلمة النظم إمامة غريبة في عالم البلاغة، كما لها إمامة في عالم الناس وواقعهم.

للنظم هدفان:

– استخلافي، بإقامة العدل في الأرض.

– إحساني، بعبادة الله كما يحب ويرضى.

وكلا الهدفين، غايتهما وجه الله تعالى.

والسعي إلى إقامة مجتمع العمران الأخوي مهمة من أجلّ المهمات، مهمة الأنبياء والرسل والصالحين من عباد الله، لا يتجرد لها إلا الصادقون. فهل أنت يا أخي مستعد للمشاركة في هذا البناء؟!

قم وانتفض وارج النجاة. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

———————————-

1 عبد الفتاح كليطو  الأدب والغرابة، دار توبقال للنشر، ط  3  2006 – ص : 27.

2 مصطفى ناصف  اللغة والتفسير والتأويل سلسلة عالم المعرفة، عدد193 – يناير 1995 ص: 114 – 115.

3- نظرية النظم وقراءة الشعر عند عبد القاهر الجرجاني إعـداد محمود توفيق محمد سعد.

4  نفسه.

5- الأدب و الغرابة، ص: 28.

6- نظرية النظم وقراءة الشعر عند عبد القاهر الجرجاني إعـداد محمود توفيق محمد سعد.

7- اللغة والتفسير والتأويل سلسلة عالم المعرفة، ص: 115.